الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 قبل أن يتسرع البعض ويقارنوا إيرادات فيلم «العشق والدم» بحجم الاعلانات التي عرضها التليفزيون المصري للفيلم، نذكركم جميعا بأن هذا الفيلم مدرج سلفا ضمن قائمة الأفلام التي ولدت لتموت . هذه القائمة تضم عددا كبيرا من الافلام التي رفعت من دور العرض كما نزلتها، وكانت الإيرادات التي حققتها لا تقارن بقيمة الاعلانات التي حاولت الترويج لها، ولا نقول تكاليف إنتاجها أو طباعة النسخ التي تم عرضها. أنها أفلام لم تجد من يرعاها، أو يحارب من أجلها، فعرضت في أسوأ توقيت، وفي عدد قليل من دور العرض، بما يعكس حالة عدم رغبة من القائمين عليها لأن يشاهدها أحد. ربما لا يتذكر جمهور السينما الآن، أن هناك أفلاماً عرضتها دور العرض السينمائي في مصر تحمل أسماء «إحنا بتوع المطار» أو «جرانيتا» أو «إختفاء جعفر المصري» أو «أبناء الشيطان» أو «عنبر والألوان» أو «جنون الحياة» أو«عرق البلح». وربما يشككون في وجود هذه الافلام من الأساس، رغم أن التليفزيون عرض مئات الاعلانات عنها وقت عرضها، وها هو الشئ نفسه يتكرر مع فيلم «العشق والدم» الذي يواجه إقبالا ضعيفا من المشاهد، رغم أن الشركة الموزعة للفيلم حاولت - في تصرف لا إنساني بالمرة - أن تستفيد من الضجة الاعلامية التي صاحبت مرض بطلة الفيلم النجمة شريهان. ـ هل المستوى الفني لتلك الافلام له علاقة بذلك ؟ ـ رغم صعوبة مناقشة الأمر من دون وضع المستوى الفني في الحسبان، إلا أن ما تشهده الساحة السينمائية المصرية منذ فترة ليست قصيرة تجعل ذلك ممكنا، خاصة وأن الإيرادات إرتبطت إرتباطا عكسيا بمستوى الأفلام الفني. وبهذا الشكل، فإن الاقبال على مشاهدة فيلم ما أو الإنصراف عن مشاهدة آخر، يرجع بالأساس لعوامل أخرى أثبتت السنوات الماضية أنها هي صلب الموضوع وعصبه، وهذه العوامل يمكن حصرها في توقيت العرض، وعدد دور العرض المتاحة أمام الفيلم، إضافة إلى وجود أفلام أخرى من شأنها سحب البساط من تحت أي فيلم ينزل في ذات التوقيت. إختفاء جعفر المصري ولنبدأ مثلا بفيلم «اختفاء جعفر المصري» الذي كتب له السيناريو والحوار بسيوني عثمان وقام بإخراجه عادل الأعصر، وتقاسم بطولته كل من نور الشريف وحسين فهمي ورغده. جعفر المصري ظل مختفيا في «العلب» لمدة تزيد على الأربع سنوات، نسيته خلالها جهة إنتاجه بعد أن باعته لموزع بثمن بخس، وطبعا كان توقع مصير الفيلم وقت الاعلان عن عرضه في منتهي السهولة، فماذا نتوقع من فيلم يعرض بعد أربع سنوات من الإنتهاء منه؟.. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه نزل أيام إمتحانات المدارس والجامعات وأن عدد دور العرض كان هزيلا، فإن النية إذن تكون مبيتة لإجبار المشاهدين على عدم مشاهدة الفيلم الشئ نفسه تكرر مع الأفلام التي تحدثنا عنها، والتي نضعها من دون أدنى مبالغة في قائمة «الأفلام التي ولدت لتموت».. فكلنا نتذكر طبعا صرخات عادل الأعصر التي أطلقها قبل عرض فيلمه «إختفاء جعفر المصري» وأثناء العرض، ونتذكر كذلك الاستغاثات التي ملأت سمية عريشة الدنيا بها أثناء عرض الفيلم الذي قامت بتأليفه ونقصد فيلم « عنبر والألوان»، وسوء الحظ الذي صادف فيلما للمخرج الراحل رضوان الكاشف هو «عرق البلح» الذي حصد جوائز دولية عدة.. رغم فشله جماهيريا، وبطلته كانت «شيرهان». والدور الآن على فيلم «العشق والدم» الذي بدأ عرضه مع بداية ذهاب الطلبة والتلاميذ إلى جامعاتهم ومدارسهم، ومع إستمرار عدد من أفلام موسم الصيف التي حققت ومازالت تحقق نجاحا كبيرا على مستوى الإيرادات. ـ تلك هي المشكلة، فماذا عن أسبابها ؟ ـ المخرج عادل الأعصر بدأ بالحديث عن فيلم «اختفاء جعفر المصري» فأوضح أن هذا الفيلم رغم حصوله على جوائز في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي فور الإنتهاء منه (منذ أربع سنوات)، إلا أنه لم يجد من يتحمس لعرضه. وأضاف : « الفيلم تم إنتاجه بنظام المنتج المنفذ لصالح مدينة الإنتاج الاعلامي، وهو ما يعني أن المنتج باعه للتليفزيون وإنتهى الأمر، ولم يعد يعنيه عرض الفيلم من عدمه، أما مدينة الإنتاج، فهي للأسف الشديد تدار بنفس منطق القطاع العام، فلا تعنيها مسائل الربح والخسارة، وليس في ذهنها المجهود الذي بذله طاقم الفيلم، وما يمثله لهم عرض الفيلم، فالمسألة ليست فقط في المقابل المادي الذي نتقاضاه، لكن المقابل الأكبر هو ما نشعر به حال عرض الفيلم. «الرقص على السلالم» ـ الأعصر تحدث عن الفيلم الخاص به، فماذا عن بقية الافلام ؟ ـ يجيبنا الناقد السينمائي على أبو شادي بأن مشكلة هذه الافلام هي عدم وجود أهداف لصناعها، فهم لا يريدون تحقيق هدف تجاري أو هدف فني.. لذلك تأتي الافلام التي يقدمونها كمن «رقص على السلم» فلا رآه الذين يجلسون تحت ولا سمع صوته من هم فوق. ويضيف أبو شادي: الأفلام التجارية لها صيغه، والافلام ذات المستوى الفني العالي لها صيغة، لكن هذه الافلام فشلت في الإنتماء إلى أي صيغة منها، لذلك فقد فشلت جماهيريا، وفي الوقت نفسه لم تلق رد فعل طيبا لدى النقاد والمتخصصين في السينما. وحول الظروف التي تعرض فيها الافلام والتي قد تؤدي إلى عدم تحقيقها لايرادات بعيدا عن مستواها الفني يقول أبو شادي: «لاشك في أن توقيت العرض مهم، وكذلك عدد دور السينما التي يعرض فيها الفيلم، وأيضا عنصر الدعاية مهم جدا، لكن من المهم جدا كذلك أن يكون صناع الفيلم يعرفون هدفهم،ويعرفون جمهوره المستهدف، فقد يكون الفيلم ذا مستوى فني سئ لكنه يحتوي عناصر تجعل منه فيلما تجاريا ناجحا.. والعكس، لكن أن يكون الفيلم «بين.. بين» فهذا هو ما يمكن أن نطلق عليه التسمية التي تتحدثين عنها، أفلام ولدت لتموت. وهناك أسباب أخرى يعرضها المنتج والناقد السينمائي أشرف شيتوي، الذي يوضح أن جهة إنتاج هذه الأفلام هي أساس كل شئ، ويؤكد كلامه بأن معظم الأفلام التي ترفع من دور العرض كما نزلتها هي من إنتاج التليفزيون أو الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الاعلامي. وما نعرفه - يضيف شتيوي - هو أن التليفزيون يفتقد للكوادر الإنتاجية المحترفة أو ذات الخبرة، لذلك كان اللجوء إلى نظام المنتج المنفذ، ونظرا لغياب الضوابط، فقد دخل كل من «هب ودب» إلى اللعبة، وتم تنفيذ أفلام في منتهى السوء، لذلك عجزوا عن تسويقها أو عرضها. ويضيف أشرف شتيوي: لقد ضمن المنتج المنفذ فلوسه أو حصل عليها بالفعل من مدينة الإنتاج الاعلامي، وبعد أن فشلت المدينة في العثور على موزع يقبل توزيع أفلامها أضطرت لبيعها بتراب الفلوس للموزع الوحيد الذي قبل ذلك، وهكذا لم يعد الموزع الذي دفع «ملاليم» في فيلم في حاجة إلى إيرادات الفيلم، بعد أن ضمن أن التوزيع الخارجي فقط يكفي لتغطية كل ما دفعه. وبهذا الشكل كان طبيعيا أن تموت تلك الافلام. ثمة نقطة شديدة الأهمية لم يشر إليها أحد،وهي أن دور العرض أصبحت في قبضة شركتين فقط، وهو ما يجعل أفلام هاتين الشركتين فقط تستحوذ على أكبر عدد من دور العرض، فيما تظل باقي الافلام تتسول دار عرض واحده، وأن وجدت فإن ذلك يكون في توقيتات ميتة. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين