الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 شهدت السينما البريطانية في الخمسينيات تحولاً جذرياً في الكتابة والمضمون حيث ركزت على هموم العمال ومتاعب البسطاء التي لم تكن تتناول من قبل، حيث حلت محلها الصور المعقمة حسب رأي الناقدة السينمائية سوزان هيوارد، وهي تقصد بالصورة المعقمة تقديم خطاب سينمائي مترفع عن هموم العمال وتلوين الحياة البريطانية بألوان غير حقيقية تخفي الوضع الحقيقي للكتلة الغاطسة في المجتمع الانجليزة، فهي ترصد هذا التحول الكبير في اللغة السينمائية البريطانية حيث تقول: «مناهض للمؤسسة»، هكذا كان هذا التيار من اوجه عديدة: من حيث نظام الانتاج اذ تم تمويل الافلام خارج اتحاد رانك ـ ايه بي سي الذي كان مهيمناً حتى ذلك الوقت، ومن حيث الاعتماد على الميزانيات الصغيرة، ومن حيث عقلية ابطال هذه الافلام الذين ينحدرون من الشعب وليس من الطبقات الموسرة. فيما يتعلق بمسألة اصول هذه المدرسة الانجليزية الجديدة نجد ان هناك مدرستين فكريتين: يعتقد البعض ان الادب والمسرح هما اللذان اتاحا مولد الـ «نيو ويف سينما» كما يسمونها في بريطانيا عام 1959 بينما يرى البعض الآخر وهم اكثر ميلاً للانتقاء، ان ثمة تأثيراً ايضاً من جانب تراث السينما الحرة التسجيلي في الخمسينيات. اياً ما كان الامر، فإن فرساناً ثلاثة تركوا بصمتهم على هذه المدرسة: ليندساي اندرسون، كارل ريز وطوني ريتشاردسون، الذي ينبغي ان نضيف اليهم اسم جون شليسنجر اسس طوني ريتشاردسون شركة افلام «وود فول» (بالاشتراك مع جون اوسبورن وبدعم مادي من شركة افلام براينستون التي هي فرع من شركة بريتش لايون ـ الاسد البريطاني) وقد انتجت شركة «وودفول» معظم افلام المدرسة الانجليزية الجديدة التي بلغت اوج نجاحها عام 1963. السينما والشباب الغاضب مم تتشكل السينما الحرة؟ وفقاً لطوني ريتشاردسون: «تم ابتكار تسمية السينما الحرة للاشارة الى عدد من الافلام التسجيلية التي اخرجناها انا ولندساي اندرسون وكارل ريز ضمن آخرين، في الخمسينيات، لم تكن حركة وانما عدد من الافكار التي تعارفنا عليها» كانت اولى هذه الافكار هي ضرورة صنع الأفلام خارج اي ضغط تجاري، والثانية هي تقديم تناول اكثر شعرية وانسانية. تزامن ظهور السينما الحرة مع النجاح الهائل لمسرحية جون اوسبورن «انظر الى الخلف في غضب» التي قدمت عام 1956 في مسرح «رويال كورت» علينا ان نؤكد ايضاً ان اندرسون وريز كانا يكتبان في مجلة سينمائية هي مجلة «سيكوانس» اسسها اوسبورن عام 1946 لمعارضة السينما البريطانية السائدة في ذلك العصر، التسجيلية والروائية على حد سواء، كانت المجلة تعيب على السينما التسجيلية نزعتها الامتثالية وفتورها وتعيب على الروائية خجلها الجمالي وتقاليدها الثقافية ودافعت في المقابل عن الفيلم الغنائي الاميركي وافلام جون فورد والسينما الفرنسية ممثلة في كوكتو وجريميون وفيجو كما دافعت عن كارنيه ودي سيكا وفلاهرتي وارن سكسدورف ورينوار. في التراث التسجيلي البريطاني، كان من يطلقون عليهم «الشباب الغاضب» يميلون الى الإرث الذي تركه همفري بيننجز في مقابل اخذهم على جون جريرسون نظريته الاكاديمية التقليدية للفيلم التسجيلي بوصفه اداة تعليمية تربوية دعائية. من وجهة نظر هؤلاء ادت مواقف جريرسون الى التراجع الجمالي للكتابة السينمائية والى تطبيع ايديولوجي هجين من العجرفة الذهنية والنخبوية الاجتماعية ومقارنة بيننجز كانوا يمتدحون مواهبه كشاعر وفنان مصور تشكيلي وميله للسوريالية والماركسية واهتمامه بحياة البسطاء ولاحظوا انه اول مخرج تسجيلي يخرج من لندن ليصور عمال الشمال. اهتم نقاد مجلة «سيكوانس» فضلاً عن ذلك بالاسلوب اكثر من اهتمامهم بمضمون الافلام وادانوا ارتباط السينما الانجليزية بالبنية السردية التقليدية. في الوقت نفسه اتهموها بالتهرب من الواقع بينما اخذوا على سينما الحرب تمجيدها للأبطال مع تبرئة الحرب العالمية الثانية من اهوالها قبل صدور مجلة «كاييه دوسينما» الصفراء، كانوا بشكل ما يؤلهون المؤلف وكانت لهم افكارهم الخاصة بهم. من الممكن تلخيص محور مسيرتهم كما يلي: واقعية اجتماعية، واقعية جديدة، واقعية شعرية، سوريالية. اذا كان نقاد مجلة «سيكوانس» الشباب قد بدأوا بتصوير الافلام القصيرة التسجيلية فذلك لانهم اولاً لم يحصلوا على التمويل الكافي لتصوير افلام طويلة تحدث قطيعة مع الافلام الكوميدية العادية وافلام الحرب المتكلفة التي انتجتها شركة رانك وشركة ايه بي سي (احدى شركات ورنر) وبالاضافة لتناول الحياة تناولاً شخصياً والاهتمام بالأوساط العمالية والاعتناء بعدم المبالغة وباحترام اليومي، تميزت افلام السينما الحرة بتجاور المونتاج البطيء والسريع جنباً الى جنب وباستخدام موسيقى الجاز كترديد للثقافة السفلى العمالية. مع الرقص كانت موسيقى الجاز بمثابة التحدي لتصنع الادب السائد والمهيمن في فيلم «ماما لا تسمح» تعبر صور الشباب الراقص عن ارادة ورغبة التحرر بما في ذلك التحرر على المستوى الجنسي (عنوان «ماما لا تسمح» غامض بشكل متعمد في هذا الشأن). كما اتاح وجود فنيين مثل والتر لاسالي وجون فلتشر في كثير من هذه الافلام تحقيق وحدة ما لمسيرتهم بالاضافة للرجوع الى كارنيه، فيجو وآخرين.