الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 عند مشاهدتي لفيلم women8 ومع دخول العرض الى منتصفه لم يبرح ذاكرتي ما قرأته عن فكرة مسرحية «الشيطان الاعرج» للكاتب الفرنسي «ليساج» الذي اقتبس الفكرة من الاديب الاسباني «دي جيفارا» في القرن السابع عشر حيث تقوم الفكرة على قصة شاب يطلق مارداً من اسره فيحمله الى برج عال ليتابع ببصره اسقف المنازل وهي تنزاح عن مواضعها ليكتشف ما خفي عن الاعين والابصار.. لكن الفرق في هذا الفيلم ان دور المارد قامت به الطفلة «كاثرين». كيف؟ بداية، الكتابة عن هذا الفيلم تضعك امام نظرتين الاولى هي ان تستخدم منظومة القيم الاخلاقية في تقييمه، والثانية ان تلجأ الى الناحية الفنية والانسانية التي تكتنف كل هذا الخلل الذي شاهدناه، وهذا ليس حكماً قيميا، لانه لا يرقى الى مستوى الجريمة مثلا، لان القبح هنا حالة انسانية محضة تقودها آلام واوجاع ومرارات عديدة. يدور الفيلم حول ثمان نساء يعشن في منزل واحد بمنطقة نائية تحيطها الثلوج من كل مكان.. وذات صباح يكتشفن مقتل الزوج مارسيل مطعوناً بخنجر في فراشه.. فيفشلن في الاتصال بالشرطة بسبب انقطاع اسلاك الهاتف. وبمرور الوقت يبدأ تبادل الاتهامات مما يكشف عن عالم مليء بالفساد الاخلاقي غير المتوقع، وتبدأ تعرية النفوس اثناء كيل الاتهامات لبعضهن البعض عن صاحب المصلحة في مقتل مارسيل، فتتعرف على جابي الزوجة التي تخون زوجها مع مساعده جاك فارنو، وانها لم تكن تحب مارسيل، ومازالت تعيش على ذكريات حبيبها الذي قضي في حادث سيارة، بينما تحضر بياريث اخت مارسيل المغضوب عليها والمطرودة لسلوكها الشائن اثر مكالمة تلقتها من مجهول من داخل المنزل لتحوم حولها الشبهات، خاصة ان احدى الخادمتين رأتها ليلة الحادث خارجة من غرفة مارسيل، فيمارسان الحب للتكتم على امر تواجدها في غرفة اخيها.. ليعترف الاثنان تحت وطأة الحادث ان بياريث ملت الرجال، بينما الخادمة السمراء شاينل محرومة من العاطفة فتلجأ لهذا الشذوذ كنوع من التعويض وانها اتت لزيارة اخيها سراً لاقتراض مبلغ من المال. ومع كل هذه الاعترافات تزداد حيرة المشاهد بسبب سيناريو مكتوب بفنية عالية، وتعقيدات لا حدود لها.. فاوغسطين اخت الزوجة امرأة عانس راودت مارسيل زوج اختها اكثر من مرة لانها تشعر بأنها غير مرغوبة فيصدها.. اما الخادمة لوفير فقد بدت اكثر تماسكاً ووقاحة في الدفاع عن نفسها حيث تعترف انها كانت تمارس الحب مع مارسيل عوضا عن جابي التي كانت تتركه وتنام في غرفة لوحدها. وتزداد سخونة كرسي الاعتراف حيث تكشف لوفير عن جابي التي تزوجها مارسيل وهي حامل سفاحاً، فتصدم ابنتها سوزون بإنها غير شرعية، لتعترف في الوقت نفسه ان زيارتها لابيها هذه الليلة كانت بسبب حملها هي الاخرى من حبيبها.. لكن المخرج وكاتب السيناريو لا يمهلانا استراحة لاستيعاب هذه السلوكيات غير المعقولة، فنرى سوزون تعترف للصغيرة كاثرين بأن حملها كان من مارسيل، لتتوقف انفاسنا حيال هذا الاعتراف المهول. لكن يبقى السؤال هل كان الزوج مارسيل يعلم ان سوزون ليست ابنته وبالتالي فعل فعلته الشائنة؟ بالطبع كان يعلم لانه تزوج جابي لانقاذها من فضيحة الحمل.. ويطال الامر الجدة.. وهي حماة المقتول، الغائبة عن الوعي معظم الوقت وتدعي سرقة اسهمها حتى تتهرب من مساعدة زوج ابنتها جابي الذي تعرض للافلاس، اضافة الى قتل زوجها في الماضي بالسم. ولا يبقى سوى الطفلة الصغيرة «كاثرين» التي اتفقت مع والدها في هذه الليلة على حيلة قتله وهمياً حتى يتسنى له الاستماع الى فضائح أسرته ومدى فسادهم، لكن المخرج لم يبرر سبب هذا الاتفاق، فما هو الرابط الحقيقي بين افلاس مارسيل وبؤسه العاطفي وبين هذه الخطة التي أوقعت الجميع في اعترافات مأساوية؟ ربما تكمن الاجابة فيما يلي: فعندما تهرول كاثرين لتفتح الباب لأبيها القابع وراءه، نجده واقفاً مصوباً مسدسه الى رأسه ليلقى حتفه في الحال، لذلك نسأل لماذا لم نر الرجل الوحيد في الفيلم إلا من ظهره مرتين فقط؟.. هل بالفعل كان مارسيل يمثل دور الزوج أم ان المخرج أراد شيئاً آخر بهذا التعتيم المفرط على الملامح وشخصية مارسيل؟ ليس من السهولة بمكان اهمال هذا المقصد الاخراجي، فالذي انتحر ليس الزوج بالمعنى المباشر للكلمة، بل هو الغموض الذي تلقاه نساء هذا المنزل النائي، هو انتحار الكذب والخديعة عبر حالات التطهر القسرية من خلال الاعترافات السابقة. والآن نأتي على الروح الفرنسية التي امتعنا بها الفيلم وهي الأغاني الرومانسية البديعة والموسيقى الشفيفة والكلمات التي عبرت عن هوية كل شخصية ومثلت رؤيتها للحياة، فقد كانت كل أغنية قصة في حد ذاتها رطبت وجداننا وأنعشت أرواحنا وخففت كثيراً من ثقل الاعترافات المثيرة. وكم كان جميلاً ان جعل المخرج الجدة والحفيدة كاثرين بمنأى عن الرقصة المسرحية لباقي السيدات في آخر المشاهد وكأنه يقول ان الماضي (الجدة) والمستقبل (الحفيدة) أكثر اشراقاً من الحاضر العكسي المظلم لهؤلاء السيدات. انه فيلم مليء بأبعاد انسانية لا يمكن التعامل معها بمنظور أخلاقي وإلا أهدرنا الجرعة الفنية العالية لهذه الحكايات والأحداث التي حدثت في يوم واحد. مجدي أبوزيد