الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 يكثر الحديث عن سيطرة نمط واحد من الأفلام ليس في مصر وحدها ولكن على مستوى العالم إذ تتوارى السينمات المحلية ويسيطر الفيلم الأميركي - وتابعيه الهندي والمصري ـ على المشاهدين. ومنذ فترة سمعنا أخبارا أثلجت صدورنا عن اتفاق توصلت إلية شركة أفلام مصر العالمية «يوسف شاهين وشركاه» لعرض الأفلام الأوروبية في دور العرض المصرية، حتى الآن لم يتم شيء من هذا رغم ازدهار دور العرض وانتشار سينما الحي، حتى المراكز الثقافية التي اعتادت قديما على إمتاع متذوقي السينما بأفلام من جميع أنحاء العالم أصبحت تعرض في السنوات الأخيرة ذات الأفلام السائدة الأميركية والمصرية التجارية حتى تلاشى دورها تماما في العمل على رفع ذوق الجماهير وتثقيفهم ثقافة مختلفة عن الأشكال الفنية السائدة. بعد هزيمة 1967، صدر قرار سيادي بمقاطعة كل ما هو أميركي وكانت الفائدة لنا من محبي الفنون الراقية لنشاهد في دور العرض التجارية ـ وليس فقط في التجمعات الثقافية ـ أفلاما هامة من بلدان العالم، أمكن لنا مشاهدة مجموعة الأفلام السياسية الإيطالية انتهى التحقيق المبدئي وقضية ماتيه وشاهدنا أفلاما فرنسية أقبل عليها الجمهور العادي وأحبها ومنها أشياء الحياة والحرب انتهت. هل تصدقون أن فيلما هاما مثل الموت في فينيسيا يعرض في سينما بوسط البلد ويتقبل المشاهدون إيقاعه ويتجاوبون معه. في هذه الفترة شاهدنا الأخوة كارامازوف الروسي ـ السوفييتي وقتها ـ وهاملت بنسختيه الروسية والإنجليزية وكنا نختلف أيهما أفضل الروسي أم الإنجليزي ونقارن بين أداء لورنس أوليفيه العملاق، وبين أداء الممثل الروسي لهاملت، للأسف يصعب علي تذكر اسمه الآن رغم أدائه الرائع وما وصلنا من معلومات عن إصابته بحالة عقلية بعد نجاح تقمصه لهاملت أكون أو لا أكون تلك هي المشكلة كانت كلمة متداولة بيننا كشباب، وهذه الأفلام كانت منبرا تثقيفيا لنا نتعرف منه على أحوال العالم السياسية ونقف على قيم مختلفة ،مختلفة عنا ولكنها جميلة جدا وراقية، لا أنسى مشهد النهاية والزوجة تمزق خطاب الزوج الذي كتبه لعشيقته قبل الحادثة ويعلنها فيه أنه تركها، كيف مزقت الزوجة الخطاب والعشيقة الممثلة الجميلة المنتحرة رومي شنايدر تجري في ممر المستشفى لتودع حبيبها، الزوجة لا يوجد بداخلها حقد أو ما شابه من تلك المشاعر البغيضة ـ غيرة النسوان ـ التي يطرحها بكثرة أفلامنا التجارية التي لا يجد شبابنا اليوم بديلا لها، إلا الأفلام الأميركية التجارية أيضا المليئة بالعنف والمفاهيم التي ترسخ للحلم الأميركي الزائف. نجحت المقاطعة الجادة لأفلام العدو في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات التي بدأت من حكومة عبد الناصر التي تدرك أهمية المناخ الثقافي في التعبير عن موقف الشعب من أعدائه، وساندت المؤسسات الثقافية والتجمعات الأهلية ورحبت بالقرار، وفي هذا المناخ خرجت أفلام مصرية رائعة المستوى فنيا ومضمونا فأنتج المومياء والناصر صلاح الدين كما انتج البوسطجي و وقنديل أم هاشم ... هذه الأفلام هي التي شاهدها شباب تلك الأيام، والآن هل هو قدر الشباب أن يتربوا على الإثارة الأميركية، والكوميديا المحلية فقط ؟ لا يمكن أن نترك الشباب لمشاهدة نوعية واحدة مسلية وتافهة تنساها بمجرد خروجك من الصالة، بينما كانت ما تثيره فنيا الأفلام التي شاهدناها بعد النكسة تبقى في الذاكرة وتسهم في بناء عقولنا. الجمهور العريض كان له نصيب أيضا من السينما غير الأميركية فقد عرضت بكثافة الأفلام الهندية، وبعضها كان مدبلجا بالعربية، لا أنسى من أجل أبنائي وكفاح الأم على عدة مستويات، ضد الإقطاعي والطبيعة وابنها برجو الشقي، واستعداده للموت في النار لإنقاذ أمه، أفلاما ميلودرامية نعم ولكنها تعلمنا عن ثقافة شعب آخر قريب منا ومن قيمنا الاجتماعية. مع الغضب الشعبي الممتد في كافة الأقطار العربية لما يلاقيه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة منذ أحداث الانتفاضة، ومع استنكار السياسات الأميركية التي تكيل بمكيالين، ارتفعت أصوات تدعو لمقاطعة الأفلام الأميركية ولكنها بقيت في حدود المزايدات ولم تمتلك آلية للتنفيذ، ومن المؤسف أن البعض من رموز الحركة الثقافية والذين تزعموا أو نفذوا برنامج المقاطعة بعد 1967، هم أنفسهم الذين يهاجمون من يطالب بمنع الأفلام الأميركية ويردد على طريقة لا تقربوا الصلاة ويقول هؤلاء يريدون منع الأفلام ـ فقط ـ من السينما، ولكن ما يطالب به عدد كبير من المثقفين المصريين أن تتسع سياسة توزيع الأفلام لتشمل شركات أوربية وأفلاما عربية وهندية وإيرانية، أفلام أفريقية ومن أميركا اللاتينية، دون منع الأفلام الأميركية بل تعطى فرصة للجميع للتنافس وعندها سيكون لدى المشاهد فرصة الاختيار، بشرط ألا نتوقع أن يتساوى عدد من يقبل مثلا على فيلم «راقصة في الظلام» للمخرج الدنمركي الموهوب والذي يعد حاليا واحدا من أهم مخرجي أوروبا والعالم والحاصل على السعفة الذهبية جائزة مهرجان كان لعام 2000، أن يتساوى جمهوره مع جمهور فيلم أميركي بطولة جوليا روبرتس أو هاريسون فورد، ولا يمكن أن ننتظر في يوم وليلة تغير المناخ الثقافي، فالناس في حاجة إلى التدرب على مشاهدة أفلام لها مذاق متنوع وإيقاع خاص يغلب عليه الهدوء، أو تحتاج تفاعلا لا استسلاما، تحتاج ذهنا يقظا لتصل الفكرة والهدف من الفيلم. قصة سلمى «راقصة في الظلام» يحكي عن سلمى وهي مهاجرة تشيكية إلى أميركا حيث تعمل في أحد المصانع وهي أرملة ولديها ابن تعيش من أجله، سلمى مهووسة بالموسيقى وخاصة الميوزيكا الهوليودية، تخفي سرا في حياتها، فهي تفقد بصرها وابنها سيلقى نفس المصير إذا لم تحصل على نقود كافية لإنقاذه عن طريق عملية جراحية تدخر نقودها لكي تتمكن من إجرائها له، وعندما يسرق جارها اليائس مدخراتها تنقلب حياتها الدرامية إلى نهاية تراجيدية، إذ تضطر إلى قتله وتحاكم وتتعرض لمحاكمة ظالمة ولا ينجح المحامي الذي عينته لها المحكمة في تخفيف الحكم عنها كما ترفض المحامي الخاص الذي أحضرته لها صديقتها كاتي كاترين دينيف لعدم موافقتها إعطائه مدخراتها كأتعاب لأنها دفعتها للطبيب لينقذ ابنها من فقد بصره. والمخرج لارس فون ترير يعد حاليا من أفضل المخرجين الأوربيين عطاء، منذ تخرجه كطالب من مدرسة الفيلم الدنمركية وحصوله على جائزة مهرجان ميونخ عام 1982، وهو يواصل حصد الجوائز فبعدها بعامين فقط حصل على الجائزة الكبرى في مهرجان كان 1984 عن فيلم عنصر الجريمة واستمرت عروض أفلامه الناجحة حيث عرض الحمقى في كان الذي بدأ به حركة الدوجما الفنية التي أرست عشر قواعد جديدة لعمل الأفلام أهمها استخدام الكاميرا المحمولة يدويا والبعد عن كل ما هو مصطنع من إضاءة أو صوت أو إكسسوار. وتوالت نجاحاته فقدم تكسير الأمواج الذي حصل على الجائزة الكبرى في مهرجان كان 1996 ثم يحصل فيلم «راقصة في الظلام» الذي صوره بأكثر من مائة كاميرا ديجيتال محمولة يدويا ليحصل على نتيجة مبهرة، خاصة في مشهد القطار وهو أحد أحلام البطلة في الفيلم والتي تطلق لخيالها العنان وتحلم وهي ترقص وتغني على طريق أفلام هوليود الغنائية، فبعد أن أخبرها الطبيب أنها قد فقدت بصرها بالكامل تلقي بنظارتها السميكة وتغني أنا شايفة كل حاجة، شايفة النور والظلام، وبرج إيفيل وسور الصين العظيم، أنا شايفة الأرض والسماء. جعل المخرج السيدة قليلة الحظ تواجه مشاكلها بأحلام اليقظة التي صاغها في قالب غنائي راقص، وأتصور أن «راقصة في الظلام» إذا سنحت له فرصة العرض العام فسوف يلاقي نجاحا مع الجمهور العربي الذي سيتعاطف بالتأكيد مع سيدة فقيرة مريضة، حلمها الوحيد أن تنقذ ابنها من المرض. والفيلم إخراج وتأليف وتصوير لارس فون ترير، مدير التصوير روبي موللر، إدارة فنية فنسنت باترسون، تأليف موسيقي فيبيك وندلوي. الفيلم في مستواه الأول يحكي هذه الحدوته البسيطة عن أم تجاهد لتعيش وتنقذ ابنها من الموت وفي مستواه الأعمق يتحدث عن وجهين لأميركا وجه جميل لخصه في الفن والمشاهد الغنائية الراقصة تحديدا كما قدم نماذج لأناس طيبون تعاطفوا مع سلمى وهما صديقتها، والرجل الذي يحبها حب صداقة وهو سائق سيارة النقل الصغيرة، والوجه الآخر في عدم عدالة المحاكمة وصدور حكم الإعدام وتنفيذه رغم تأكدنا من براءتها وصدق مرافعتها الساذجة. الوجه القبيح لممثل الإدعاء الذي اتهمها بالشيوعية لأنها قادمة من التشيك وأنها خانت الكرم الأميركي كما يتمثل في صاحبة البيت وزوجها الذي سرق مدخراتها وادعى أنها راودته عن نفسه، اختار المخرج مغنية فنلدنية بعيدا عن نظام النجوم لتقوم بدور سلمى فنجحت في تقمص الشخصية البريئة الطاهرة، واختار لدور الجار الذي سرق ممثلا أميركيا شهيرا وقامت الفرنسية كاترين دينيف بدور الصديقة، الفيلم بموضوعه وأسلوب إخراجه يتخطى حدود دولة ما ويقدم فكرة تخاطب كل الناس ويمكن للجميع أن يشعروا به سواء تربوا على الفن الخاص أم تربوا على فنون سائدة. سنحت لي مشاهدة الفيلم على شريط فيديو منزلي، وأتمنى أن يشاهده الجمهور في مصر والعالم العربي على الشاشة الكبيرة ليستمتعوا بالفن الراقي ويتذوقوا الإيقاع المختلف. القاهرة ـ صفاء الليثي: