الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 يبدو ان تطلعات الزنوج الاميركيين لم تعد قانعة بالحد الذي وصلت اليه من حقوق مدنية ومشاركة فعلية في مختلف المؤسسات الرسمية والحياة الاجتماعية الاميركية على أساس انهم مواطنون معترف بهم، ويبدو انهم ايضا لم ينسوا جذورهم وكيفية انتزاعهم من بيئتهم وأوطانهم ليزرعوا في بيئة مختلفة تماماً في اطار مفهوم العبر والسير، أو الأسود والابيض، ذلك المفهوم الذي رسخه البيض في حقبة سابقة ويحاولون التملص منه منذ فترة عن طريق خلق موازنة فعلية لتذويب الفوارق في المفهوم، غير ان الزنوج بعد ان وُضِعوا على المحك يتطلعون الى كرسي الرئاسة ودخول البيت الابيض من أوسع أبوابه، وهذه هي الفكرة الأساسية التي يتناولها فيلم «الأخ السري» بطولة ايدي جريفث وانجانو إليس وديف تشابل، وتدور احداث الفيلم حول محاولات «جمعية الاخوة» أعضاؤها من الزنوج السود باستثناء عضو واحد فقط من البيض لأن تضم عضواً جديداً اليها وهو انطون جالسون الذي يلعب دور الأخ السري حيث يسندون اليه مهمة انقاذ الجنرال الزنجي المشارك سابقاً في حرب فيتنام والمرشح للرئاسة ومعرفة الاسباب التي جعلته مغيباً عن وعيه حيث طرح برنامجه الانتخابي استناداً الى وجبات الدجاج المحمر التي يجيدها وان الناس جميعاً سوف يستطعمون هذه الوجبات اللذيذة. وعلى الطريقة المخابراتية والجاسوسية الاميركية تدور حرب المعلومات بين جماعة الاخوة الزنوج وجماعة البيض المتمثلة في «ريشة» المساعد الأول «للرجل»، و«الرجل» هو اسم حركي رمزي يحمل اسقاطاً لمفهوم السيد الابيض الذي يعمل جاهداً لاحباط أية محاولة لتولية السلطة الرئاسية لزنجي وان يظل البيت الابيض أبيض على طول الخط! هذه هي قصة الفيلم التي تقدم وجهة نظر مقبولة في الشكل والمنطق، غير ان تناولها بصورة كوميدية وساخرة وفانتازية في بعض المواقف قد أفقدها جدية الطرح، وعلى ما يبدو ان الافكار الجريئة حتى في أميركا لم تزل تناور عن بعد مخلفة وراءها مجموعة من التساؤلات المشروعة، وأول هذه التساؤلات في سياق ما نتحدث عنه هو ضعف الجهة المعارضة المتمثلة في شخص واحد حتى لو كان الاسقاط على مؤسسة، ثم ان مساحة تواجد هذه المعارض على شاشة العرض لم يكن بالقدر الكافي مقارنة بحشد الامكانيات واستعراض التقنيات الحديثة عند جماعة الاخوة، الأمر الذي جعلنا أمام طرف آخر غامض ومهيمن لم نتعرف على خططه إلا من خلال ردات الفعل، أما التساؤل الثاني فهو عن لعبة السياسة ومدى تقبلها بسهولة لعمليات الانشقاق التي يمكن ان يقوم بها الاعضاء، ووجهة نظر الفيلم تستسهل ذلك حين يتم استقطاب عميلة بيضاء من المعسكر وتجنيدها عضواً في جماعة الاخوة، على ان وجهة النظر الزنجية في الفيلم تدين نفسها بنفسها حين ترسخ الشعور بالدونية أمام فتنة الجمال الأبيض والانبهار بها ومن ثم القسوة غير المبررة تجاه كل ما هو أبيض، وهذا بحد ذاته توجه عنصري لا يخدم سياق الفيلم. نتوقف عند فنيات الفيلم وهي بالطبع ليست ببعيدة عن عملية الابهار التي تعتمدها السينما الاميركية بشكل عام، حيث نجد أكثر من كاميرا تصور من زوايا مختلفة في المشهد الواحد، والجديد في هذا الفيلم من جانب التصوير هو انقسام شاشة العرض الى قسمين «صورتين» وكل صورة محملة بنتائج مختلفة لفعل حديث في اللقطة الأولى «الكاملة» وهو نوع من الاستعراض الاخراجي لا أكثر، أما المؤثرات الصوتية فهي بحق تستحق البطولة مع الفعل وردة الفعل وتعابير الوجوه، علماً بأن الحدث أو الموقف الكوميدي يحتاج الى قراءة عميقة لما بعد التعبير الشكلي فما بالنا بالمؤثرات الصوتية التي تكمل هذه القراءة. بقي ان نقول ان فيلم «الأخ السري» اتكأ على فكرة جيدة وجادة اعتمدت على الايمان بالهم الانساني وتبنيه، ثم على الاخلاق ومساعدة الآخرين في مقابل السعي وراء الحقوق المشروعة والتطلع الى ما هو أفضل، والفيلم عموماً مناسب لأن يشاهده الكبار والصغار. عز الدين الاسواني الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |