الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 يبدأ الناقد والمؤرخ السينمائي ديفيد روبنسون صاحب كتاب «تاريخ السينما العالمية» وترجمة ابراهيم قنديل برصد المرحلة الثانية من السينما العالمية وكيف ان اديسون اعلن في عام 1896 عندما كانت الافلام صامتة ولايتجاوز عرض الواحد منها اكثر من دقيقة واحدة، اعلن على ثقة ان السنوات المقبلة من خلال جهوده مع زملائه سيتمكن من تقديم تسجيلات لعروض دار اوبرا متروبوليتان دون ادنى اختلال عن الاصل بفنانين قد فارقوا الحياة. يحكي جورج ميلييه (1861 ـ 1938) الساحر وصاحب مسرح روبرت هاودن والذي سيصير فيما بعد اول فنان سينمائي في التاريخ، انه حين حاول شراء سينما توجراف من انطوان لوميير رفض الكهل طلبه قائلا: «يا بني، عليك أن تشكرني لرفض! هذا الاختراع ليس للبيع، ولو كان للبيع لكان من شأنه تدمير مستقبلك، انه قد يستغل لوقت قصير بوصفة تحفة علمية ولكنه لن تكون له اية قيمة تجارية فيما بعد». وهي رواية ملفقة على الارجح، غير انها توضح بدقة الى اي مدى كان رجال السينما الاوائل بعيدين عن ادراك ان بين ايديهم وسيطاجديداً للتعبير الفني لا مجرد لعبة بصرية، بل ان ميلييه ذاته لم يكن يريد السينما توجراف الا من باب اضافة شيء جديد الي مجموعة العابه السحرية، ولعله بالغ الدلالة ايضا ان المرشد الضخم في السحر الذي نشره البرت هوبكنز سنة 1897 قد صنف السينما ضمن الخدع البصرية المسرحية. بالنسبة لاصحاب العروض السينمائية الاوائل كان ما يهم بحق ان الصور تحركت. اما الجمهور وكما تفيدنا الدراسات المعاصرة عن تلك العروض، فقد كان مفتونا الى درجة عدم ملاحظة ان خلفيات المشاهد كانت هي الاخرى تتحرك.. اوراق الشجر، الامواج على الشواطيء. جمهور غير معني جديا بما يرى. كان كل كمشهد او حدث مألوف في الحياة مثيراً بذاته على الشاشة.. «عرض البحر في برايتون»، وصول قطار الى المحطة»، «خروج العمال من المصنع»، «رجال يلعبون الورق» او من باب الاثارة الكبرى. «هدم حائط» كانت موضوعات العروض تستقى من شرائح الفانوس السحري والالعاب البصرية المجسمة وصور البطاقات البريدية، لا من المسرح أو الادب أو اي وسيط تسلية أو فن سردي اخر. لم تكن الطبيعة المسرحية للوسيط الجديد واضحة في البداية، غير ان السينما سرعان ما راحت ترتبط بالمسرح ارتباطا متزايدا يوما بعد يوم. كان مقدمو العروض السينمائية الاوائل اصحاب قاعات موسيقى يتطلعون دائما الى اكتشاف الجديد لارضاء جمهورهم الذي ينتظر منهم الطريف والمتنوع في تلك البرامج ذات العشرين والثلاثين فاصلا التي يقدمونها. في باريس، قدمت عروض سينماتوجراف لوميير بقاعة الدورادو الموسيقية، ثم بدأت الاولمبياد والمقهى الغنائي لفرقة بارتا في عرض الأفلام هما ايضاً. وفي لندن افتتح الاخوان لوميير عروضهما، التي استمرت لعدة شهور بقاعة الهمبرا في امباير اند بول. وفي الولايات المتحدة قدم فيتاسكوب اديسون عروضاً أولى ناجحة في كوستر اند بيالز. وفي انجلترا، حيث صار «فاصل» الفيلم في برامج قاعات الموسيقى مكرساً للتحقيقات المصورة عن الاحداث المحلية، واصلت مسارح المنوعات تقديم الأفلام ضمن برامجها اثناء الحرب العالمية الأولى، حيث حققت «آخر صور الحرب» شعبية بارزة. أما في أميركا فقد جرت الأمور على نحو آخر، فقبيل انقضاء السنوات الأولى من مطلع القرن لم تعد الافلام موضة حفلات المنوعات، بل باتت ـ على العكس ـ فقرة توضع في نهاية برامج المنوعات التي تقدم عروضاً مستمرة لتنفير الجمهور من مشاهدة العرض مرة ثانية في الإعادة. وكانت سمعة السينما قد تعرضت لضربة عنيف في مايو 1897. كانت لاتزال بدعة مدهشة، يمكن ان تقدم في صورة عرض جانبي في «السوق الخيري» الأنيق، ذلك التجمع السنوي الكبير الذي يضم عليه القوم في باريس للتبرع بالمال لأغراض خيرية. وكان أن تسبب اهمال رجال العرض في حريق هائل أتى على مقاعد السوق وزيناته الرقيقة وأدى الى مصرع مئة واربعين شخصاً من بينهم دوقة ألينسون. هذا الحادث ربما لا يصح المبالغة في تقدير مدى تأثيره المعوق على استغلال السينما، إلا انه قد أصاب القطاعات الأكثر تحفظا من الجمهور بالخوف والتردد بالتأكيد، كما فتح الباب أمام الشرطة والسلطات المحلية لمراقبة العروض السينمائية ليس في فرنسا وحدها بل في انجلترا وأميركا حيث جرى تناقل أخبار الحادث بشكل مؤثر. في ذاك الوقت كانت الصور المتحركة قد تجاوزت كونها مجرد اكتشاف علمي وأصبحت عرضاً فنياً ـ وذلك بفضل استجابة جمهور المشاهدين في المقام الأول وقبل رغبة منتجي العروض السينمائية. وعبر أوروبا كلها، من ايرلندا الى روسيا، انتقلت السينما الى أيدي العارضين الجائلين في أراضي المعارض. وكانت هذه النقلة طبيعية الى حد كبير، فقد ظلت جماهير المشاهدين الريفيين لأجيال عديدة تتعرف على ما يدور بالمدن والعالم الكبير من خلال المعارض السنوية. وبالنسبة للعارضين لم تكن قفزة كبرى أن يتحولوا من عروض العرائس والمسرح الجوال والتماثيل الشمعية الى المسرح الكهربائي والبايوسكوب. وهكذا ازدهرت سينما أراضي المعارض لسنوات عدة بلا منافسة. وفي انجلترا وفرنسا على السواء كانت أفضل أصحاب العروض شديدي اليقظة لنوعية عروضهم. وكان من الشائع ان يقوم العارضون الجائلون بتصوير مشاهد من شوارع المدن التي يتوقفون بها كوسيلة مضمونة لاجتذاب مشاهديهم المحليين، كما ان بعضهم، كالانجليزي ولتر هاجار الذي يعد فيلمه المرعب «حياة تشارلز بيس» (1905) معلماً من معالم بدايات السينما البريطانية، صاروا منتجين سينمائيين بارزين فيما بعد. استمرت مسارح أراضي المعارض: في انجلترا حتى عشية الحرب الأولى، وفي فرنسا لوقت أقل حيث أدى ظهور دور السينما الثابتة ما بين عامي 1905 أو 1906 الى كساد نشاط العارضين الجائلين أو دفعهم للعمل من خلال دار العرض الثابتة بما لها من مكانة محترمة.