دراسة متعمقة حول علاقة الادب بالفن، المغربي يونس لوليدي :مسرحنا تضخم بالتنظير على حساب الابداع

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 الدكتور يونس لوليدي أحد أبرز المتخصصين في مجال المسرح بالمغرب، درس المسرح في فرنسا.. وكانت أطروحته الأولى حول الأبعاد الدرامية لمسرح توفيق الحكيم، أما دكتوراه الدولة فكانت عن علاقة الأسطورة بالمسرح العربي. والدكتور يونس لوليدي يعمل الآن استاذا في كلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة محمد بن عبدالله بمدينة فاس، وهو ايضا رئيس وحدة التكوين والبحث حول المسرح بين الفن والأدب. وخلال زيارته مؤخرا إلى مصر التقينا به وطرحنا عليه عددا من القضايا التي تتصل بالمسرح العربي، وسألناه بداية عن وحدة البحث التي يترأسها بالجامعة عن المسرح بين الفن والأدب، وما هي مهمة هذه الوحدة؟ يقول د. يونس لوليدي: هذه وحدة لطلبة الماجستير والدكتوراه الذين يشتغلون على علاقة المسرح بمختلف الآداب والفنون: المسرح والشعر، المسرح، والرواية المسرح والسينما، المسرح والفنون التشكيلية، المسرح والفلسفة. وتعقد الوحدة مجموعة حوارات مع المبدعين في مختلف هذه المجالات يفتح معهم الطلبة نقاشات حول مفهومهم للمسرح وحول انتقال أعمالهم إلى المسرح كما تعقد لقاءات مع المحترفين فتكون هناك لقاءات للطلبة مع مجموعة من الممثلين ومع التقنيين المسئولين على خشبة المسرح. وبما ان هذه الاجتماعات تتم داخل كلية الآداب بالجامعة فإننا نحاول أن نجمع بين الجانب التطبيقي والجانب النظري. كما تقام- أيضا- ورشة للتعبير الجسدي نحاول تدريب الطلبة على مجموعة من التدريبات حتى يقتربوا من عالم الممثل ويفهموا كيف يبحث الممثل عن مفاتيح شخصيته..وبهذا حاولنا أن نغير الصورة الشائعة عن الجامعات وانها لا تهتم بالجانب التطبيقي. ـ لكن لاشك أن هناك معهداً خاصاً للمسرح في المغرب؟ ـ هناك معهد بمدينة الرباط مدة الدراسة فيه أربع سنوات يضم تخصصات متعددة في الإخراج والتمثيل والنقد السينوغرافيا.. فهو معهد تطبيقي النهج. ـ إلى أي مدى ترى أن جذور المسرحية تمتد في التراث العربي؟ ـ شاركت في ندوة دولية بسوريا عن أبي العلاء المعري وكان بحثي حول الجذور المسرحية في رسالة الغفران وفوجئ الجميع بما وصلت إليه أن الجزء الأول من «رسالة الغفران» يكاد يكون مسرحيا بالشكل الحالي الآن فقد استخرجت منه عناصر الفضاء الدرامي وعناصر الديكور والملابس والإنارة وكذا الحوارات والموفولوجيات مؤكداً أن أبا العلاء المعري لم يكن يكتب مسرحية ولكن ما كتبه فيه جذور مسرحية بشكل عام فالاشتغال على مثل هذه الاعمال والبحث فيها تشي بوجود هذه الجذور وما أحوجنا في مسرحنا العربي أن ندرس هذه الأشكال لنحقق التواصل بين الإنسانية جمعاء، الأكيد أن في ثقافتنا العربية ما يفيد الغرب وفي ثقافة الغرب ما يفيد ثقافتنا العربية، في تراثنا العربي عناصر عديدة يمكن التعامل معها لإعدادها مسرحيا. ـ وهل من جذور مسرحية في«المقامات»؟ ـ المقامات فيها كثير من العناصر..يدخلها عنصر القصة القصيرة وعندما تطول المقامة ففيها إرهاصات الرواية وعندما يكون هناك حوار طويل فهنا أمر يتعلق بالمسرح ثم هناك حبكة وهناك عقدة..كل هذه أشياء فيها بذرة مسرحية. ـ وكليلة ودمنة رغم أنها على ألسنة الحيوانات؟ ـ كليلة ودمنة غنية جدا بما تحمله من حوار ومن توتر درامي.وليس الأمر هنا متعلقا بالأطفال كما هو شائع لأن الشخصيات من الحيوانات.. ففيها مادة تجذب حتى كبار المسرحيين. ـالأسطورة ما مدى توظيفها في التراث العربي؟ ـ هناك أولا قضية تتعلق بالمصطلح والمفهوم فإن كثيرا من المبدعين العرب يرون أنهم يتناولون الأساطير عندما يكتبون الملاحم أو الحكايات الشعبية أو الخرافية أو العجيبة، هناك نقط التقاء ولكن الفرق واسع بين هذه الأنواع وعادة ما نترجم الميثوٌّح بالأسطورة وكل منهما له معنى مختلف في الثقافة الغربية الميث تعني الحقيقة أو الصدق أو الأشياء الواقعية ولهذا استخدم الباحث المغربي كلمة أو مصطلح ميث بالعربية وقد تعني في ثقافتنا العربية الأكاذيب أو الترهات والأحاديث التي لا قيمة لها أي لا تعني الحقيقة ولهذا حينما نستخدم الأسطورة في المسرح يجب أن نوظفها بهذا المفهوم يأخذ الأسطورة على أنها كذب ويتلقاها الجمهور على أنها كذب حتى لو أراد أن يناقش الكاتب من خلالها قضايا مطلقة أو إنسانية.. وكثيرا ما يوظف الكاتب العربي الأسطورة كرمز بدون صراحة أو تعمد لأنه يخشى السلطة والرقابة ويختفي وراء الشخصيات الأسطورية ليقول على لسانها ما يريد. وإذا وضعنا شخصيات الألهة على خشبة المسرح.. فلا يجب أن يؤخذ المسرح على أنه حقيقة بل هو وهم وكذب. ـ كان لتوفيق الحكيم محاولات في هذا المجال.. كيف تراها؟ ـ توفيق الحكيم أخذ على عاتقه أن يرسخ فكرة المسرح الذي عمره خمسة وعشرون قرنا لدى الجمهور، وأراد أن يحيل إلى العالم العربي كل ما عرفه الغرب ولهذا نجده يستخدم الأسطورة والخيال العلمي والقصص القرآنية وحتى عندما تعامل مع الأساطير الفرعونية والأغريقية كان يريد أن ينزع عنها ما هو وثني. ـ ولكن فوزي فهمي كان له رؤية مختلفة في أسطورة أوديب؟ ـ قدم فوزي فهمي رؤية أخرى، أراد أن يظل أوديب يحكم ولا يتنازل عن عرشه هذه الرؤية لها معناها لأنها جاءت بعد نكسة 67 بعد الحلم العربي الكبير الذي أحبط، أراد أن يقول أن أوديب مازال في إمكانه العطاء أي أن العرب يمكن أن ينهضوا من جديد. المسرح بالمغرب ـ ننتقل إلى المسرح المغربي.. كيف ترى وضعيته في الحركة المسرحية العربية؟ ـ يعتبر المسرح المغربي من أكثر المسارح العربية تنظيراً هو منظر أكثر منه مطبقا - صدرت عنه كثير من المنشورات والبيانات التي تصب في اتجاه البحث عن أشكال عربية ومغربية جاء تضخم التنظير على حساب قلة الإبداع وهذا خطر، ثم وجدنا المسرح المغربي في انقسام بين الاتجاه الذي يريد أن يجرب ويطلع على مذاهب آرتو وستانسلا فسكي، وجروتوفسكي وأن ينقل نظرياتهم ولكنه اصطدم بحاجزين: الحاجز الأول نسبة الأمية العالية في المغرب التي تصل إلى 70 ومعنى ذلك أن شعبا آميا لا يمكن أن يتجاوب مع عروض تجريبية غامضة مغرقة في الإبهام فهي عروض خاصة بالنخبة والنخبة قليلة جدا من المثقفين والطلبة أما الحاجز الثاني فهو موقف السلطة التي ترى نوعا من الخطر والبلبلة والتنوير لأن هذا المسرح يهتم بالقضايا القومية والقضايا السياسية فشكل أمام السلطة هاجسا فهمشته. ومن هنا كانت الفرصة للمسرح التجاري الذي صار، رائجا بدرجة كبيرة فالإنسان المغربي مثل الإنسان العربي- عامة - مرهق في حياته بحثا عن لقمة العيش فيريد أن يبحث عن لحظة كوميدية في المسرح ومن هنا يروج المسرح الكوميدي.. ولكن ليس المسرح الذي يقدم الكوميديا الهادفة بل الكوميديا المبتذلة، التي تستغل حاجة الناس إلى الترفيه وتخلو من أي إبداع جمالي وتكاد تكون المسرحيات إذاعية يمكن أن تسمعها دون أن تشاهدها.إذن هناك محاولة تجريب مسرحي ولكنها محاصرة ومقابلها ابتذال. يضيف الدكتور لوليدي: هناك نقطة أخرى في المسرح المغربي هي غياب البنية التحتية فإن أغلب المدن المغربية لا تتوفر فيها مسارح، لأن الفرق المسرحية تعزف عن الذهاب إلى تلك المدن حتى وان ذهبت فإنها تعرض في قاعات السينما أو دور شباب ولا تجد جمهورا ذواقا. ومن هنا يبقى أهم ما يميز المسرح المغربي هو الأبحاث والدراسات والأطروحات والكتب والترجمات كما أن النقد أكاديميا وهناك اهتمام بالمناهج الجمالية أما على مستوى الإبداع فهناك نوع من التراجع حتى الاسماء الكبيرة التي تعرفونها بدأت تتراجع وتتخلى عن مكانتها في انتظار أن يأتي الشباب القادم الذين تخرجوا من معهد المسرح، ويملكون الطموح ولكنهم لا يزالون يصطدمون بغياب التواصل بينهم وبين الجيل القديم الذي من المفترض أن يحتضنهم ويكسبهم خبرته فهناك مازال صراع أجيال قبل أن يظهر هذا الجيل الجديد. ـ هل هناك تباشير توشي بهذا الجيل الجديد؟ ـ أكيد هناك مجموعة من الشباب المخرجين والممثلين من خريجي المعهد العالي، ولهم اتصال بأساتذة غربيين كانوا يزورون المعهد، بدأ هذا الجيل الشاب يشتغل على أشكال جديدة في السينوغرافيا والإخراج والملابس واللغة محاولين أن يقللوا من قيمة الخطابة والشعارات النصية ويركزون على البصري. ـ كان للطيب الصديقي كمخرج تجارب في مسرح الحلقة ومسرح الساحة كيف مضى بها؟ ـ مشروع الطيب الصديقي أخذ يتراجع..وبعد الحلقة والساحة خاض مؤخرا تجربة البساط وهو شكل في جوي مغربي قديم كان يجري في قصور الملوك في المناسبات والأعياد حيث يقوم مجموعة من الحرفيين أصحاب الدم الخفيف بالترفيه عن الملك وتقديم بعض مشاهد التمثيل يعرضون من خلالها هموم الناس ويعرضون على الملك بعض المظالم وأراد الصديقي أن يخرج هذا الشكل الفرجوي ولكنه سقط في التكرار. ـ هناك نوع من سوء الفهم في المشرق العربي عن فرنكفونية المغرب العربي؟ ـ بداية فإن المشرق العربي لا يعرف كل شئ عن المغرب العربي لسنوات طويلة كان هناك اتجاه واحد. الثقافة تأتي من المشرق لكن المشرق لا يستورد ثقافة المغرب، لسنوات طويلة كان المشرق منارة العرب، بعد ذلك بدأ المغرب يتحرر من جموده وبدأ يبدع ويكتب ولا يعرف المشرق إلا القليل من كتاب المغرب وقد حان الوقت أن نؤمن أن الثقافة العربية يجب أن تكون متوازنة.أما القضية الأخرى فهي الفرنكفونية في المغرب أراها مشابهة لقضية الأنغلو سكسونية في المشرق العربي. وهناك حضور للثقافة الفرنسية في المغرب العربي وكذلك للثقافة الأسبانية بحكم أن أسبانيا كانت تحتل شمال المغرب أما طنجة فكانت تتكلم الإنجليزية وهذا في حد ذاته نراه نوعا من ثراء الثقافة. ونحن الآن نقرأ ترجمات الآداب الأوروبية باللغة الفرنسية..وهناك إقبال كبير على كتب المشرق العربي. ـ نلمس نهضة سينمائية مغربية في السنوات الأخيرة على يد الشباب.. كيف تراها ؟ ـ أخذ الشباب يثبتون وجودهم على مستوى الإخراج والتمثيل وكتابة السيناريو وبعد أن كان الإنتاج السينمائي لا يتجاوز فيلمين أو ثلاثة أصبح خمسة عشر فيلما ويقوم صندوق دعم السينما من قبل الدولة بتشجيع هذا الإنتاج وأصبح الجمهور متعطشا للأفلام المغربية. ـ يبدو أن مسافة الحرية قد اتسعت أكثر من قبل؟ ـ أكيد.. نحن نقول اليوم أشياء لم نكن نستطيع قولها من قبل وليس الأمر مجرد تنفيس بل حرية وتعبير وإبداع. القاهرة ـ فوزي سليمان:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات