السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 تراث البجة في شرق السودان والذي اكتسب ميزاته الخاصة من طبيعة أهل البجة المعروفين بالجسارة في الحرب والقتال لازال يجد اهتماماً أوسع في أوساط المختصين ومازالت الأغنية البجاوية تجد اهتمامها في المنتديات. وفي ندوة نظمها مركز البرير الثقافي بأمدرمان تحت عنوان إبداعات الشرق وتراث البجة ، تحدث فيها عدد من المختصين وتخللتها مداخلات من الحضور وعروض ونماذج لأغنيات راقصة من تراث البجة تأكد أن هذه الثقافات القديمة تحتاج فعلاً لاكتشافات جديدة. ويرى هاشم أوتور المحاضر بمعهد الدراسات الآسيوية والأفريقية بأن أصل تراث ولغة قبائل البجة ببطونها المختلفة الهدندوة والامرأر والبني عامر والبشارين تعود في الأصل الى عهد ممالك كوش وهي من أقدم اللغات والتي يرى أن البحث فيها ربما ساعد إلى حد ما فيكشف بعض طلاسم حضارة مروى القديمة التي حكمت السودان في القرن الرابع قبل الميلاد وتشيدت على أيديها أهرامات مازالت موجودة حتى الآن في قرية كبوشية شمال العاصمة الخرطوم. ويقول هاشم أحمد نور وهو أحد أبناء البجة المتعلمين بأن إحدى الميزات التي تميز أهل البجة عن غيرهم من أهل السودان هي احترام المزاج الخاص ولا يسمح البجاوي لأي فرد أو جماعة تعكير مزاجه وخلوته مع نفسه إذا كان في بيت أو كوخ أو رأس جبل وعرف اهل البجة الذين يعملون قطاع كبير منهم بالرعي بالميل للعزلة في طبيعة جافة والواحد منهم يقف كما يقول الشاعر صلاح أحمد إبراهيم: مرتكز الظهر على عصاه صدارة والثوب والسروال والسيف والشوتال وشعره المفوف الودكي والخلال وعلبة التنباك يراقب لزقوم والصبار والأراك في وحدة الرهبان إلا أنه يحب شرب البن يمقت الشفتة والحمران وقد أدت البيئة القاسية الجافة لجعل البجة أهل حرب وبأس من قديم الزمان ويرى الدكتور عبد الله الطيب بأن أصل كلمة بجا جاءت من تحريف كلمة بجاه وتعني المحاربين وأورد عدد من المؤرخين القدامى بأن البجة هم في الأصل فرع من أبناء سيدنا نوح الذين دخلوا السودان عن طريق مصر وتفرقوا عند منعرج النيل الى جماعتين مجموعة ذهبت للشرق وأخرى الى غرب السودان ومن بينهم قبائل الزغاوة ويذهب الى ذلك جماعة رأت أن صحة هذا الزعم تأتي عند تحليل لغات هذه القبائل والتي تشبه في حروفها وطريقة كتابتها لغات قديمة وهو ما يشجع على امكانية الاستفادة من ذلك لتفسير بعض الغاز حفريات دولة مروى ومع ذلك فإن سكان شرق السودان خاصة البجة يربطون جذورهم بالهجرات العربية القديمة للسودان قبل الإسلام في أيام اشتهار ميناء عيذاب على البحر الأحمر جنوب حلايب حيث كانت هذه المنطقة تمثل نقطة ارتكاز لتجارة بين الهند والجزيرة العربية وشرق أفريقيا جاء إثرها مهاجرون عرب واستقروا في هذه المناطق وتلاقحوا مع القبائل الزنجية الموجود وأخذوا لغاتهم ويفسرون ذلك بطقوس البجة في حمل السيف والتمنطق بالخنجر مع الملابس العربية بل وعشقهم الفروسية وحب القتال، بل ويرى أحد بناء البجة وهو الفنان يحيى أدروب أن «الباسنكوب» وهو الربابة التي يعزف عليها البجة أغانيهم والحانهم هي ذات النماذج للعود العربي وإن تشابهت طريقة العزف وتأثرت بالسلم الخماسي الأفريقي الذي تتميز به المنطقة وإيقاع شرق أفريقيا عموماً. وفي أغنية «يا اللوري عليك الرسول بوري» وهي أغنية شعبية أو محلية عند فناني البجة حيث يطالب بجاوي وهو يجلس على قمة جبل مشرف على طريق الإسفلت سائق إحدى الناقلات بإطلاق بوري صافرة عليها ترنيماته الجميلة وهذا ينم عن ذوق رفيع بالموسيقى وإحساس واضح بالفن. كما يضيف أدروب أن البجة يهتمون بتحفيظ أحفادهم عادة أغاني التراث الخاص بهم وتدريبهم على العزف بذات الطريقة التي يتدربون فيها على استخدام السيف والمبارزة على أيدي مجموعات من أصحاب الخبرة في المجالين والفنان لا يصبح فناناً بمزاجه ولكن بدفع الجمهور بعد أن يجيد ويحذق فن أنغام معروفة بوتائر خاصة لا تقبل التحوير وقدم نماذج لذلك من إيقاعات مختلفة. الخرطوم ـ التجاني السيد: