لاشك ان انسان العصر مطالب بأن يضاعف قدراته الاستيعابية لكي يواجه المتغيرات التي تطرأ على شتى مناحي الحياة الآن، فالثابت لم يعد مقبولا ولا يعترف به، اما التماهي مع ما يدور فهو يضمن على الاقل ان يكون المرء داخل حلبة الصراع وليس شرطا ان يكون مقتنعا او راضيا بذلك. ان جزئية بسيطة من هذه المتغيرات يمكن ان تحاصر الانسان وتنغص عليه حياته كطرق الاعلانات المتبعة الآن مثلا واذا استثنينا الاعلان المصور وفجاجته واغلقنا التلفاز فان لافتات الاعلان الكبيرة على الطرق السريعة تكاد تخترق عينيك واذا اغلقت بابك وانكفأت على ذاتك فلربما يدق جرس الباب عدة مرات لتكتشف في كل مرة سلعة جديدة يروج لها البائعون المتجولون، كل ذلك من ناحية وتبقى اسماء المحلات لغزا محيرا ومادة للتفكه والتندر، وكأن الاسم وحده كفيل بان يجذب الزبائن مقارنة بنوعية السلعة المعروضة او بمستوى الخدمات المقدمة في هذا المكان او ذاك، ومثال على ذلك اسماء الممثلات العالميات التي تطلق على بيوت الازياء النسائية او أسماء مشاهير الكرة على المحلات الرياضية ومع ان المثالين السابقين يأتيان في سياق المعروض الا ان الامر يختلف تماما مع معظم المحلات ذات الطابع الخدماتي وعلى كل تبقى لاصحاب المحلات رؤيتهم وقراءتهم الخاصة في الاسواق، ويبقى للزبون وجهة نظره في ذلك، فهل انت ممن ينساقون وراء الاسماء اللامعة او الملفتة للنظر ام انك تبحث عن السلعة الجيدة والخدمة الممتازة؟ وما هي اغرب لافتة مضحكة قرأتها واستوقفتك كثيرا؟ وهل اسماء المشاهير على المحلات تأتي بنتائج ايجابية وتستهويك ام انك لا تلتفت الى ذلك «دنيا الناس» طرحت الاسئلة على الجمهور وكان مايلي: في رأي محمد عليوة «موظف» ان اسماء المحلات هي نوع من انواع الاعلام والدعاية يمكن ان تجذب الزبائن خصوصا اولئك الذين يجربون لاول مرة، ولذلك هم يتطلعون الى لافتة المحل ويأملون ان يجدوا فيها ما يناسب اذواقهم او على الاقل ما يتماشى مع مصداقية اللافتة غير ان الاسم وحده لايمكن ان يكون عامل جذب اذا ما كانت الخدمة عادية او ان السلعة المعروضة ليست على ما يرام، وهنا تفقد معظم المحلات مصداقيتها وتصبح لافتاتها باهتة وغير مؤثرة الا على الذين يركضون وراء التفاخر والتباهي بأنه اشترى قميصا من المحل الفلاني بمبلغ خيالي وحين تتفحص القميص تجد انه لا يساوي ربع هذا المبلغ وان ماركته مقلدة وهذه الامور نراها بشكل واضح فيما يتعلق بالمراكز التجارية او الاماكن الشهيرة، اما فيما يتعلق بالمحلات الصغيرة فحدث ولا حرج، حيث انك تفاجأ بأسماء تثير في نفسك نوبة من الضحك المتواصل خصوصا اذا اختلط اسم المحل باسقاطات لغوية دارجة بين الناس ومتفق عليها والامثلة على ذلك كثيرة غير ان ذكرها يبدو مستحيلا مع انها موجودة ويقرأها الناس بشكل اعتيادي، وبعيدا عن هذه الاشكالية سنجد اسماء اخرى لا تتفق مع نوعية الخدمة المقدمة فمثلا اذا دخلت الى صالون حلاقة وكانت لافتة «الحلاق السريع» فأنت تعرف مسبقا ان اسم الصالون لا يعني انك ستدخل وتخرج في غمضة عين والا فان مهنة الحلاق سيصيبها خلل كبير حيث اننا نعرف مدى ثرثرة الحلاقين واحاديثهم الجانبية وتفننهم في اضاعة الوقت بمبرر ودون مبرر، وعلى هذا القياس فان اسماء اخرى كثيرة تدخل في النطاق نفسه كأن تدخل الى مطعم «الهنا» لتأكل وليتك لم تفعل اذ ان عربة الاسعاف ستكون محطتك الاخيرة اذا لم يسعفك الوقت، وعموما يجب ان تفرق بين محلات تدقق حين تختار الاسماء بعناية وقصد حيث تستهدف عقلية الجمهور بشكل مباشر وبين محلات اخرى لا ترى في الاسم سوى سد خانة اي انها لا تخفي نوايا سيئة، فمثلا حين نقرأ لافتة صغيرة لخباز المشاهير ستضحك كثيرا خصوصا عندما نرى قطعة الخشب القديمة التي توضع عليها الارغفة الآسيوية وحالة المخبز التي يرثى لها. الجودة اولا ومن وجهة نظره يقول احمد الخياط «مشرف»: ان الاعلان بصفة عامة اصبح يستهدف الانسان بطريقة ملفتة للنظر، سواء كان هذا في الشارع أو البيت أو حتى في العمل، ولا يخلو الامر احيانا من ان يتصل بك احدهم هاتفيا لكي يخبرك عن سلعة معينة يقوم بالترويج لها ولذلك ليس غريبا ولا مستهجنا ان نرى اسماء المحلات وقد اختيرت بطريقة مقصودة حتى تشد انتباه الناس وتدفعهم لان يجربوا ما هو جديد وليس خافيا على احد طرق التسويق الجديدة وحث الزبون على شراء كميات كبيرة مقابل سلعة مجانية مثلا او السحب على الكوبونات ذات القيمة المرتفعة لذا فان اسماء المحلات واختيارها تأتي ضمن السياق العام الذي يحكم عملية التواصل بين السلعة وزبونها والحق اننا نسمع ونشاهد الكثير من هذه المفارقات عندما يتعلق الامر بخروج الاسرة الى التسوق فنجد من يريد الذهاب الى هذا المكان وآخر يرغب في مركز تسوق آخر، وليس هذا لغرض معين يمكن ان يبحث في امره ولكن انسياقا وراء سمعة الاسماء وتداولها بين الاصدقاء والجيران ومن المفترض ان يكون الانسان واعيا بهذه المسائل وان يأخذ من حيث المبدأ نوعية الخدمة الممتازة او السلعة الجيدة بغض النظر عن اسم المحل او شهرته. ويضيف احمد: الاسماء بحد ذاتها تدعو الانسان احيانا لان يتوقف امامها مليا وحين يتمعن في معانيها واسقاطاتها يجد الكثير من المفارقات العجيبة والمضحكة واعتقد اننا لو دققنا في غالبية الاسماء هذه سنجد انها تنطوي على عشوائية في الاختيار دون التفكير في السلعة التي ينوي المحل تقديمها او عرضها فمثلا صفة الامانة يمكن ان تدخل في سياق اية لافتة سواء كانت بقالة او محل لبيع الغاز او حتى استديو للتصوير، لكنها تظل غير لائقة او مناسبة اذ وضعت كصفة لمطعم ومع ذلك نجد هذه الصفة ملازمة لمعظم المحلات اما اسماء المشاهير التي تستغل للترويج لملابس معينة فهذا امر وارد كون ان المشاهير انفسهم يشاركون في صنع الدعاية للمنتوجات وليس المهم ان اسم محل مطابق لممثل مشهور او لاعب كرة او غير ذلك بل المهم ما يقدمه المحل من خدمات وبضائع وبالنسبة لي فأنا لا اهتم بذلك بل احيانا ادخل واشترى وانا لا اعرف اسم المحل فقط انما انظر الى جودة السلعة او الاسعار المناسبة. تناقض واضح ومن ناحيته يرى رضا حسنين «مراقب» ان اسماء المحلات في احيان كثيرة تدعو للسخرية والضحك وتصبح حديثا لا ينتهي بين الاصدقاء وتهكماتهم لان من بينها الكثير لا يحمل دلالة واحدة على ما يقدمه المحل من خدمة، واعتقد ان الخوف من تكرار الاسماء هو الذي يجعل الاسماء متناقضة مع المسميات، لكن اذا تجاوزنا عن ذلك وغضضنا الطرف فان اسماء اخرى لا ندري كيف تمر على موظفي البلديات دون ان ينتبهوا الى تداخل المعنى مع اسقاطات شعبية يندى لها الجبين، خصوصا اذا سقط حرف او نقطة من لوحة الاعلان فان المعنى سيختل حتما اما بالنسبة لاسماء المشاهير التي تدخل في الترويج لسلعة معينة او حين تتخذها المحلات عنوانا لها فهذا هو قمة الاستهتار بعقول الناس وتضليلهم والمثال على ذلك هذا الكم الهائل من الاعلانات عن مشروبات معينة يقوم المشاهير من لاعبي الكرة بالاعلان عنها وبطريقة لا تخلو من الاستخفاف بعقلية المشاهد، والشيء نفسه ينطبق على استغلال هذه الاسماء بوضعها على المحلات. ويضيف رضا ضاحكا: هناك ايضا الصفات الحميدة التي يتستر وراءها الغالبية مثل الاخلاص والمحبة والامانة والايمان وغير ذلك من الصفات التي توضع كأسماء للمحلات والحق اننا لا نعترض على هذا ولكن من ابسط القواعد ان تكون الصفة مناسبة بعض الشيء للغرض الذي يقدمه المحل، او الخدمة التي تم افتتاحه من اجلها فمثلا ماذا تقول اذا رأيت او قرأت اسم صالون «الرغبة»، نحن نعلم ان حلاقة الشعر هي اول وآخر المهام التي يفتتح من اجلها صالون الحلاقة، فما هو وجه التقارب بين الاسم والخدمة في هذه الحالة، بغض النظر عن عدم لياقة الكلمة لانها تحمل في طياتها اسقاطات حساسة للغاية والسؤال هو عن كيفية مرور مثل هذه الاسماء على رقابة البلديات دون الاخذ بمفهوم الذوق العام، اما ماعدا ذلك من اسماء لا تمت بصلة لنوعية الخدمة المقدمة فحدث ولا حرج اما اسماء المحلات التي اثارت في نفسي السخرية فهي كثيرة غير ان الذاكرة لن تسعفني الا بالقليل عنها فهناك محل لتصوير المستندات اسمه الطاووس اثار في نفسي الضحك ليس لانه بعيد عن معنى الخدمة المقدمة بقدر ما تمثله حالة المحل من فوضى وعدم اتزان. حق مشروع ومن وجهة نظر فتحي السيد «صاحب محل» ان اختيار الاسم هو دلالة على الذوق اولا واعتقد اننا كبشر يحلو لنا ان نسمي الابناء باسماء نحبها ويحبها الناس ايضا وهذا ينطبق على اسماء المحلات على الرغم من اننا نضع عدة اسماء يقع الاختيار على واحد منها من قبل البلدية، وعلينا ان نعلم بان الناس ينساقون الى الاسماء الغربية والجديدة شرط ان تكون الخدمة او السلعة المعروضة راقية وتتماشى مع اهمية الاسم وشهرته والا فان الذي سيأتي مرة ولا يجد ما يعجبه فهو لن يأتي مرة اخرى، وانا اتحدث هنا عن المحلات الكبيرة والراقية، اما ما تقوله عن اسماء المحلات الصغيرة فعليك ان تسأل عن تاريخ رخصتها وسنجد انها قديمة اي انها تعود الى فترة كانت الاسماء تطلق على أي محل دون النظر الى الغرض او المهام التي يشتغل عليها والدليل على ذلك مواقع وديكور هذه المحلات الذي لا يتناسب على الاطلاق مع الاسم، ومن هنا تأتي السخرية والضحك وهذا امر بديهي ولا جدال فيه، اما بخصوص اسماء بعض المشاهير التي يستغلها البعض فهذا مشروع جدا، وليس عيبا ان نعرف مدى حب الناس لنجم معين او لاعب كرة مشهور وتستغل هذه الفرصة فانت بحاجة لان نشد انتباه الجمهور اليك ثم الى البضاعة التي نتاجر فيها مع الاخذ بعين الاعتبار ان الاسم وحده لن يعطيك اهمية ولا مكانة الا اذا كنت مقتنعا بان سلعتك او خدماتك راقية وستضمن لك الاستحواذ على عدد كبير من الزبائن. فخامة او رداءة ومن جهته يعلق عماد يوسف «سكرتير» قائلا: لا أدري ما اهمية ان تتحدث في امر كهذا اذ ان الانسان باستطاعته ان يفرق بين الجيد والرديء سواء من النظرة الاولى او بالتجربة وهذا ما يحدث معنا جميعا، فلكل واحد منا اماكنه التي يرتادها ويشتري منها بحكم انه جربها وعرف مصداقيتها من عدمها بغض النظر عن اسمائها وما اذا كانت لامعة ومشهورة او كانت مغمورة وعادية كذلك الحال بالنسبة لمحلات الجزارة او البقالة او غيرها وانت من المؤكد انك لن تنظر الى الاسم الا بعد ان تقع عيناك على فخامة المحل او رداءته وفي الحالتين فان طريقة العرض والموقع والخدمة هي التي تعرض نفسها عليك اما ان ندقق في الاسماء فهذا امر غير مجد حتى وان وجدت الاسماء المثيرة للضحك والسخرية فهي محكومة بالخدمة والموقع، اما المحلات التي تتداخل في اسمائها المعاني واسقاطاتها فهذه مسئولية الجميع وانا اعرف عن احدى الشركات انها وضعت اسمها مكتوبا بالطريقة التقليدية ولا يوجد شيء مثير للجدل غير ان نقطة واحدة اعطت للاسم دلالة مغايرة تماما للمعنى المقصود وحين تم الانتباه الى ذلك قاموا بتغيير طريقة الكتابة بشكل متقطع حتى لا يقع الالتباس في المعنى وهذا ما يجب ان ننتبه اليه اولا اما اسماء المشاهير او استخدام الصفات الحميدة في غير محلها متروك للجمهور لكي يحكموا من خلال تجاربهم مع هذه المحلات ولا يجب ان نصادر او نحجر على اختيارات البعض مسبقا. المهم هو ان نحافظ على انفسنا وألا ننساق وراء الذين يضللون الزبائن بمثل هذه الاسماء سعيا وراء السمعة الجيدة، وهذه مسئولية الافراد انفسهم واختبار لمدى وعيهم وثقافتهم وطبيعتهم الاجتماعية ايضا. ويقول مصطفى محمد «محاسب» علينا ان نلتمس العذر لكل صاحب محل فهو بالتأكيد يبحث عن دعاية حتى ولو كانت عن طريق اختيار اسم جميل وجذاب لكي يلفت انتباه الجمهور اليه، وهذا حق مشروع تماما ولا غبار عليه ولكن يبقى عليه ان يكون صادقا مع نفسه اولا وان يقدم ما يليق بمحله من خدمة حتى لا يقع في هوة بين اختياراته الاولى وبين ما يقدمه فعليا للناس اما ان تكون اختيارات الاسم عشوائية لا تؤدي المعنى المناسب للنشاط فهذا هو الذي يجعل الناس تسخر وتضحك منه خصوصا اذا تعلق الامر كما تقول باسماء النجوم او حتى اسماء الاشياء الثمينة والغالية وفي هذا الصدد يحلو للغالبية ان يطلقوا هذه الاسماء على محلاتهم رغم ان نشاطها لا يتواءم على الاطلاق معها ومثال ذلك اسم الماسة فهو لجماليته يطلقه البعض على المخابز والبقالة وصالونات الحلاقة مع ان دلالة المعنى لا تتفق ابدا مع النشاط كذلك الحال بالنسبة لاسماء المشاهير فماذا يعني ان يطلق اسم مادونا على مطعم مثلا، مقابل ان يطلق نفس الاسم على محل ملابس نسائية، ان الفرق واضح بالطبع بين سياق المعنى هنا وهناك، وعلى هذا القياس توجد محلات كثيرة لا تنم انشطتها عن الاسماء التي تحملها وعموما الاسماء ليست مهمة الى هذه الدرجة ان لم تكن الخدمات المقدمة او السلع المعروضة او الانشطة الممارسة على قدر عال من الجودة ويبقى في النهاية حكم الجمهور على كل ذلك. تحقيق : عز الدين الاسواني