الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 هل سيخرج «المطران الثائر» الى النور؟ التصريحات المتتالية والمتضاربة لممدوح الليثي رئيس جهاز السينما بمدينة الانتاج الاعلامي تجيب على هذا السؤال بنعم، وتبرز النيات الطيبة تجاه الفيلم، غير أن رحلة الفيلم مع المنتجين سواء كانوا قطاعاً خاصاً أو قطاعاً حكومياً تجعل الشك هو سيد الموقف. فكابوتشي الذي كان يتألم بشدة لمعاناة الشعب الفلسطيني ولما يلقاه من أبشع أنواع التعذيب على يد العدو الصهيوني، لم يكن يكتفي بابداء التعاطف أو اعلان رأيه بحق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم فقط، بل كان لا يتوانى عن تقديم أية مساعدات للفدائيين بداية من إيوائهم وعلاجهم داخل الكنيسة وليس انتهاء بتهريب الأسلحة لهم. فترة ليست قصيرة قضاها كابوتشي في الأراضي المحتلة، من دون أن يكون له أي نشاط سياسي، حتى فوجئ في بداية السبعينيات بالطفل «علي» يحتمي بالدير بعد اصابته على أيدي قوات الاحتلال. كان «علي» قد ألقى قنبلة على دورية اسرائيلية، لكن الصهاينة أطلقوا الرصاص عليه وتمكنوا من اصابته وتعقبوه وكادوا يلقون القبض عليه لولا أنه احتمى بالدير، وهناك لاقى الرعاية ممن فيه وعلى رأسهم المطران كابوتشي الذي بدأ من وقتها يلتفت الى القضية الفلسطينية ويقتنع بعدالتها، مما دفعه الى مساعدة الفدائيين وظل يقدم لهم كل ما يستطيعه، الى أن اكتشف الصهاينة أمره، وبدأوا يتابعون نشاطه ليتم القاء القبض عليه، وليقضي أربع سنوات من عمره في سجون العدو الصهيوني. زار كابوتشي مصر واستضافه المخرج الراحل حسام علي وسجل له 4 ساعات تمهيدا لعمل فيلم تسجيلي عنه وعن قصته البطولية، غير أن حسام رحل قبل أن يتم مشروعه لتذهب الساعات الأربع الى السيناريست محسن زايد الذي جلس أيضا مع المطران كابوتشي وتحمس لقصته وقرر كتابة فيلم سينمائي يتناولها، ونفس الحماس كان لدى المخرج الكبير الراحل صلاح أبوسيف الذي رشح رشدي أباظة ثم محمود المليجي للقيام بالدور، ولاقى هذا الترشيح صدى أكثر من طيب لدى الاثنين، غير أنه ظل حتى وفاته يبحث عن ممول لهذا الفيلم، ورحل عن دنيانا قبل أن يجد هذا الممول. ومرت الشهور من دون أن يتم اتخاذ أية خطوات ايجابية في سبيل تنفيذ مشروع الفيلم، لدرجة أن مفاوضات لم تتم مع السيناريست محسن زايد، وجاء مسلسل «حديث الصباح والمساء» الذي عرضه التلفزيون المصري في رمضان الماضي، والذي قامت شركة العدل جروب بتنفيذ انتاجه لصالح قطاع الانتاج التابع لاتحاد الاذاعة والتلفزيون المصري، وكان كاتب سيناريو وحوار المسلسل هو السيناريست محسن زايد عن رواية بنفس الاسم لنجيب محفوظ. ولما لم يلتزم المخرج أحمد صقر بالسيناريو المكتوب، وقام بناء على طلب آل العدل باجراء تعديلات رآها زايد تعديا على حقه وتشويها للسيناريو الذي كتبه حدثت مشكلات كبيرة بين زايد وآل العدل راح ضحيتها فيلم المطران كابوتشي. غير أن الفترة نفسها شهدت مفاوضات بين محسن زايد ورئيس قطاع الانتاج (وقتها) مدحت زكي بشأن الفيلم، وكاد القطاع يقوم بانتاج الفيلم، بل وفي ندوة بنقابة الصحفيين (عقدت في منتصف يناير 2002) أعلن مدحت زكي أمام حشد كبير من الصحفيين أن القطاع سينتج فيلم المطران كابوتشي، وأنه بصدد اعتماد الميزانية الضخمة التي تكفي لخروج الفيلم بمستوى عال. لكن الرياح هذه المرة أيضا أتت بما لا يشتهي محسن زايد، إذ ترك مدحت زكي قطاع الانتاج قبل أن يخطو أي خطوة!! وتمر الأيام، بل الشهور ويخرج علينا ممدوح الليثي الذي أصبح رئيسا لجهاز السينما بمدينة الانتاج الاعلامي ليعلن أن الجهاز سينتج الفيلم وأنه يجري مفاوضات مع المخرج مصطفى العقاد (أيضا) لاخراج الفيلم، ويتفاوض أيضا مع عمر الشريف لبطولته. من جانبه قال السيناريست محسن زايد لـ «البيان» ان هذا الفيلم يمثل أهمية خاصة بالنسبة له لأنه يصلح لمخاطبة الغرب ويوضح كيف تعاطف رجل دين مسيحي أوروبي مع حق الفلسطينيين في الحياة وفي الدفاع عن أنفسهم، وفي الوقت نفسه كيف يدين الهجمات الصهيونية الهمجية ضد شعب أعزل وكيف أن هذا التعاطف جعله لا يتردد في تحمل كل ما لاقاه من معاناة، وكيف أنه ما زال مصرا على موقفه رغم كل شئ. كما أشار زايد الى أن تقديم الفيلم في هذا التوقيت مناسب جدا لأنه يتناول العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأرض المحتلة. وفي حين عجزنا عن معرفة مكان عمر الشريف فإن مادلين طبر أكدت أنها في منتهى السعادة لمشاركتها في عمل كهذا، مشيرة الى أنها تتابع تفاصيل العمل في هذا المشروع منذ اللحظات الأولى، وعن الشخصية التي تقوم بها مادلين في الفيلم قالت: أقوم بتجسيد شخصية الراهبة «ميري» التي تخدم في أحد الأديرة في القدس والتي تتولى رعاية عدد من المعاقين ذهنيا داخل الدير، كما أنها هي التي تتولى رعاية الولد المسلم «علي» الذي يحتمي بالدير بعد أن القى قنبلة يدوية على دورية اسرائيلية دفعت الصهاينة الى تتبعه. هكذا، تكون مشكلة الانتاج قد انتهت، والسيناريو موجود والبطل والبطلة موافقان بل ومتحمسان، ولا يبقى غير تحديد اسم المخرج، ولدينا بدل الواحد خمسة على الأقل لو رفض مصطفى العقاد، فماذا يبقى إذن ليبدأ تصوير الفيلم؟ القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: