الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 مع العروض المتنوعة التي كانت في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي سواء في قسم المسابقة أو في غيره من الأقسام وضحت القضايا الملحة للمشهد العالمي حيث تبنت الأفلام قضايا الأقليات ودعا الكثير منها لنبذ العنف وتقبل الآخر ، وعبر الأطفال أرسل الفنانون رسائل هامة عن ضرورة التعايش بين الأعراق المختلفة كما في الفيلم التركي «هاجر» والفيلم السيريلانكي «الملاك الصغير» حيث يقوم الفن بدوره لتبني قضايا الحرية واحترام خصوصية كل البشر عبر لغاتهم المتنوعة. قد تكون إحدى المرات القليلة التي نتعرف فيها على فيلم من «سيريلانكا» والمفاجأة التي حملها فيلم «الملاك الصغير» الذي بدا خفيفا يحمل رسالة تمس الأطفال ومع الربع ساعة الأخيرة اتضحت الأبعاد السياسية خلف الموضوع الإنساني الاجتماعي الذي يتناول مشكلة صبي في العاشرة من عمره من «السنهاز» الذين يمثلون الأغلبية في سيريلانكا. وهو الطفل «سمباز» الذي عاش طفولة تعيسة وسط خلافات حادة بين أمه ووالده ، تهرب الأم وتتزوج بآخر ويعاني الأب من صعوبة تربية ابنه ويفشل مع العديد من المربيات في رعايته إلى أن يحضر خادم الأسرة العجوز «فيو» وهو من التاميل وابنته الطفلة «ساثيا» لتساعده في العمل بعد أن أخرجها من المدرسة فيما يبدو أنه مصير الفتيات من جنس التاميل في البلاد. ينجذب الصبي المكتئب والغاضب للفتاة المبتهجة والممتلئة بالحياة ، الذكية والنشيطة وعندما تغني وهي تلعب بخرطوم مياه أثناء ري المزروعات يبتسم الصبي للمرة الأولى وينزل من محبسه ، الحجرة الممتلئة باللعب ويلعب مثلها بالمياه في مشهد طال كثيرا وتحول إلى الشاعرية المصاحبة بالموسيقى. تنشأ علاقة صداقة بين الطفلة التاميلية والصبي السنهازي وتكون هي الملاك الصغير الذي يخلص الصبي من عقدته ، فيتعلم الكلام ولكن بلغة التاميل..الأب العصبي جدا يشعر بالمأساة ولكن الطبيب المعالج يخبره بضرورة الإبقاء على الفتاة لأنها أصبحت بالنسبة للصبي مثل الطبيب المعالج. ويكون على الأب أن يحضر معلمة في المنزل فيتعلم الصبي السنهازي ومعه الفتاة التاميلية لغة السنهاز معا. ويضطر الأب لتقبل العلاقة بين الفتاة والصبي خاصة بعد تقدمهما معا في تعلم اللغة السنهازية التي يتحدث هو بها. اختار المخرج عام 1983 لأحداث قصة فيلمه وسط الأحداث العرقية الدامية التي قام فيها «السنهاز» بحرق التاميل وتدمير ممتلكاتهم وقتل الأبرياء ، يقتلون الخادم العجوز وتهرب الفتاة «سيثيا»، وتنجو في مشهد من المشاهد الرائعة بالفيلم ، فعندما يحضر والد الصبي للبحث عنها وإنقاذها تخرج من مخبئها وهي ممسكة بالجريدة التي كانت تحضرها له يوميا في شكل يؤكد صورة الملاك الصغير التي طالما عبر عنها المخرج. أم الفتاة تحضر لاصطحابها إلى قريتهم حتى تنتهي الأحداث ، الصبي يحدث له نكوص مرضي ويعود لحالته العصبية التي تجعله يزمجر فقط ويفقد القدرة على الكلام. المخرج «سومارتني ديزينياك» الذي تعرض لهجوم من كلا الفريقين التاميل والسنهاز شعر بأنه نجح في رسالته التي تؤكد التواصل بين العرقين وسخر من محاولة طمس هوية أي منهما ، حيث يرى أن الأفضل لبلاده «سيريلانكا» أن يتعايش الفريقان معا مع احترام كل منهما للغة الآخر. وهي نفس الفكرة التي تناولها في فيلمه الأول «ساروجا» الذي أنتج عام 2000 وحصل على تسع جوائز قومية وكذلك حقق إيرادات عالية فنجح تجاريا وفنيا ، مما شجع على تحقيق فيلمه الثاني «الملاك الصغير» عام 2002 اشترك به في عدة مهرجانات دولية ونجح فيه في إصابة عدة أهداف بسهم واحد فقدم فيلما عن الأطفال ومشاكلهم مع الأسر الغنية المفككة من خلال الطفل «سامباز» أو مع الفقر وصعوبة العيش من خلال الطفلة «سنثيا» بالإضافة للهدف السياسي عن ضرورة التعايش بين مختلف الأعراق والديانات لصالح البلاد. التعايش بين العرقين والتفاهم عبر اللغتين هي نفس فكرة الفيلم التركي «هاجر» الذي يتناول المشكلة الكردية وتنحاز فيه المخرجة التركية إلى قيمة التسامح وتنتقد بشدة ممارسات البوليس التركي وبعض الجماعات التي تمارس العنف ضد الأكراد. في فيلمها الذي كتبته وأخرجته «هاندان أبكيشي» تؤسس علاقة بين قاض متقاعد لم يكن يسمح بكلمة كردية واحدة في منزله وبين طفلة كردية وضعتها الظروف أمامه فهي الوحيدة التي نجت من مذبحة لأسرتها فيأتي جار عجوز لتسليمها للجماعة السياسية التي تسكن في مواجهة القاضي المتقاعد «رفعت» ويتركها «العجوز عبد القادر» ويمضي بعد أن ينتزعوها بالقوة منه ويترك فقط اسمه ورقم تليفونه وعنوانه في منطقة الأكراد. نسجت المخرجة العلاقة عبر تفاصيل حياتية صغيرة دون مبالغات درامية عبر إيقاع هاديء يناسب شخصية القاضي المتقاعد واستحقت المخرجة جائزة أفضل سيناريو من لجنة تحكيم المهرجان لبراعتها في تناول قضية حاضرة سياسيا من خلال علاقة إنسانية بين القاضي المتقاعد الذي ترمل بينما الطفلة الكردية قد حضرت لتوها لتكون في رعاية جماعة من السياسيين الذين يدخلون في معركة مع البوليس تنتهي بتصفيتهم جسديا في الشقة المقابلة لشقة الرجل وتبقى الفتاة فيحتضنها في بيته تساعده خادمته الكردية التي نتعرف على ملامحها الخاصة وتضطر للحديث بالكردية للتفاهم مع الطفلة. يصعب على الطفلة التحدث بالتركية فيضطر الرجل لتعلم بعض الكلمات الكردية ليتفاهم معها وفي هذا تنتصر المخرجة لفكرتها عن احترام خصوصية الآخرين وتقبل ثقافتهم ولغاتهم كما في «الملاك الصغير» من سيريلانكا والفيلمين ضد العنف ، ضد الصراع الطبقي أو العرقي ومع احترام خصوصية كل إنسان. عندما تحدث الصبي من سنهاز سيريلانكا للفتاة التاميلية ، وصفها بالملاك فقالت كيف بدون أجنحة؟ فأجابها «بعض الملائكة بلا أجنحة». المخرج جعل بطله الصغير ينطق بالحكمة بعد أن حررته الفتاة من عقدته كما فعلت هاجر الطفلة الكردية الصغيرة مع القاضي التركي «رفعت».الفيلم التركي «هاجر» حصل على جائزة الهرم الفضي من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأخيرة لا بسبب قضيته الإنسانية فحسب ولكن لقدرة المخرجة على التعبير عن فكرتها في حدود المكان الضيق لشقة القاضي حيث جرت أغلب المشاهد مع بعض المشاهد في أماكن مختلفة مثل الحديقة ومحل الملابس دون أن يغيب بطليها عنا إلا نادرا. وعندما صورت أسرة «عبد القادر» كان المكان مزدحما بالأطفال والنساء وفي إيجاز عبرت بالصورة عن ازدحام الكادر بالبشر للتعبير عن حالتهم الاجتماعية التي يصعب معها الاعتناء بالطفلة اليتيمة ، وهو أيضا ما اتضح في بيت الخادمة الكردية «سكينة» مما يؤكد أن المخرجة درست موضوعها واعتنت بتفاصيل الصورة التي تقنعنا بالرسالة دون تبريرات كثيرة. لم تكن الأفلام موجهة للأطفال ولكنها استخدمت الأطفال لإقناع الكبار بخطورة ممارساتهم القهرية والعنيفة وضررها على الصحة النفسية للأطفال مستقبل البشرية. القاهرة ـ صفاء الليثي: