سبع سنوات من الحضور.. وغياب أربعين سنة، الفنانة ايمان باقية في القلوب رغم الغياب الطويل

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 السنوات الكثيرة التي غابت عن محبيها، لم تؤثر على روحها في شيء. والصورة التي سكنت قلوب الملايين منذ أطلت عليهم لأول مرة عام 1954، لا تزال باقية كما هي رغم محاولات الزمن العديدة التأثير فيها. عهد الهوى - وهذا هو اسم أول أفلامها بالمناسبة - الذي قطعه جمهورها على نفسه، احتفظ لها بمكانتها داخل القلوب ولم ينجح مخلب القط ـ وهذا بالمناسبة أيضا اسم اخر أفلامها ـ أن ينتزع ولو قدراً ضئيلاً من تلك المكانة التي بقيت على ماهي عليه «ان لم تزد» رغم مرور أربعين سنة. كدنا لا نصدق أنفسنا ونحن نراها تعود بعد طول غياب، وتمنينا لو نخط بدمائنا أسمى آيات الشكر لمهرجان القاهرة السينمائي الذي أثبت القائمون عليه أن نبضهم يسير دقة بدقة مع نبض عشاق السينما، الذين أحبوا «ايمان» وأحبوا وقدروا تكريم المهرجان لها. الجميلة كانت في القاهرة، تتلقى التكريم، لكنها «ويالقسوتها» لم تبق بها، بل سريعا ماغادرتها صباح الاربعاء الماضي بين دموع عشاقها وتصفيقهم. كانت مثل شهاب لمع فجأة، وكانت الصدفة هي صاحبة الفضل الأول في اختطافها للأبصار، وسكنها للأفئدة، فيما كان الفصل الثاني لمخرج الروائع حسن الامام الذي رأها تسير مع صديقات لها بشارع طلعت حرب فغرض عليها المشاركة بالتمثيل في الفيلم الذي كان يقوم بتصوير لقطات منه في الشارع ذاته. صحيح انها استقبلت هذا العرض باضطراب زائد، وفرت من امام حسين الامام، الا ان تلك الواقعة كانت هي جواز مرورها الى عالم السينما. أذكرها بهذه الواقعة، فتضحك من قلبها كثيرا، وتقول: كنت وقتها لم أتجاوز الخامسة عشرة، وكنت خارجة مع صديقاتي من سينما مترو بعدما شاهدنا أحد الأفلام بها، وهذا ماتعودنا عليه حين كنا نتمكن من «التزويغ» من مدرستنا بمصر الجديدة!! الضحكة التي أطلقتها النجمة الكبيرة الآتية بعد غيبة طويلة، اسعدتني كثيرا، فأردت أن تحتفظ بفرحتها وابتسامتها، فانتقلت الى الحدث الحالي.. إلى تكريمها مرة واحدة، ومن دون مراعاة لأي تسلسل زمني. فسألت: هل ترين التكريم جاء متأخرا؟ ترد: لا، لم يتأخر، بل ستدهشين حين أقول لك أنني لم أكن أفكر فيه مطلقا، لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع اخفاء سعادتي المبالغة به، فهذه هي المرة الأولى التي أتلقى فيها تكريما داخل مصر التي أحبها جدا، والتي لم أنقطع عن زيارتها طوال السنوات السابقة. ربما أفاجئكم، حين أقول لكم أن «ايمان» ليس اسمها! فعلا، اسمها ليس «ايمان»، بل «ليلى ياسين»، والاسم الفني اختاره لها فريد الأطرش. فبعد فرارها من حسن الامام، عادت لتمارس حياتها بشكل طبيعي جدا، فأكملت دراستها، وربطتها قصة حب بفؤاد الأطراش شقيق المطرب الكبير، والمطربة اسمهان، وفي منزلهم وأثناء مشاركتها لهم وجبة «الغداء» كان بين المدعوين على نفس المائدة المخرج الكبير هنري بركات، وكان وقتها يعد لفيلمه الجديد «عهد الهوى» عن قصة «غادة الكاميليا»، وفريد هو بطل الفيلم. استطاع بركات بمشاركة فريد اقناعها بدخول التجربة، فكان فيلها الاول الذي حقق نجاحا كبيرا، واقتطع لها مساحة كبيرة بين نجمات السينما في ذلك الوقت لتتوالى بعد ذلك أفلامها «أيام وليالي» مع عبدالحليم حافظ، و«أنا بريئة» مع أحمد مظهر و«علموني الحب» مع يحيى شاهين و«تجار الموت» مع فريد شوقي و«حياة في الظلام» مع رشدي أباظة.. ووصل رصيدها السينمائي الى 12 فيلما خلال السنوات السبع التي كانت هي كل مشوارها الفني. وفي العام 1960 كانت ايمان تقوم ببطولة فيلم «مخلب القط» واثناء التصوير تصادف وجود فريق سينمائي ألماني في البلاتوه المجاور، وكانت فرصتها للتعرف على مخرج الفيلم الألماني الذي رشحها للمشاركة في فيلم يعد له عن حياة القائد العسكري روميل. هكذا زارت ايمان ألمانيا، وهناك، وعلى مأدبة عشاء تعرفت لأول مرة على المهندس ماكس شليريت، ولم تنقض الزيارة التي لم تدم لأكثر من أسبوعين، حتى كانت ايمان وماكس قد اتفقا على الزواج، وما أن حدث الزواج حتى قررت ان تعتزل السينما نهائيا وتسافر الى ألمانيا لتعيش مع زوجها هناك. تفاصيل كثيرة وطويلة، وسنوات كثيرة وأعوام أطول، فهل يجوز بعد كل ذلك أن أسألها عن امكانية عودتها للتمثيل. بيني وبين نفسي قررت أن أرجئ هذا السؤال، وأن أمهد له بسؤالها عن استقبال الجمهور لها. فرحت جدا وقالت: استقبلني الجمهور المصري بمنتهى الحرارة ولم أكن أتوقع هذا الاستقبال حتى أن الدموع انهمرت من عيني عندما وصلت الى المطار وشاهدت الجمهور الذي استقبلني واندهشت من أنهم مازالوا يتذكرونني، فأنا مدركة تماما أن الوقت والسنوات الطويلة تستطيع أن تقضي على أي ذكرى لي لدى الجمهور، لكن الحمد لله هذا لم يحدث. هي - أذن - فرحة باستقبال الجمهور لها، وهكذا وجدت الفرصة مناسبة لطرح السؤال فأجابت بعد تفكير استمر لأكثر من نصف دقيقة: كنت أحن الى التمثيل في أول سنتين تركت فيهما القاهرة، لكن وجودي وسط مناخ يمنعني من ذلك جعلني تدريجيا أقلع عن الفكرة، فانشغلت بحياتي الزوجية، ثم شغلني أولادي.. ومضت السنوات، ونسيت التمثيل.. ونسيت السينما، طبعا كممثلة أما كمشاهدة فأنا أتابع بشغف كل ماتعرضه الفضائية المصرية من أفلام. أسألها: وماذا عن الوقت الحاضر؟ تضحك وتقول: الآن.. لا، لا أقبل العودة للتمثيل لأنني أشعر بأن الوقت قد فات وأن السن لم تعد تسمح بالعودة، لقد عرض علي التمثيل في ألمانيا منذ فترة كبيرة ولكنني رفضت. كل شئ تغير ليس في السينما فقط، ولكن في كل المجالات، وقد تعودت على حياتي في ألمانيا.. وعندي هناك أصدقاء كثيرون. وأضافت ايمان أو ليلى وقد علت ابتسامة واضحة ذكرتنا بابتسامتها الوديعة في أفلامها: أنا مصرية الأب والأم والجد، ومصر تعيش في وجداني، لكن أسرتي ألمانية، ابنائي الثلاثة يعيشون بها ويعملون بها. توماس وماكس يعملان مع والدهما في شركته، وليلى تزوجت، تضحك وتقول: لدينا ليلى كبيرة وليلى صغيرة في اشارة الى ان ليلى هو اسمها الحقيقي. انهم جميعا يحبون مصر وفخورون بانني مصرية، وزوجي كان فرحا جدا عندما عرف ان مهرجان القاهرة السينمائي سوف يكرمني واصر على مصاحبتي الى القاهرة. بهذه الكلمات انهت ليلى ياسين، أو نجمتنا المحبوبة ايمان حديثها. وتركتها للمؤتمر الصحفي الذي عقده المهرجان صباح الاربعاء الماضي، ولما كنت أعلم انها تغادر القاهرة فور انتهاء المؤتمر، قلت لها قبل أن أودعها: سنفتقدك كثيرا، ولن يغفر لك جمهورك مغادرتك السريعة لأرض الوطن! القاهرة ـ نيرة صلاح الدين:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات