فتحت ملفات عالقة من التاريخ، ميموزا .. مسرحية جزائرية تثير اهتمام الفرنسيين

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 شهد عدد كبير من الصحفيين والنقاد الجزائريين والأجانب بقاعة المسرح التجريبي التابع للمعهد الوطني للفنون المسرحية بعاصمة الجزائر العرض الإعلامي الأول لمسرحية «ميموزا الجزائر» «les mimosas d'Algérie» التي كتبها وأخرجها الفرنسي ريتشارد دامرسي، وأدتها بنجاح الممثلتان الجزائريتان المتألقتان صونيا و فطومة. وقد أحاطت وسائل الإعلام في البلدين الحدث باهتمام خاص ربما لكونه متميزا وسابقة على درب فتح ملفات ظلت إلى أمد قريب من المحرمات. وينقل العرض على مدى ساعة و خمس دقائق المشاهد إلى صفحة من صفحات التاريخ الممزقة من ذاكرة الجزائر الكولونيالية التي لم يكن الاستقلال بالنسبة لها سوى منبع لأوجاع أولئك الذين ولدوا و ترعرعوا على أرضها المشمسة من يهود ومسيحيين واعتبروا أنفسهم دوما جزءا منها. لكنهم غادروها غداة الاستقلال مكرهين محملين بالأحزان والدموع والذكريات أيضا. ويطلق عليهم عادة اسم « الأقدام السود». واعتبر المعلقون عرض المسرحية في الجزائر حدثا استثنائيا فيما يرى فريق آخر أنها بداية لفتح ملف ظل مغلقا لأربعين سنة كاملة حول علاقة الجزائريين من أصول أوروبية الذين اضطرتهم الأحداث إلى مغادرة البلاد مع الاستقلال وثارت ثائرة جماعة ثالثة لأن المسرحية تكرس حق هؤلاء الأوربيين في وطن كانوا قد اختاروا غيره. تدور أحداث المسرحية حول شخص فرنسي واقعي هو« إيفتون فرنون» الذي ناصر الثورة الجزائرية. و أكثر من هذا نفذ عملية فدائية بوضعه قنبلة في المصنع الذي كان يعمل به و لكن قبل أن تنفجر انتبهت إليه الشرطة الفرنسية وألقت عليه القبض و نفذت فيه حكم الإعدام بالمقصلة في 11 فبراير 1957 و كان «فرنون» الثاني الذي أعدم بهذه الكيفية بعاصمة الجزائر بعد الشهيد أحمد زبانة. وبعد ثلاثين سنة من وقوع هذه المأساة تعود « كريستيان» ابنة ذلك الفرنسي الذي تبنى طوعا القضية الجزائرية ومات من أجلها، إلى الجزائر بعد ما غادرتها و هي طفلة، قاصدة بيت جدتها فوجدته قد تحول إلى مأوى لبائعات الهوى. كان اللقاء باردا و باهتا بين الجدة وحفيدتها بالرغم من سنوات الفرقة الطويلة. ما كان يهم الشابة القادمة من فرنسا سؤال تطرحه على الجدة، سؤال أتعبها كثيرا بل أضحى ينغص عليها حياتها، إنها تريد معرفة حقيقة موت والدها، أما الجدة التي لم تغادر الجزائر بعد الاستقلال فعجوز مرهقة، أصبح هذا السؤال بالنسبة لها من الماضي المثقل، إنها تقول الحقيقة لحفيدتها: «اتركي الموتى يرقدون هانئين». يتشكل الديكور من صندوق خشبي عتيق و بعض الكراسي المهترئة القديمة و أغطية بيضاء اللون توحي إلى الحب و الموت معا... فتحت كريستيان الصندوق فظهرت أشياء قديمة تحمل ذكريات الأسرة قبل نكبتها هذه دمى كانت تلعب بها وتملأ الدنيا فرحا وتلك كراساتها مكتوب على صفحتها الأولى اسمها واسم المدرسة التي تدرس بها والسنة الدراسية وتحمل صفحاته خطها الابتدائي وبعض الرسوم، وبينما كريستيان تلتهم بعينيها كل ما في الصندوق أطلقت الجدة العنان لصوتها بأغنية من « المالوف القسنطيني» مثلما كانت تفعل حين كان الفرح يعمر بيتها « يا الله يا حميمي» إنها ذكريات تفوح برائحة زهرة « الميموزا» الجميلة التي كانت تزين و تعبق الحي بأكمله.تسأل كريستيان: «كيف مات؟»، فتجيب الجدة: «في الحرب» لكنه لم يكن جنديا ؟ إنه من الأقدام السود وكان يعمل في مصنع للغاز. بثقل كبير ترد الجدة: «لم تبق في ذاكرتي سوى الأشباح. مدينة الجزائر اليوم مدينة للأشباح إنها مدينة باهتة». و لكن كريستيان تصر على السؤال: «كيف مات؟؟؟» ، وبعد إلحاح شديد تفتح الجدة حقيبة الأب الراحل وتخرج منها بعض الملابس وقصاصات الجرائد، تقرأ كريستيان بكل شجونها خبر تنفيذ حكم الإعدام بالمقصلة في حق والدها في سجن «بربروس» بتهمة وضع قنبلة و القيام بعمليات فدائية مع جزائريين، كانت السلطات الفرنسية تسميهم وقتها إرهابيين. تصرخ الجدة بأعلى صوتها: «أريد أن أنسى لماذا تذكرينني عدت إلى هنا من أجل الخدش في جراحي وتصعيد مأساتي...» تتوقف ثم تسترسل في الحديث عن أمها ميلان و أبيها الجزائري المولد النشأة. و في لحظة قوية بالمشاعر تقول لحفيدتها « إيفتون جزائري»... و لا يتوقف حديث العجوز هنا بل تتحدث أيضا وبحسرة عن ظروفها بعد الاستقلال عندما منعت من العمل. «إيفتون فرنون» يرقد في المقبرة المسيحية في حي بولوغين. وبعدما عرفت الحفيدة الحقيقة تقرر العودة لعائلتها في فرنسا وقد جنت من زيارته بعض الارتياح. إن النص الذي كتبه الفرنسي «رشارد دامرسي» في مطلع التسعينيات ملئ بالشاعرية و مثقل بصور الحنين إلى زمن الجزائر الكولنيالية، إنه إسقاط أيضا لمأساة الأقدام السود غداة الاستقلال و ما لحق بهم من تمزق على المأساة الحالية التي تعيشها الجزائر منذ أكثر من عشر سنوات. إن «إيفتون» الذي أعدم و كان أول أوروبي ينفذ فيه هذا الحكم اتهم بالإرهاب. لقد أراد دامرسي بلاشك أن يبرئ هؤلاء الذين ناصروا القضية الجزائرية ووقفوا إلى جانب الثورة. ريتشارد دامرسي لا ينفي حبه للجزائر، فهو أحد الأقدام السود ولد و درس في الجزائر و غادرها بعد الاستقلال صرح أن هذا العرض الذي نال إعجاب الإعلاميين الجزائريين سيكافح من أجل عرضه في فرنسا التي سيتحفظ قطاع هام من ساستها وحتى من مثقفيها على روح المسرحية و رمزيتها. أما الجمهور الجزائري فهو على موعد مع عرض «ميموزا الجزائر» بعد شهر من الآن، وتشاء الصدف أن يكون ذلك متزامنا مع الاحتفالات بالذكرى الثامنة والأربعين لاندلاع حرب الاستقلال في الفاتح من نوفمبر. الجزائر ـ مراد الطرابلسي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات