من تاريخ السينما العالمية «الجذور»، البداية في ليلة سبت قارسة البرودة

الجمعة 12 شعبان 1423 هـ الموافق 18 أكتوبر 2002 نظراً لحرصنا على امتاع القاريء المهتم بالسينما العالمية بكل ما هو جميل ومدهش عن هذا الفن وتاريخه وبداياته وتطوراته وتعقيداته ارتأينا ان نستعين بكتاب «تاريخ السينما العالمية» للناقد والمؤرخ ديفيد روبنسون وترجمة ابراهيم قنديل والصادر عن وزارة الثقافة المصرية «مشروع الترجمة القومي» وسوف نعرض بدءاً من هذا اليوم بعضاً من التاريخ الغامض لهذا الفن، علنا نسهم في ارضاء القاريء المهتم ونروي ظمأه لمعرفة اصول وجذور الفن السابع. من المريح ان تحدد بداية تاريخ السينما بيوم الثامن والعشرين من شهر ديمسبر سنة 1895 ليلة السبت قارصة البرودة تلك التي قدم فيها الاخوان لوميير من ابناء مدينة ليون، العرض الاول لجهازهما المعروف بالسينما توجراف امام جمهور بمقابل مادي، في 14 شارع كابوسين بباريس حيث كانا قد استأجرا لهذا الغرض البدروم الواقع اسفل «جراند كافيه» هذا المقهى المتألق بزخارفه الجصية البيضاء والمذهبة الذي يقع اسفل الطابق الاول بمبنى «نادي جوكي» وكان هذا البدروم قد جرى تحويله من قبل الى ديوان «او قاعة استقبال» باسم «الصالون الهندي» غير انه لم يكن يلاقي اقبالاَ كبيراً مما سهل على الاخوين لوميير استئجاره وتجهيزه بمئة مقعد من مقاعد المقاهي وتقديم عرضهما الذي كان في حدود عشرين دقيقة مقابل فرنك من كل مشاهد. مفيد لا شك ان يكون لدينا مثل هذا التاريخ لنحتفل به او نحيي ذكراه، ولكنه تاريخ مضلل فالسينما ليست اختراعا بقدر ما هي حالة تطور معقد، ان السينما تنطوي على عنصر جمالي وعنصر تقني وعنصر اقتصادي، بالاضافة الى عنصر الجمهور وهذه العناصر الاربعة سوف تضع دائما شروط الصورة التي تظهر على الشاشة في اي زمان ومكان، والعناصر بدءاً من الجمالي والتقني والاقتصادي والجمهور التي نتجت عنها في 1895 الصور المتحركة كما نعرفها الآن، والتي شكلت السنوات الاولى من عمرها هذا الوسيط الفني كان لها اصول قديمة، قبل الاخوين لوميير والصالون الهندي بكثير. منذ الربع الاخير من القرن الثامن عشر كان الجمهور الاوروبي «ومن ثم الاميركي» قد بدأ يتعرف على خبرات المشاهدة البصرية على نحو مضطرد، وكانت معرفة رجل الشارع بالرسم والتصوير قد ازدادت ثراء بحلول الطباعة الرخيصة. فبظهور أول جريدة اسبوعية مصورة كلها في انجلترا 1842 «ذي الاصتراتيد لندن نيوز» صار الناس اقدر على معرفة العالم من حولهم من خلال الصور. لقد ازدهرت وسائل التسلية البصرية، التي كانت تزداد اتقانا يوماً بعد يوم، ازدهاراً واضحا خلال القرن السابق على ظهور الصورة المتحركة، خيال الظل، والذي كان قد غزا الغرب قادما من الشرق مرات عديدة مجهضة او منقوصة فيما مضى. صار موضة في سبعينيات القرن الثامن عشر حين احضر شخص يدعى امبرويز او امبروجيو عرضه الى لندن، وفي الثمانينيات عندما نظم جوته مسرحا لخيال الظل في تريفورت وافتتح دومينيك سيرافين في باريس سنة 1784 ما صار فيما بعد اشهر عروض خيال الظل الفرنسية، ولقد كان لسيرافين، الذي واصل سرعة الازدهار حتى 1870 ـ بعد سبعين عاما من موته، على ايدي عدد لا يحصى من المقلدين والمنافسين، وعلى امتداد القرن كان عارضو خيال الظل الجائلين يجوبون معظم ارجاء اوروبا بمسرحياتهم الصغيرة، كما بدأ هنري ريفيير في 1877 في عرض سلسلة مسرحيات وملاحم خيال الظل على مسرح «القط الاسود» التابع لردولف سالي واستمر ذلك الى ما بعد عرض الاخوين لوميير بعام، بل وقد جرت بعض مجالات الاحياء الفني لهذا الشكل في القرن العشرين جاءت ذروتها في اتحاد خيال الظل والسينما في افلام السلويت للوت رينيجر. انتج المزاج العقلاني للربع الاخير من القرن الثامن عشر ولعا بالعروض المرئية بكافة انواعها والتي شاع منها جماهيريا على نحو غير عادي الصور الزيتية ذات المحتوى الدرامي، ففنان مثل بنيامين ويست، على سبيل المثال، كانت لوحاته تقدم دائما بصفتها عرضا جماهيريا تقريبا وشهدت ثمانينيات القرن الثامن عشر محاولتين مهمتين لاضافة ملامح من الفرجة الى الطبيعة الساكنة ثنائية الابعاد للتصوير الزيتي، فقد قدم مصور بورتريه في ادنبرة هو روبرت باركر فكرة احاطة المتفرج بصورة زيتية اسطوانية عملاقة واسقاط ضوء عليها لتعزيز الايهام بالواقع الحقيقي، وسرعان ما انتشر ولع جنوني في جميع العواصم الاوروبية بهذه «البانورامات» كما سمى اختراع باركر الذي سجلت براءته في 1787 وهكذا واصلت البانوراما الازدهار حتى ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، بل وحتى وقت قريب، حيث تم في موسكو سنة 1960 اعادة انشاء بانوراما قديمة عمرها خمسون عاماً تصور معركة بورودينو. وقبل باركر بسنوات وتحديداً سنة 1781 في لندن، قام المصور ومصمم المناظر الالزاسي فيليب دي لوثر بورج الايدوفيوزيكن eldophusikon وهو وسيلة تسلية بصرية يتم فيها تكوين صورة زيتية، على غرار المناظر المسرحية، من عناصر ذات ثلاثة ابعاد، تعززها مؤثرات ضوئية رومانسية، ثم جرى تنفيذ افكار دي لوثر بورج على يد لويس ـ جاك ماندي داجير « 1789 ـ 1851» الذي افتتح مع كلود ماري باوتون اول ديوراما diorama له في باريس في يوليو 1822. والثانية في ريجانس بارك بلندن في سبتمبر 1823 وكانت الديوراما تقوم على اضاءة صورة بها اجزاء شبه شفافة من الامام ومن الخلف بطريقة شديدة التعقيد بمجموعة من المصابيح والغوالق لاحداث تأثير بتغير الاضاءة وتبدل المشاهد. وقد انعكست شعبية الديوراما في اتاج اجهزة مصغرة منها على هيئة صندوق الدنيا للاستعمال المنزلي فالقرن التاسع عشر اظهر ميلا كبيراً لدى الناس الى صندوق الدنيا بكافة انواعه، وكما سنرى فإن اولى افلام الصور المتحركة عرضت من خلال جهاز صندوق الفرجة. من بين جميع وسائل التسلية البصرية كان الفانوس السحري هو الاكثر شعبية، والحق انه مع القاموس السحري تبدأ تقنية السينما بالمعنى الضيق للكلمة، تقوم نظرية عمل الفانوس السحري على مبدأ ان الجسم المضاء اضاءة قوية وهو موضوع امام عدسة شيئية او مكبرة تنعكس صورته مقلوبة، على شاشة في حجرة مظلمة وتكون هذه الصورة مكبرة وفقا للمسافتين النسبيتين بين الجسم والعدسة والشاشة والعدسة. ولا يزال هذا المبدأ معمولاً به في آلة العرض السينمائي فافضل اجهزة العرض لا يزال من حيث المبدأ فانوسا سحريا بينما شريط الفيلم وآليات تحريكه بديل اكثر تعقيدا من شريحة الفانوس القديمة البسيطة. لقد عرف الفانوس السحري منذ القرن السابع عشر على اقل تقدير وكان العارضون الجائلون يطوفون به عبر اوروبا من قرية الى قرية، كانت عروضه الاولى قطعا، محدودة الامكانيات، شرائح زجاجية بدائية مطلية بألوان معتمة تضاء اضاءة واهنة باستخدام الشموع، غير انه مع استحداث وسائل اضاءة افضل وطرائق اكثر ملاءمة لعمل الشرائح نال الفانوس السحري مكانته وشهرته في القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من شعبيته في المانيا وفرنسا بشكل خاص، بلغ الفانوس السحري ذروته في انجلترا.. فالفوانيس الفخمة من النحاس البراق وخشب الماهوجني المصقول التي ابتكرها صناع البصريات الانجليز لم يكن لها مثيل في اي مكان آخر وبواسطة انوار اكسيد الكالسيوم القوية كان بمقدورها ان تقدم صورة رائعة ممتازة في عروض قاعة البرت وكانت هذه الفوانيس في اغلب الاحيان مجهزة بثلاث او اربع عدسات ولمبات لاحداث تأثيرات متقنة من خلال المزج بين الاشكال او عرض اكثر من صورة مطبوعة على الاخرى وبهذه الطريقة صار يمكن لمشغل الفانوس عرض اشكال التحول بكفاءة اكثر ومجهود اقل مما كان يفعله داجير بكل تجهيزات الديوراما وقد بلغ ذلك اوجه في الفترة بين 1870 و1900 حيث طبعت اعداد لا تحصى من النشرات والكتيبات عن فن استخدام الفانوس السحري. غير ان عارضي الفانوس السحري، ومنذ البداية، لم يكونوا قانعين بالصورة الثابتة، وكانت هناك طيلة الوقت محاولات مستمرة لتحريك هذه الخيالات على الشاشة، من اكثر هذه المحاولات اتقانا كانت تلك التي قام بها العارض البلجيكي ايتين روبرتسون في باريس في تسعينيات القرن الثامن عشر ومن بعده فليبستال في لندن في السنوات الاولى من القرن التاسع عشر وكان جهازهما المفضل هو الفانتسماجوريا phantasmagoria وهو جهاز لتحريك الفانوس مقتربا الى شاشة العرض او مبتعداً عنها مع تثبيت البؤرة آليا: مما كان يحدث تكبيراً وتصغيراً للصورة على الشاشة بشكل دراماتيكي مناسب لما تقدمه عروضهما من تسلية قوطية النكهة ثم قام واحد من تلاميذ فليبستال، هو هنري لانجدن شيلد، بتطوير التأثيرات الناتجة عن مزج صورتين او تركيبها واحدة فوق الاخرى عند عملية العرض، وكان طبيعيا لاحقا ان تعتبر الفانتسماجوريا ومناظر شيلد المتمازجة مؤشرات في اتجاه السينما.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات