الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 مع بداية التسعينيات اعتدنا ظهور عدد لا بأس به من السينمائيين الجدد والسينمائيات وأصبح المعهد العالي للسينما مفرخة تقدم كل عام مواهب جديدة في التخصصات المختلفة وهم الآن يشاركون من سبقوهم من الدفعات الأولى في التواجد على الساحة التي ضاقت ـ لأسباب إنتاجية ـ في جميع الفروع، باستثناء التمثيل الذي ألغي قسمه وأصبح الممثل يتخرج من معهد الفنون المسرحية أو من مدرسة الخبرة وخاصة في الأعمال التلفزيونية. نبيل الحلفاوي أحد نجوم التمثيل في التلفزيون حظه قليل مع السينما باستثناء دور قصير ومهم مع المخرج «محمد خان» في فيلم «سوبر ماركت» ليس له وجود على الساحة السينمائية رغم تفوقه في الأداء ونجاحه في تجسيد دور رجل صعيدي رقيق القلب في كسر للنمط الذي يربط بين الرجولة وقسوة العواطف، على العكس قدم «نبيل الحلفاوي» في مسلسل «أرابيسك» شخصية معلم من الصعيد عواطفه مشبوبة بغير ضعف، الحلفاوي أعيد اكتشافه في مشروع لطالب إخراج «محمد مصطفى» بعنوان «عرض خاص» يؤدي فيه دورا مركبا وصعبا، يكاد يكون عرضا «مونودراميا» إذ يتواجد «الحلفاوي» على مدار الفيلم الروائي القصير «17 ق»، ولا يغيب إلا في لحظات قليلة يكون فيها حاضرا رغم غيابه. عرض خاص بدأ برسم تفصيلي لشخصية «منتصر يس» اقترب المخرج منه متلصصا دون أن يفصح عن مهنته، فقط أسرف باستخدام مفردات الصورة لتحقيق الجو العام ومزاج الشخصية. كثير من زجاجات الكحوليات الفارغة، أشياء مبعثرة في منزل متوسط، الوحدة تطل من أركانه، عبوس الرجل وحركته الهادئة الضوء الخافت والنوافذ المغلقة، أكثر من ثلاث دقائق قبل أن تصل بطلنا دعوة يقرأها بريبة يقطع المخرج عليه في لقطة متوسطة ممسكا بالدعوة صامتا، وكمن ركبه هم كبير، يحتار المشاهد وقد تمتلئ رأسه بالأسئلة، هل هي دعوة فرح ابنته مثلا ؟... قبل أن نقرأ بوضوح من قراءة الخطاب «عرض خاص» يستعد بعدها للخروج، ضوء الشارع القوي يعميه. يصل لمكان العرض يقرأ اسم فيلمه، ومعه فيلم آخر. تعبيرات وجهه تنم عن تباعد وقدر من الدهشة وعدم التصديق، وبعد العرض يبحثون عنه، مدير الندوة يبدأ دون الاهتمام بمعرفته، وهو جالس في الركن غير قادر على الإعلان عن نفسه بينما المخرج الآخر يستقبلونه كما النجوم ويتعامل بثقة. في المناقشة يعبر أحد المشاهدين عن إعجابه بفيلم بطلنا ويؤيده شخص آخر، النموذجان اختارهما المخرج بعناية يشبهان المثقف المحب للأفلام الجادة والفن الرفيع. وبعد انتهاء الندوة نتوقع أن يقدم لهما نفسه ولكنه أيضا لا يستطيع يعود لبيته منهارا بدرجة أكبر ويكح بشدة والكاميرا أثناء تلصصها عليه تجعلنا نشاهد صورة له في موقع التصوير ومعه مساعده يتضح لنا أنه المخرج الآخر الذي أصبح نجما، تعود الكاميرا للحلفاوي وتتراجع لنجده في كادر على شاشة في مسرح خال تماما من الجمهور، وينزل اسم الفيلم «عرض خاص» وكأن حياته عرضا خاصا لا يشاهده أحد. نشاهد شخصاً جالساً بشكل هادئ جدا لا يعرفه أحد ثم تبين بعد ذلك أنه المخرج «سمير عوف» المخرج التسجيلي المبدع ورفيق درب «شادي عبد السلام» ومساعده في فيلم «المومياء»، فكرة تناول زمن رافض للناس الحقيقيين، والاحتفاء بالكذابين، الصورة التي انطلق منها الفيلم عن الشخصية هي عبارة عن إنسان في موقف صعب، لا يراه أحد. لم تكن الفكرة في البداية عن شخص له علاقة بالفن. بل بدأت برجل جالس أمام المرآة، تصورته كان يحتل منصبا مهماً «ضابط سابق» ثم أصبح شبح إنسان. ويقول المخرج محمد مصطفى عند التعامل مع «نبيل الحلفاوي» اكتشفت كم الناس المحترمين الذين يمكنك التعامل معهم. حصلت على تليفونه المحمول عن طريق «ريجيسير» واتصلت به أخبرته أنني لدي سيناريو لمشروع في المعهد، اعتذر في البداية لمشاغله ثم وافق على قراءة «الورق». بعد قراءة السيناريو تقابلنا وجدته دون بعض ملاحظات دقيقة، المقابلة جعلتني أثق في المكتوب، وجعلتني أزداد قلقا، الإحساس بالتعامل مع شخص محترف، يعرف عمله تماما، راعيت شكل الموقع أن نكون كبارا في الموقع، أردت أن أكسب ثقته من أول يوم تصوير، أحسست أنني أتعامل مع شخصية مهمة احترمته بشدة واسترحت للتعامل معه. حرصت على الظهور في موقع التصوير كالمحترفين، وخاصة أن معي مدير التصوير «عمرو فاروق» مستعد للعمل منذ اللحظة الأولى وأيضا «إسماعيل سليم» الذي قام بدور مساعد المخرج، قام بدور الإدارة الفنية ونفذ كل تفاصيل الصورة المهمة جدا لرسم الشخصية والتي خلقت الجو العام حولها. صورنا الفيلم في يومين بمعدل 16 ساعة يوميا، التزام «نبيل الحلفاوي» كان دافعا للجميع على الالتزام، أخذنا المشاهد الأولى في لقطات طويلة بدون قطع، الكاميرا صاحبت الشخصية تتأملها من وجهة نظر واحدة للمخرج في النهاية فقط أصبح هناك وجهتان للنظر بعد خروجه للحياة عقب اعتكاف، واحدة تعبر عن وجهة نظر الشخصية والعالم الذي يراه مزعجا، والأخرى وجهة نظر الكاميرا الملاصقة له. ويضيف مصطفى ساعدتني في الكتابة «نشوى زايد» المعيدة التي وضعت نفسها تحت خدمة الدفعة، نسخة الكتابة الأولى للفيلم رفضها رئيس قسم السيناريو «محمد كامل القليوبي»، ومع «نشوى كنت أكتب وتقرأ ما أكتبه وتعطيني ملاحظاتها أولا بأول ونفذتها، راجعت معي كل النسخ حتى وصلت لنسخة السيناريو الذي قمت بتصويره. بقيت في المعهد لست سنوات إذ تعددت مرات رسوبي، المكسب الكبير كان مقابلة أستاذ حقيقي، سينمائي حقا ويحترم طلابه، أستاذي «علي بدرخان» الذي أهديته الفيلم، بمثابة أب ثان لنا، هو مثل النجار الشاطر في شرحه لنا يخبرنا عن مفاتيح العمل وسر الصنعة، احتضانه لي سبب مهم لتقديمي عمل قريب من أحلامي. اختيار آلة «التشيلو» للتعبير عن المزاج النفسي للشخصية كان نصيحة مؤلف الموسيقى والأستاذ المساند لطلبته أيضا «د. راجح داود» تواءمت مع أداء «نبيل الحلفاوي» وزوايا التصوير والإضاءة المناسبة للشخصية «عمرو فاروق»، كلها أسست عالما متكاملا تعيش فيه الشخصية التي توارت وانسحبت من الحياة وتركت الأضواء للأقل، موهبة والأكثر ضجيجا. القاهرة ـ صفاء الليثي: