فنان بدرجة استاذ جامعة، سيد عبدالكريم: زينهم السماحي وجدته في شخصية والدي

الخميس 4 شعبان 1423 هـ الموافق 10 أكتوبر 2002 عندما يذكر اسم الفنان «سيد عبدالكريم» فإن أول مايتبادر للذهن هي شخصية المعلم «زينهم السماحي» التي جسدها بإبداع واقتدار في مسلسل «ليالي الحلمية»، وربما لا يتصور الملايين من عشاق هذا المسلسل ان هذا الفنان الذي رسخ في أذهانهم باعتباره (المعلم زينهم) هو نفسه الدكتور سيد عبدالكريم استاذ مقاومة الآفات بكلية الزراعة ـ جامعة الزقازيق والذي تخرج على يديه الآلاف من مهندسي الزراعة في مصر، حبه للفن لم يمنعه من ممارسة دوره كأستاذ جامعي بنفس الدرجة ولكن كيف استطاع أن يحافظ على التوازن بين الفنان والاستاذ الجامعي خلال رحلة تزيد على الثلاثين عاما. يقول الفنان سيد عبدالكريم: زملائي في الجامعة كانوا يعتبرونني استاذاً جامعياً بدرجة فنان، في نفس الوقت كان زملاء الوسط الفني يتعاملون معي كفنان بدرجة استاذ جامعة وهذا الاحساس كان كفيلا بأن يخلق داخلي التوازن الذي أريده ويدفعني للاستمرار في كلا المجالين دون تداخل بينهما. ـ ألم تشعر يوما بالتأثير السلبي للتمثيل عليك كأستاذ جامعي وسط تلامذتك؟ ـ اطلاقا، أنا كأستاذ جامعي أقوم بواجبي كاملا، وعندما أدخل حرم الجامعة أنفصل تماما عن التمثيل واتعامل كاستاذ لمادة (مقاومة الآفات) فقط، ولكن في بعض الأحيان كنت أشعر في بداية المحاضرات بهمهمات خاصة إذا كان هناك مسلسل يعرض لي فكنت انظر اليهم حتى يصمتوا تماما ولا يستغرق ذلك دقيقتان أو ثلاث دقائق ثم أبدأ في الشرح، وخلال المحاضرات أتعامل بحزم معهم ولا أسمح بأي تجاوز أو خروج عن النظام لكن بعد انتهاء المحاضرة يمكن ان أتحاور معهم واستمع لآرائهم في أعمالي كفنان، وبالطبع دون أن يؤثر ذلك على علاقتي بهم كأستاذ. ـ هل يعني ذلك أن هناك مساحة من الحرية كانت متوفرة لطلابك في مناقشة أعمالك كفنان؟ ـ بالتأكيد كانت هناك مساحة كبيرة لدرجة أنني اعتذرت عن عدم بطولة مسرحية أمام (هياتم) في الاسكندرية نزولا على رغبة مجموعة من الطلبة كانوا قد قرأوا خبرا عن اشتراكي في تلك المسرحية وفوجئت بهم يطلبون مني رفض العمل امام راقصة، وبالفعل وجدت أنهم محقون في طلبهم فاعتذرت. ـ متى شعرت بنجوميتك داخل حرم الجامعة؟ ـ ليس بهذا المعنى، ولكن ذات مرة اثناء اندماجي في شرح أحد الموضوعات لاحظت ان احدى الطالبات غير منتبهة لما أقول فسألتها عن الموضوع الذي اتحدث فيه فأجابت بأنها ليست في السنة الرابعة وانما في الصف الأول، ودخلت المحاضرة لكي تتفرج فقط!! ـ ماهو أغرب سؤال وجهته للطلبة؟ ـ في أحد الامتحانات وضعت سؤالاً يقول: أحيانا يكون الإنسان آفة من الآفات يجب مقاومتها. متى وكيف يمكن مقاومتها؟ طبعا السؤال ليس من خارج المنهج الذي كنت أدرسه لكنه يحتاج لذكاء في الاجابة عليه. ـ أنت دائما ضيف على الصحافة والتلفزيون باعتبارك فناناً، ألم تكن يوما ضيفا كأستاذ جامعي؟ طبعا أنا معروف للناس كفنان لكن هناك بعض الصحف والبرامج تتعامل معي كأستاذ جامعي وكان اخرها برنامج صورته للقناة الفضائية المصرية بعنوان (تحت الضوء) بمناسبة قضية المبيدات الشهيرة المتورط فيها يوسف عبدالرحمن رئيس بنك التنمية والائتمان الزراعي وتحدثت فيه عن المبيدات وآثارها والأمراض التي يمكن ان تسببها وأوضحت نقطة مهمة جدا كنت أؤكد عليها للطلبة وهي ان للمقاومة طرقاً كثيرة من بينها المقاومة بالطرق الكيماوية، والمبيدات احدى الطرق الكيماوية ولا تمثل سوى 71% فقط منها وهذا يوضح مدى الافراط الذي كان متبعا في استخدام المبيدات بلا ضرورة تحتم استخدامها. مشخصاتي! ـ الفنان سيد عبدالكريم متى بدأت علاقته بالتمثيل؟ ـ منذ أن كنت طفلا أقلد والدي، وأرتدي ملابسه وكنت أجد تشجيعاً من اخوتي، ثم في مدرسة رياض باشا الابتدائية بمنطقة الرمل بالاسكندرية فقد كنت احد اعضاء فريق التمثيل البارزين بالمدرسة وكان زملائي يطلقون علي (كيمو) نسبة الى اسم جدي عبدالكريم ومن يومها لم ابتعد عن التمثيل، فقد التحقت في المرحلة الثانوية عندما كنت بمدرسة الرمل بفريق التمثيل وقمت ببطولة مسرحية (أحمس) وشاهدني وزير التعليم آنذاك كمال الدين حسين وهنأني على ادائي ففرحت جدا بهذا النجاح وعندما حصلت على الثانوية العامة قررت ان التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ولكن والدي رفض بشدة وقال لي بعنف (ابن حلمي عبدالكريم يبقى مشخصاتي)، روح قدم في كلية الطب تبقى دكتور وتنفع البلد، ولكن مجموعي لم يسمح الا بكلية الزراعة فالتحقت بها وكان أول شئ فعلته عندما دخلت الكلية هو السؤال عن فريق التمثيل وهناك التقيت بزميل وصديق العمر محمد فاضل فكان يخرج أحيانا ويمثل أحيانا وكنت كذلك أمثل وأخرج في المسرح الجامعي الى ان جاء الينا المخرج الراحل نور الدمرداش ليخرج لنا مسرحية فقال له يافاضل لا تمثل، اكتفى بالاخراج فقط وأخذه معه مساعد مخرج ومنذ ذلك اليوم ابتعد فاضل عن التمثيل وابتعدت أنا عن الاخراج بناء على نصيحته ايضا وأذكر اننا كنا في السنة الرابعة وكان الفنان سمير غانم في الصف الأول بنفس الكلية، استمر نشاطي كممثل وتفوقت في الدراسة فحصلت على بعثة إلى ألمانيا للحصول على الدكتوراه من جامعة (جيسن) بجوار فرانكفورت. هل انقطعت علاقتك بالتمثيل خلال تلك الفترة؟ ـ ابدا فبعد أن أجدت اللغة الألمانية كونت مع بعض الزملاء فرقة مسرحية وقدمنا مسرحية بعنوان (في عرض البحر) جسدت فيها شخصية البطل الضخم الذي يريد أن يعيش على حساب حياة الاخرين ونجحت المسرحية نجاحا كبيرا وكتبت عني الصحف جملة اذكرها حتى الآن فقالوا: هذا الفنان القادم من النيل بشمسه الدافئة سطع فتألق على ماانبعث منه الآخرون. هناك ايضا التحقت بمعهد السينما ـ قسم الاخراج وعندما عدت التحقت بمعهد السينما في مصر قسم الاخراج والسيناريو وكنت الأول على الدفعة، ولم أكمل الدراسة لانني كنت قد حصلت على الدكتوراه في مقاومة الآفات من المانيا واكتفيت بأن أكون ممثلا الى جانب التدريس بالجامعة. ـ متى بدأت مرحلة احتراف التمثيل؟ ـ بعد عودتي من ألمانيا وتعييني في كلية الزراعة كاستاذ جامعي انتقلت للاقامة في القاهرة عام 1967 وكانت علاقتي بالمخرج نور الدمرداش مستمرة فقام بتخصيص أجر لي بالتلفزيون عن الحلقة الواحدة ثمانية جنيهات وكانت هذه الخطوة بداية الاحتراف بالنسبة لي فقد رشحني للعمل معه في مسلسل (النصيب) ولكنه سافر واستكمل المسلسل المخرج ابراهيم الصحن وكانت شخصية (العربجي) التي أجسدها بعيدة تماما عن عملي كاستاذ بالجامعة ولكن نظرا لاتقاني الدور فقد عرفني الجمهور من خلالها ولم يعرف اني دكتور في الجامعة، وعندما رشحني اسماعيل عبدالحافظ في المسلسل التالي اخترت شخصية مختلفة تماما وطلبت منه ان يضع اسمي في التترات لكي يتعرف الناس على اسمي الحقيقي بدلا من شخصية العربجي التي يعرفونني بها. بعدها قدمت عدة أعمال منها (طيور الصيف) مع المخرج فخر الدين صلاح في دور جابر الغطاس والزعفراني في (أحلام الفتى الطائر) مع محمد فاضل وكان هذا العمل الوحيد الذي جمعني بالفنان عادل امام. أدوار بارزة ـ ومتى بدأت مرحلة الشهرة؟ ـ مع مسلسل (أبواب المدينة) الذي كتبه أسامة أنور عكاشة واخرجه فخر الدين صلاح وجسدت في هذا المسلسل شخصية صحفي فهلوي وكان عبارة عن دور كوميدي، لكن مسلسل (الشهد والدموع) كان البداية الحقيقية فقد جسدت شخصية عبودة أفندي ابن البلد الجدع وهي من الشخصيات التي تؤثر في المشاهدين وكان بداية تألق أسامة أنور عكاشة واسماعيل عبدالحافظ، ومعها أيضا قدمت دور (زينهم السماحي) في مسسل (ليالي الحلمية الذي حقق شهرة ونجومية لم أكن احلم بها على المستوى الفني الجماهيري. ـ رغم انك قدمت عدة أدوار ناجحة ومتنوعة مثل المقدس بشاي في (خالتي صفية والدير) ثم أبوالجاسم في (الضوء الشارد) وزيدان في (وجع البعاد) الا ان زينهم السماحي يظل هو المحطة الرئيسية في حياتك.. لماذا؟ ـ هناك أسباب كثيرة أولها الابداع الشديد للمؤلف أسامة أنور عكاشة في كتابة الشخصية وكذلك ابداع المخرج اسماعيل عبدالحافظ الذي اعتبره المايسترو لهذا العمل كله الى جانب ان شخصية ابن البلد الشهم الشجاع تكتسب تعاطف المشاهدين لكن يبقى السر الحقيقي وراء تألقي في شخصية زينهم يكمن في أنها كانت شبيهة بشخصية والدي، الذي كان يعتز كثيرا بشخصيته ووطنيته وكان يفتخر دائما بأن جدي عبدالكريم كان العضو رقم 11 في الحزب الوطني وكان يستضيف الزعيم الوطني مصطفى كامل في المقهى الذي يمتلكه، وهو المقهى المجاور لمحطة سيدي جابر بالاسكندرية ومازال حتى الآن معروفاً باسم قهوة عبدالكريم نسبة لجدي، ولذلك فشخصية المعلم تعيش معي طوال العمر ممثلة في جدي ثم والدي، لكن يبقى الأهم من ذلك وهو انني انسان بسيط قريب من الناس أعيش وسطهم، وأراقبهم في تعبيراتهم وحركاتهم واشاراتهم واختزن في ذاكرتي الكثير وكان مقهى سيدي جابر يتيح لي هذه الفرصة في بداية حياتي ولم انقطع عن التواصل مع الناس عندما حضرت للقاهرة فكنت أمشي في الأسواق واجلس على المقاهي واختزن ما أشاهده مستفيدا من ثقافتي ودراستي بمعهد السينما وهذا ما يجعلني أؤدي أي شخصية تسند الي بكامل تفاصيلها، وليس مجرد الملابس والاكسسوارات فقط. ويمكن ان أضيف للشخصية ملامح وأبعاداً ليست موجودة على الورق من خلال الاداء الواعي لها. صاحب بيت! ـ نلاحظ انك مع المخرج اسماعيل عبدالحافظ أكثر بريقا ما السر؟ ـ اسماعيل صديق قديم ومخرج قدير يكتشف في شخصيتي جوانب جديدة ويبذل جهدا لابراز موهبتي وأنا معه أكثر تألقا وأشعر بقدرات أكبر على الابداع وخاصة اذا كانت نوعية الدور ومساحته كبيرة ومكتوبة بشكل جيد مثلما حدث مع زينهم السماحي والمقدس بشاي وزيدان ومن قبل عبودة أفندي في (الشهد والدموع). ـ لماذا أنت بعيد عن المسرح والسينما؟ ـ بصراحة أنا أفضل العمل التلفزيوني، فالعمل من خلال هذا الجهاز يصل الى ملايين المشاهدين في أماكن تواجدها وهذا الميزة لا تتوافر للسينما ولا للمسرح، كما انني في التلفزيون انتقي العمل الذي اقتنع به ومن وجهة نظري أرى ان العمل التلفزيوني يحتاج الى كم من الصدق في الاداء أكثر من أي مجال اخر لأن المسافة بين المشاهد والتلفزيون لا تتعدى أمتارا قليلة، واعتبر نفسي في العمل التلفزيوني فناناً (صاحب بيت) أما في المسرح والسينما فأنا (ضيف خفيف) وأذكر أنني شاركت في السينما مع رضوان الكاشف في (ليه يابنفسج) ومع يوسف شاهين في (المهاجر) ومع عاطف الطيب في (كتيبة الاعدام) وشاركت في بطولة (قشطة وعسل) للمخرج جلال الشرقاوي. ـ بعيدا عن الفن ما هو نشاطك الآن في حزب التجمع المعارض، ولماذا لم تكرر تجربة الترشيح لعضوية مجلس الشعب مرة أخرى؟ ـ بصراحة التجربة الأولى عام 1984 كانت كافية لكي ابتعد تماما عن أي تجارب اخرى، فقد انضممت لحزب (التجمع) في ذلك العام بناء على ترشيح من احد الزملاء ووجدت لذلك الترشيح صدى جيداً عند رئيس الحزب خالد محيى الدين ووضعني على قائمة الحزب في شمال القليوبية في انتخابات مجلس الشعب (1984) وللأسف كانت التجربة مريرة، فقد سقطنا جميعا بسبب التزوير، وقررت منذ ذلك الوقت تجميد عضويتي في الحزب ولم افكر في الانضمام الى أي حزب آخر. القاهرة ـ مكتب «البيان»:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات