الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 للقاهرة في قلب المخرج العالمي مصطفى العقاد مساحة خاصة، ورغم ذلك لا تزال المحاكم تتداول الدعاوى القضائية التي اقامها ضد التلفزيون المصري. ولمصطفى العقاد في العالم كله والعالم العربي بشكل خاص شهرة واسعة، وتقدير يفوقان الحدود، ورغم ذلك فإن أهم أفلامه مازال ممنوعا في بلده سوريا، وفي بلده الثاني مصر، رغم أن العالم كله شاهده، ولا يزال! وفي الوقت الذي تتحدث فيه وسائل الاعلام العربية عن المعاملة السيئة التي يلقاها العربي ـ أي عربي ـ داخل الولايات المتحدة، فإن دور العرض وجماهير السينما الاميركان احتفوا بشدة خلال الشهر الماضي بأحدث أفلام العقاد، ومازال الاقبال عليه يتزايد من شركات الانتاج الاميركية. وفي حين يتحدث الجميع داخل الوطن العربي عن ضرورة تقديم صورة العرب الحقيقية في أفلام سينمائية يراها العالم بعد أن نجحت هوليوود في تشويههم، فإن مصطفى العقاد مازال عاجزا عن توفير التمويل اللازم لفيلمه صلاح الدين. كل ذلك كان في ذهننا حين التقينا المخرج العالمي خلال زيارته للقاهرة اثناء انعقاد مهرجانها السينمائي الدولي، لكننا نبدأ بالحديث عن الفيلم التسجيلي الذي قدمه عن الزعيم جمال عبدالناصر باعتباره مدخلا مناسبا نستطيع من خلاله النفاذ الى كل تلك الموضوعات. سألته عن دوافع تقديمه لهذا الفيلم فأجاب: إن عبدالناصر زعيم تاريخي، وهو رمز للعزة والكرامة العربية، واليه يرجع الفضل في اجبار العالم كله على احترامنا كعرب، اضافة الى انه صاحب دور مهم في تحرير الدول العربية من مستعمريهم، فهو الذي قاد حركات التحرر الوطني وساهم بشكل مباشر في حصول دول كثيرة على استقلالها، وكل ذلك يجعل من واجبي كمخرج سينمائي أولا وكعربي ثانيا أن أقدم هذا الزعيم الخالد، لأقول للعالم كله هذا الرجل منا. ..... أردت أن أطرح سؤالا، لكن العقاد أمهلني حتى يحكي واقعة تؤكد ما قاله عن كيفية اجبار عبدالناصر العالم على احترامنا كعرب فقال: كنت في الولايات المتحدة حين رفض عمال الموانئ الاميركية اليهود أن يقوموا بتفريغ احدى البواخر المصرية، ورأيت عبدالناصر يطالب عمال الموانئ في كل الدول العربية بمعاملة السفن الاميركية بالمثل، فما كان من الحكومة الاميركية الا أن أصدرت أوامرها للجيش بتفريغ الباخرة المصرية. ان واقعة كهذه ـ يضيف العقاد ـ توضح كيف كان الزعيم جمال عبدالناصر يستطيع بكلمة منه أن يضغط على الحكومة الاميركية وكذا كل حكومات العالم، الا تكفي واقعة كهذه لأتفاخر بانتمائي لزعيم كهذا. يمكنك اذن ان تسألى كما تريدين! ـ فيلمك عن الزعيم جمال عبدالناصر، هل يكون بداية لأفلام أخرى عن رؤساء وملوك عرب؟ وهل هذا كلام يقال؟ ـ اذكر لي اسما لرئيس أو ملك عربي له صفات ومنجزات عبدالناصر ويستحق أن أقدم فيلما عنه. لقد سمعت عن مشروعات كثيرة، وعن مفاوضات جرت معك لتقديم أفلام عن ملوك رؤساء وملوك عرب يحتفون بي جدا، ويكرمونني ويعرضون على تمويلاً لإنتاج أفلامي في مقابل أن أقدم أفلاما عنهم، عن أنفسهم وعن أنظمتهم، وهذا ما لن أفعله، فأنا لا أحب تقديم أفلام محلية عن رؤساء أو غيرهم لكنني أحاول تقديم تراث الأمة العربية، وهناك مقولة أضعها فوق مكتبي تقول: في الحاجة تكمن الحرية، فإذا كنت محتاجا فأنا لست حرا، وأنا لست في حاجة لأي شئ، فقط تعينني حريتي، ويعينني تقديم ما أقتنع به. ـ يقودنا هذا الكلام للحديث عن فيلمك صلاح الدين، أمازلت عاجزا عن توفير التمويل اللازم له؟ ـ إن هذا الفيلم أحاول انجازه منذ فترة طويلة، ولدى مشروعات تمويل كثيرة، لكن الكثير منها مشروط، وأنا مستعد للتفاوض بشرط الا تكون هناك تنازلات سياسية، مستعد فقط للتفاوض في الأمور المالية والاقتصادية لكن بعيداً عن المواقف والمبادئ. وهناك ايضا من يقولون لي يمكننا تمويل مشروع الفيلم بشرط ان تقدم لنا فيلما عن كذا أو عن كذا، وهذا أيضا ما لا أقبله. ـ ولماذا وقع اختيارك على صلاح الدين تحديدا؟ ـ أنا هدفي كما قلت هو تقديم تراث الأمة العربية، لكن فيما يتعلق بصلاح الدين فهو أنسب شخصية نقدمها الآن كعرب، لأن الغرب والاميركان يتحدثون عن الارهاب الديني، ومادام الأمر كذلك فأنني أريد أن أقول لهم وهل هناك أكثر من الحروب الصليبية التي كانت مثالا للارهاب الديني؟ ورغم ذلك فإننا لم نتهم المسيحية بالارهاب. ثم ان وضعنا العربي الآن يشبه وضع العرب أيام صلاح الدين: دويلات منقسمة ومفككة وتحارب بعضها بعضا وصلاح الدين هو الذي وحدها وجمع كلمتها وقام بتنظيف انظمتها فاستطاع ان يهزم الصليبيين ويقهرهم، أنني أريد ان أقول اننا في حاجة الى مثل هذا الرجل الآن، أو نحن في حاجة الى اتباع سياسته، حتى نواجه التحديات وحتى نتغلب على المتربصين بنا. ـ وماهو التمويل الذي تحتاجه لانجاز هذا الفيلم؟ احتاج 80 مليون دولار، وأنا واثق انه سيحقق أضعاف اضعافها، فالافلام التاريخية عموما مردودها كبير، فمثلا فيلم الرسالة تكلف وقتها 17 مليونا في النسختين العربية والعالمية، وقد حققت النسخة العالمية عشرة أضعاف هذا المبلغ وتمت ترجمته الى 12 لغة مدبلجة والدولة الاميركية اشترت نصف مليون نسخة فيديو منه ليشاهد جنودها الفيلم. ـ وماذا عن مشروعاتك الاخرى؟ لدى فيلم عن عروبة القدس واخر عن الاندلس، وينقصني أيضا التمويل، ودعيني اسأل هنا متى يقرر العرب الا يكتفوا بالكلام، وان يقرنوا كلامهم بالفعل، اننا ننفق عشرات المليارات على شراء الدبابات والطائرات، ولم نر الى الآن رصاصة واحدة توجه الى اعدائنا رغم ان 10% من هذه الميزانية كافية لتحقيق المعجزات، ان الحرب الآن هي حرب اعلامية بالاساس، ولكننا للاسف نكتفي بالكلام بيننا وبين انفسنا، ولا نحاول ان يصل صوتنا للعالم، ولا نحاول ان نقدم للعالم صورتنا الحقيقية، ونترك اليهود الذين يسيطرون على السينما الاميركية يقدموننا كما يريدون. ـ بفرض ان التمويل توفر، هل تستطيع أن تنجز هذه الافلام في هوليوود واليهود كما قلت يسيطرون عليها؟ ـ في المقام الأول، ومادمت قادرا على عمل أفلام تحقق ايرادات ويقبل عليها الجمهور فهي مضطرة للاستعانة بي، بهذا المنطق لجأت الى يونيفرسال ستوديو لكي اخرج لهم حلاوين رقم 8، وبهذا المنطق نفسه أتلقى عروضا للعمل مع شركات الانتاج المختلفة رغم سيطرة اليهود على 90% من شركات التوزيع، ان المسألة ببساطة تتلخص في حسابات الربح والخسارة، مع الالتزام بالخط الاحمر الوحيد وهو عدم انتقاد اليهود أو الاساءة لهم، لكن في الوقت نفسه ليس هناك اجبار على امتداحهم أو تقديم غيرهم في صورة سيئة، وطبعا أنا من رابع المستحيلات ان اقبل ان يوضع اسمي على فيلم أشك ـ مجرد شك ـ في احتوائه على أي شيء يسيء لأمتي العربية. ـ مرة أخرى نعود لفيلم الرسالة لاسألك عن تفسير لمنعه في سوريا ومصر رغم السماح بعرضه في كل دول العالم؟ ـ انا نفسي لا أفهم، ولا أعرف تفسيرا لذلك، فالازهر وافق على سيناريو الفيلم وحتى أوراقه صفحة صفحة، وكنت اجلس الى جوار الشيخ محمد متولي الشعراوي وفور مشاهدته الفيلم قال لي نريد منك المزيد، كما انني وقت كتابة سيناريو الفيلم أحضرت هاري كيجاف من هوليوود وجعلته يمضي سنة كاملة في النيل هيلتون وكتب السيناريو بمشاركة عبدالحميد جودة السحار وتوفيق الحكيم واحمد شلبي ومن الازهر كان الدكتور عبدالمنعم النمر والدكتور البيصار، لذلك فمازال منع الفيلم لغزا لا استطيع الوصول الى حل له، وهناك دعوى قضائية اقمتها منذ 27 عاما ضد قرار منع عرض الفيلم ومازالت المحاكم تنظرها الى الآن. ـ لكن الرسالة عرض في التلفزيون المصري وعرضته ايضا قناة إيه آر تي وقناة دريم، اليس كذلك؟ ـ وهذا ايضا لا أفهمه، فقد قاموا بعرض الفيلم من دون استئذاني ومن دون الحصول على موافقة مني، ومن دون أن يقول لي أحد هل حدث جديد بشأن قرار المنع أم لا. ـ وهل بسبب هذا العرض أقمت دعوى قضائية ضد التلفزيون المصري؟! ـ لا، فالدعوى اقمتها بسبب فيلم «عمر المختار» وبصراحة شديدة أنا خجول من نفسي لاقدامي على اجراء كهذا، لكنهم هم الذين وضعوا ظهري للحائط، فالفيلم عرضه التلفزيون المصري أكثر من مرة من دون ان يستأذني أحد، بل وحتى من دون ان يخبروني، وكذلك عرضته محطة دريم كاملا، وأنا لم أقم الدعوى الا بعد ان التقيت صفوت الشريف وعبدالرحمن حافظ وكان وقتها رئيس اتحاد الاذاعة والتلفزيون، صحيح انهم استقبلوني بشكل جيد وكنت سعيدا باستقبالهم لي وأشكرهم على ذلك، لكن المشكلة لم تحل، بل وقاموا أيضا بعد هذه المقابلات بعرض الفيلم مرة أخرى لذلك اضطررت لاقامة الدعوى التي أنا خجول من نفسي بسببها. وهناك شئ مؤسف ايضا حدث بشأن قناة دريم فقد التقيت د.أحمد بهجت صدفة في الولايات المتحدة وحدثته في الأمر، فرد على بأن لديه تفويضا من ليبيا بعرض الفيلم، فهل يعقل هذا؟ أليست هناك جهة انتاج ينبغي استئذانها على الاقل قبل عرض الفيلم، ان هذا بالفعل شيء مخجل ومؤسف في آن واحد أن أضطر لإقامة دعوى قضائية ضد اشقاء لي، لكنهم هم الذين أجبروني على ذلك. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: