زوال العصر الذهبي للسينما البريطانية في السبعينيات (3 ـ 3)

السبت 6 شعبان 1423 هـ الموافق 12 أكتوبر 2002 تختتم في هذه الحلقة المؤرخة سوزان هيوارد رصدها للموجة الجديدة للسينما البريطانية، حيث ترى ان هذه الموجة اتسمت بروح الشباب المتمرد والصراع الطبقي. كما ترصد المؤرخة اسباب سقوط هذه الحركة التي كان من ضمنها اعتمادها الكامل على الاقتباس من النصوص الادبية، وكذلك دور التلفزيون في التعبير عن سخط الشباب وغضبهم. هناك نوع من التزام الصمت العاطفي الذي لا يسمح لمجمل شخصيات الموجة الجديدة البريطانية بتبني موقف آخر غير موقف الافراد المنعزلين. والحالة الأكثر بروزا في هذا الصدد هي بلاشك حالة بيلي الكاذب في الفيلم الذي يحمل نفس الاسم: فهو شخص مهووس باختلاق الاساطير لكنه صموت، يحيا ضائعا بين خيالاته ويبدو عاجزا عن الخروج منها حين تسنح له الفرصة. في ظل هذه الظروف، لا يستطيع الابطال تصور امكانية تغيير مصائرهم. في النوع الأول من القصص لايستطيع البطل التمرد على طبقته التي يدرك دوما انها تجبره على التبعية وفي الثاني تتحرك الشخصية الوحيدة في الفراغ. جسدت كل هذه الافلام مناخ العصر في بريطانيا: شباب متمرد، صراع طبقات، وايضا آثار أزمة السويس عام 1956 كما ألمح اليها ريمون دورينا. في فجر حقبة الستينيات، كان الشعب الانجليزي يحيا حياة انفصامية: من ناحية اشار فشل الحملة على مصر الى انتهاء الهيمنة الامبريالية، ومن ناحية اخرى راح رئيس الوزراء المحافظ هارولد ماك ميلان يكرر على اسماع ناخبيه ان الحياة لم تكن قط سهلة هكذا من الممكن تفسير الموجة الجديدة البريطانية من خلال التباين بين هذا الخطاب وبين الواقع. هناك بلا شك ثلاثة اسباب ادت لسقوط هذه الحركة، اولها ان الشاشة الصغيرة اتاحت فرصة التعبير امام نوع جديد من التمرد بفضل برامج موسيقى الروك، واستطاع الشباب التوحد مع الأمل المتغطرس الذي تبثه اغنيات فريق البيتلز والرولنج ستونز ضمن فرق اخرى وتقليد طريقتهم في الملبس وفي تصفيف الشعر، فضلا عن نمو وتطور التلفزيون الذي ادى الى هبوط معدل دخول قاعات السينما. ثانيا: يجب علينا ان نتذكر ان الموجة الجديدة البريطانية كانت تستلهم نصوصا ادبية مما ادى بالضرورة الى تقلص قدرتها على التجدد. في منتصف الستينيات، تحول المجتمع جزئيا الى البورجوازية ولم يعد يبحث عن التوحد مع طبقة اجتماعية واقعة في شرك الفقر. هكذا حول لندساي اندرسون روحه النقدية باتجاه مظهر آخر من مظاهر المؤسسة، واخرج فيلما عن الحياة في مدرسة خاصة بعنوان «إذا..». (1968) يلخص باقتدار روح التمرد الفوضوى تقريبا التي كانت سائدة في انجلترا في هذا العصر. ومن ناحيته وصف ريز في فيلمه «مورجان» (1966) اللا اجتماعي الذي ميز «لندن المتأرجحة» في الستينيات. وادى تغير النبرة هذه الى تغير الكتابة الفيلمية وانتقل اندرسون وريز من الواقعية الاجتماعية الى ما يمكن ان نسميه السوريالية الاجتماعية. ثالثا وأخيرا، من المثير للدهشة ان يكون عام 1963 هو عام تألق الموجة الجديدة البريطانية وهو نفسه العام الذي يؤرخ لبداية افولها. لقد وضع نجاح الحركة نهاية لكل أمل في قيام سينما فنية وتجريبية بريطانية على مدى عقد كامل من الزمن، ليس هذا فقط، وانما كان ريتشارد سون نفسه هو المسئول عن ذلك. كان يريد تصوير فيلم مقتبس عن «توم جونز» وكان هذا الفيلم الملون يستلزم ميزانية اضخم من ميزانيات الافلام السابقة للموجة الجديدة البريطانية. عندما رفضت شركة «بريتش لايون» تمويل الفيلم، سارع الاميركان وشركة «يونايتد ارتستس» تحديدا لمد يد العون، حيث اجتذبهم نجاح السينما الانجليزية وشعبية موسيقى الروك واسطورة «لندن» المتأرجحة» ولم يطلبون افضل من استثمار اموالهم في انتاج افلام انجليزية. وبينما كان التمويل الأميركي للأفلام بنسبة 75% في عام 1966، بلغت النسبة 90% عام 1967. ولكن ما ان اصبحت السينما الانجليزية لاتدر ربحا، عاد الاميركان في نهاية عام 1970 الى ديارهم، وانتهى عصر السينما الانجليزية الذهبي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات