بين اغراء الموضوع والبساطة الابداعية، الدم والنار..حكاية العنف في السينما الجزائرية

الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 لم يفلت الواقع المأساوي والدموي الذي عرفته الجزائر خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي من أعين بعض السينمائيين الجزائريين، مثلما لم يفلت بعض السينمائيين الجزائريين من قبضة صانعي ذلك الواقع وأحداثه. شكل السينمائيون الجزائريون،على غرار عامة المثقفين الجزائريين مسموعي الصوت والمواقف، أهدافا لعصابات الموت أملا في تحقيق الصدى الإعلامي الذي يستقطب الأنظار ويجلب الأنصار في الداخل والخارج ومن هؤلاء السينمائيين نذكر على سبيل المثال، لا الحصر، مخرج مسلسل «المصير» جمال فزار، الذي نجا من موت محقق بعدما اخترقت رصاصة وجهه، أما مخرج فيلم «لن تطير الفراشة» علي تنخي، فلم يكن له غير التسليم بما أراده له زارعو الموت في الجزائر: رقم إضافي في إحدى مقابر العاصمة الجزائرية الواسعة الضيقة في آن. أما أحداث الجزائر المأساوية أو الإرهاب كموضوع في السينما الجزائرية، فقد شهد أول تناول له من خلال إنجاز محمد شويخ لفيلم «يوسف: أسطورة النائم السابع» حيث يستعيد بطريقة ضمنية أحداثا واقعية جرت بمدينة ورقلة بالجنوب الجزائري، حيث تعرضت امرأة تعيش بمفردها لهجوم من جماعة إرهابية مما تسبب في حرق إقامتها ووفاة ابنها، ليتوالى بعدئذ صدور عدد من الأفلام لمخرجين معروفين آخرين حديثي العهد بالإخراج السينمائي من قبيل يمينة بن غيغي (إنشاء الله الأحد)، ومرزاق علواش (العالم الآخر: يوميات ياسمينة) ويمينة بشير شويخ (رشيدة). العالم الآخر لمرزاق علواش: وجها لوجه مع الإرهاب وأسئلته ينبني فيلم مرزاق علواش المنتج بين الجزائر وفرنسا سنة 2001 على قصة ياسمينة المستوحاة عن يوميات فتاة يهودية من بولندا هاربة من المحرقة النازية؛ الموضوع مأساوي وعلى درجة عالية من الحساسية تنطلق ياسمينة الجزائرية المولودة والمقيمة بفرنسا في رحلة للبحث عن خطيبها رشيد الذي يقرر إثر نزوة طارئة، الالتحاق بصفوف الجيش رشيد ينخرط في الجيش الجزائري في التسعينيات من القرن الماضي، وهو ما يعني انخراطه لا محالة أيضا، في حملة مكافحة الإرهاب.. وفي إحدى المهام يسقط في كمين للإرهابيين لتنقطع أخباره عن ياسمينة، في خضم رحلة بحث ياسمينة عن خطيبها تنخرط هي أيضا في دهاليز متاهية تقودها إلى اكتشاف الكثير من الحقائق والآفات الاجتماعية والسياسية للجزائر وتعريتها من منظورين اثنين، منظورها هي كملاحظة من خارج ساحة الحرب وأطرافها المعنية بها، وهو الموقف الذي يعبر عن نفسه بواسطة أسئلة القلق الكثيرة والعارية عن أسباب هذه الحرب، عمن تكون أطرافها الحقيقية، والغاية من ورائها؟ ومنظور الواقع المر والعبثي أحيانا؛ الواقع الذي يدفع للحرب ونقيض الحرب في آن معا.. ما هي أسباب المد الأصولي في الجزائر؟ وما هي العوامل التي تقف وراء المسار الذي أخذته الأحداث.؟ وقبل ذلك وبعده: أين يكمن المشكل يا ترى في كل هذا الغموض المعتم، وكل هذا الوضوح الجلي؟! إنه السؤال الذي حرص المخرج مرزاق علواش ورغب في أن يظل مطروحا بالصوت والصورة لإثارة التفكير بجدية في الظاهرة قبل الإقدام على الخطوة الموالية، أي خطوة كانت، وفي أي اتجاه، مع بصيص من الأمل يتجسد من خلال اللقاء الحار وحميم بين ياسمينة ورشيد في نهاية الفيلم. تقدم يمينة بشير شويخ من خلال فيلمها «رشيدة»، المنتج في 2002 بين الجزائر وباريس، شهادة متميزة، وعلى طريقتها الخاصة أيضا، عن المأساة التي عرفتها بلادها الجزائر لأكثر من عشرية من الزمن، تقف رشيدة قامة وسط فضاء متخيل يستوحي فترة قريبة من تاريخ الجزائر ميزها اقتتال اخوة فرقت بينهم السياسة لتجمع بينهم المأساة، رشيدة مدرسة شابة في مدرسة بأحد أحياء العاصمة الجزائرية الشعبية، يحدث أن تستوقفها في أحد الأيام عصابة من الإرهابيين الشباب، فيأمرونها بوضع قنبلة في المدرسة التي تعمل بها. يأمرونها فترفض.. وفي حين تتفرس فيه الوجه الشاخصة قبالتها، تتمكن من التعرف على الإرهابي سفيان أحد تلاميذها القدامى، وأمام رفضها المطلق يستل أحد أفراد العصابة سلاحه يوجهه نحوها فتسقط متأثرة بما اخترق بطنها من المعدن الحارق. أفراد العصابة يفرون مخلفين جسدا نازفا في الزقاق.. وبعد لحظات تنقل رشيدة إلى المستشفى حيث تنقذ من موت محقق.. وبعد خروجها تفيدها مديرة المؤسسة حيث تعمل بنقلها إلى العمل في إحدى المدارس خارج مدينة الجزائر وحيث تعمل إحدى صديقاتها. تنتقل رشيدة رفقة أمها للعيش بعيدا عن معالم المأساة التي مرت بها وكادت تكلفها حياتها.. إلا أن المدرسة لن تجد في الريف الجزائري، وبالتحديد في قرية «الياسمين» إلا ما يذكرها بمأساتها، ومع ذلك تقرر التحدي ومواجهة الحياة بحب وشجاعة، فرغم الاعتداءات المتكررة على السكان البسطاء والمسالمين وأخبار زيارات الابتزاز الليلية والاغتيالات، تنخرط المدرسة الوافدة في مقاومة مستميتة فيتفتح قلبها للحب بين النار والرماد. الفيلم ينتهي غداة عرس ويختتم على غير ما كان مفترضا له؛ حيث يطرأ على المحفل زارعو الموت فيغتالون من يغتالون ويختطفون ويسلبون من يختطفون وما يسلبون. وفي الصباح تخرج رشيدة ومحفظتها بيدها لاستقبال من نجا من تلاميذها، تخرج لاستقبالهم في القسم.. وأما درس الحصة الأولى فيحمل عنوان: النهاية. الإرهاب في كل مكان.. والتحدي أيضا يبدو من الوهلة الأولى أن قصة الفيلم ذات مغزى بيداغوجي على الجمهور المتلقي إدراكه أو استخلاصه فالإرهاب واحد سواء في المدينة أم في الريف، وبمثل ما أن المقاومة واحدة سواء في الريف أم في المدينة غير أن التركيز يوجه لاختيار سلاح المقاومة وهو التعليم وإنارة عقول أفراد المجتمع وهو ما يذكرنا بأحد مشاهد فيلم «الإرهابي» للمخرج المصري نذير جلال حيث يتولى مهمة إنارة عقول الرأي العام هذه صحفي، فإذا كانت رشيدة قد صادفت في تجربتها التعليميةـ وهي تجربة نموذجية واختيرت بعناية وقصد ـ ثمرة فاسدة من ثمرات جهدها، وتتمثل في الإرهابي سفيان، فإن إصرارها على مواصلة رسالتها وظهورها متوجهة للقاء تلاميذها غداة المجزرة المرتكبة في الريف . الجزائر ـ مراد الطرابلسي:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات