الاصغاء مهارة يجب على الشخص اكتسابها ذلك انه نصف الحديث فإذا لم يصغ الشخص الى احد انقطعت عرى الحديث وأصبح غير ذي معنى ويبدو ان الكثير من المتحدثين لا يشكون في قدرتهم على الاصغاء ومع ذلك فالاصغاء ليس من السهولة بقدر ما يتوهمه الكثيرون، ذلك ان على السامع ان يفك رموز الكلمات ومعانيها فضلا عن معرفة القصد الحقيقي من وراء كلام المتحدث والحقيقة ان اغلب الناس لا يحبون الاصغاء فالقاعدة العامة ان يتكلم الشخص اكثر مما يعير اذنه مصغيا للمتحدث لان المهم لدى المتكلم ان يتحدث اكثر من سواه والقليل من تبدو عليه امارات الاصغاء فيعكف على استماع احاديث الآخرين بكل انتباه ويحفظ كل ما يقولونه حرفا حرفا وهو على استعداد ان يعيد جميع الكلام الذي سمعه وذلك لحسن اصغائه، وللوقوف على موضوع الاصغاء من زاوية قريبة كان لـ «دنيا الناس» هذا التحقيق. شريف شوقي ـ اخصائي اجتماعي ـ يقول: ان فن الاصغاء بالنسبة لي مهم جدا وفي رأيي هو يرتبط ارتباطا وثيق الصلة بفن الحديث فكلا الرافدين ينبع من منبع واحد ويصب في مصب واحد لان الشخص الذي يتمتع بقدرة جيدة على الحديث تجده في الاساس يتمتع بقدرة جيدة على الاصغاء اي ان من يصغي جيدا فإنه في المقابل يتحدث جيدا ولأن كل شيء في الحياة يتطلب مهارة وصقلا حتى يتحقق منها الفائدة المرجوة فالاصغاء يحتاج الى صقل كما انه علم يجب تعلمه وليس كما يظن ان الشخص الذي لا يستطيع او لا يود المحادثة مع الآخرين فإنه يلجأ الى الاصغاء فقط فهذا خطأ فادح لان الاصغاء هو مشاركة للمتحدث بحيث يعيره انتباهه مستخدما جميع حواسه حتى يتسنى له التركيز والاستفادة مما يقال وأنا بصفتي عاملا في الحقل التربوي وفي وسط الميدان ألمس هذه المسألة بشكل واضح ودقيق من خلال متابعتي للطلاب فالبعض لا يشارك زملاءه في الاجابة على اسئلة المدرس وكذلك لا يقوم بحل الواجبات المدرسية ومع ذلك عندما يختبر تأتي درجاته عالية واجاباته دقيقة وهذا يدل على حسن اصغائه. فبالرغم من تقصيره في اداء الواجبات ومشاركة المدرس الا انه بفضل حسن اصغائه وصل بنفسه الى حيث يريد وهذه احدى ايجابيات الاصغاء، وقد اثبتت البحوث والدراسات التي اجريت لقياس الفروق الفردية بين الطلاب المتفوقين دراسيا الذين يتمتعون بقدرة عالية على التحصيل الدراسي عن غيرهم من الطلاب ثبت ان اهم هذه الفروق ان هؤلاء الطلاب لهم ملكة الاصغاء الجيد عن غيرهم من الطلاب وذلك حينما يقوم المعلم بالتحدث اليهم حول موضوع ما او شرح مسألة معينة. كما ان الاصغاء الجيد يمكن الشخص من تدبر المعاني وفهم اية قضية كما انه يساعده على ترتيب افكاره ترتيبا جيدا وإذا اردنا ان مذلل على اهمية الانصات فلا نجد افضل من قول الله تعالى في كتابه العزيز (وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) لذا يجب ان نعلم ابناءنا فن الاصغاء من الصغار ونكسبهم هذه المهارة ولا يتأتى ذلك الا من خلال تعويدهم على سماع القرآن الكريم والاصغاء اليه دون الانشغال بشيء آخر وكذلك حثهم على السكوت والاصغاء لمن يتكلم دون مقاطعته وأن يستمعوا له جيدا. أهمية الاصغاء نزار جودة ـ مدير شركة للنشر والطباعة ـ يقول: لو رجعنا الى العصور القديمة سنجد ان الانسان ابتكر الكثير من الوسائل التي من شأنها ايصال المعلومة لأخيه ومنها طبول الحرب التي تقرع ليستمع الآخرون ويصغون اليها وبالتالي يأخذون الحيطة والحذر وعدم الاصغاء اليها جيدا يؤدي الى امور لا تحمد عقباها ومن يصغى اليها جيدا يقوم بعملية النفير وفي القرآن الكريم كان الله سبحانه وتعالى يقدم في كل آياته السمع على غيرها من الحواس لان الانسان يبدأ بالتعلم بقدر ما يسمع وكانت صرخة الطفل عند الولادة هي الاكثر تعبيرا عن انفصاله عن العالم الجيني وولوجه العالم الحقيقي واصغاء الأم الى صرخته تعبير مهم لذلك ومن المعلوم ان المصابين بعاهة فقدان السمع اي الصمم هم اقل الناس قدرة على التعبير عما في انفسهم والسبب انهم لا يمتلكون ملكة الاصغاء التي تؤهل صاحبها لكي يجيد التعبير وذلك انه يفقد فهم الآخرين واستيعاب حكاياتهم ونوادرهم وبالتالي استعارة أساليبهم في الحديث فالأصم يحرم من جميع هذا وبالتالي يكون عاجزا عن الحديث لانه لم يصغ يوما ما الى احد. وقد اصبح الاصغاء في عصرنا الحديث مهارة لابد من اكتسابها سواء من خلال الحياة الاجتماعية او عن طريق برامج تدريبية تهدف الى الارتقاء بهذه المهارة ويعود ذلك الى ان التواصل بين الافراد يهدف الى ايصال رسالة وهذه العملية لها ثلاثة عناصر المرسل والرسالة التي يريد المرسل ايصالها الى العنصر الثالث وهو المتلقي فبقدر ما يكون مستمعا جيدا يمكنه ان يتفهم رسالة المرسل. ومن هنا كان لمهارة الاصغاء الدور الاكبر في الفهم المتبادل بين الافراد والمجموعات ولقد كان على الدوام لثراء مفردات اللغة العربية ما بين المرسل والمتلقي دور كبير في اعطاء الصورة الكاملة لما يريد المرسل ان يبعثه للمتلقي ولقد ادركت الكثير من المؤسسات العامة والخاصة اهمية هذه المهارة التي لابد من اكسابها للعاملين لديها فعقدت البرامج التدريبية الخاصة لهم ومهارة الاصغاء لها عناصرها وهي الاستماع الجيد دون المقاطعة والاستفسار فيما بعد عما يمكن ان يكون قد استعصى فهمه. وعلى المتلقي ان يجعل عينه في عيني المتحدث آخذا في الاعتبار وضع الجلوس او الوقوف بانتباه كامل حتى يعطي للمتحدث اهتمامه الكامل من الاستماع الذي سيثرى حوارهما فيما بعد ويجلب المنفعة لكليهما. للإمتناعه أسباب الدكتور علي الحرجان ـ اخصائي نفسي يقول: ان الاصغاء هو قدرة الانسان على الاستماع جيدا والانتباه لما يدور حوله من مؤثرات سمعية وبصرية اضافة الى المنبهات الخارجية وبعد ذلك يتم تحليل جميع الافكار بعد استلامها والرد عليها بالشكل المناسب والانسان وحده يملك صفة الاصغاء بما وهبه الله من آذان صحيحة تؤهله ان يصغي للأصوات وهناك حالات كثيرة لبعض الناس لا يقدرون على الاصغاء بسبب اضطرابات او امراض نفسية تحد من قدرتهم على التركيز والانتباه لما يدور حولهم او نتيجة لبعض المشاكل التي تؤدي بالانسان الى تشتت تفكيره وهناك اسباب اخرى تتعلق بنمط الحياة وطريقة التعامل مع الآخرين والتي يتم اكتسابها منذ الصغر وهي قيام الكبار بتعليم الصغار دون وعي منهم وعدم الاصغاء الى الآخرين وقطع الحديث عليهم او الانشغال بأمور اخرى عند سماع اي حديث اضافة الى ذلك هناك اسباب تؤدي الى عدم الاصغاء كالأمراض التي تصيب الدماغ نتيجة لاضطرابات كيميائية او اضطرابات في الدورة الدموية كمشاكل فقر الدم الشديد فالمصاب به لا يصغي جيدا لانه يعاني من النحول والكسل والصداع اضافة الى الاسباب النفسية كالقلق والحزن والخوف والتوتر وهذه الاسباب جميعا تمنع الانسان من الاصغاء للآخرين لما لهذه الامراض من ردود سلبية على صاحبها اذ تجعله كثير الانطواء على نفسه متحيزا متشتتا فلا يصغي لاحد لانه منشغل بشيء آخر اما الاسباب الاجتماعية المؤدية الى عدم الاصغاء فهي مشاكل العمل والضغوطات الناتجة عنه اضافة الى المشاكل المادية التي تأخذ من صاحبها تركيزه وكذلك مشكلة البطالة اضافة الى المشاكل الاسرية. ويضيف الحرجان ان بعض الناس في حاجة شديدة الى من يصغي اليهم ومنهم المريض النفسي الذي يذهب الى الدكتور ويطلب منه فقط الاصغاء اليه ويكون ذلك دواء له مما يعانيه وكذلك من تتكالب عليه المشاكل والضغوطات نجده يلجأ الى احد الاصدقاء يشكو اليه مما به مكتفيا من صديقه بالاصغاء اليه فيتخفف من همومه وأنا أرى ان الشخص الذي يمتلك مهارة الاصغاء يمتلك الثقافة والصفة الانسانية والعمق في التفكير والايمان بالرأي الآخر وتلك قيم مهمة. أسس الاصغاء عمر خالد عبيد ـ موظف ـ يقول: ان الاصغاء من احدى المهارات التي يكتسبها الانسان بالممارسة اضافة الى انها فطرة فطر الله بعض البشر عليها فمنهم من يأخذ بحقها ويدعمها بأسس وقواعد تحقق له النجاح في عملية الاصغاء ومنها ان يكون جلوسه قريبا من المتحدث لكي يستطيع سماع كل كلمة وكل حرف وبالتالي تترسخ الكلمات في ذهنه ويحفظها كما تلقاها لان جلوسه بعيدا عن المتحدث لا يمكنه من السماع الكامل اضافة الى حركة عينيه التي يجب ان تكون في عين المتحدث لكي يكون حاضرا بجميع حواسه وهذه الميزة تجعل من صاحبها ملفتا للنظر بحيث ان المتحدث متى ما جال ببصره نحو المصغى اليه يدرك من يصغي اليه فيخصه بالنظر والحدث وقد تفوت المصغي بعض الكلمات ولتعلق نظره بنظر المتحدث تترجم له العين تلك الكلمات التي لم يسمعها. ومن اسس الاصغاء كذلك صفاء الذهن وعدم شرود الفكر عن المتحدث حتى يتم الانتهاء من حديثه كيلا يفوته شيء من الحديث وكيلا يكون الاصغاء عقيما وغير نافع لان المصغي لم يستفد من اصغائه شيئا ولم يعقل من الحديث الا قليله وهذا ما يطلق عليه البعض نصف مستمع وكذلك من الاسس ان يكون المصغي خاليا من الهموم والمشاكل وذا نفسية مرتاحة لان راحة النفس تؤهله ان يكون حاضر الذهن والفكر ومستعدا لتلقي جميع الكلمات وادراكها وما يزيد من اصغاء الشخص لاي حديث ان يختص هذا الحديث بطبيعة عمله او هوايته فتراه شانف الآذان حاضر البديهة مفرغا لكل ما بداخله لسماع ذلك الحديث لاهميته لديه حتى انه يتلذذ بالاصغاء كما انه لا يقاطع المتحدث مهما كانت الظروف ويتمنى الا ينتهي الحديث. تأثيره على النفس سامي عيسى ـ موظف ـ يقول: لو تكلمت عن تجربتي مع الاصغاء لقلت ان الاصغاء جميل ولا يشعر بذلك الا من جرب فأنا احب دائما ان اصغي للآخرين ولا احب التحدث وليس ذلك لعيب وانما للاصغاء وقع على النفس وكلما كان المتحدث يتقن الحركات مع الكلام كان المصغي في غاية النشوة والطرب فانظر عندما تصغي لاحد الاشخاص وهو يلقي قصيدة وكأنه يتكلم مع صاحبه فإنك لا تعيره الاذن ولا تصغي اليه وفي المقابل يأتي احد الاشخاص ويلقي قصيدة مشبعة بالحركات والوقفات فتصغي اليه باهتمام ولا يشغلك عنه شاغل وبالنسبة لي كما اسلفت افضل الاصغاء لاني ارى جمال الاصغاء يطغى على جمال التحدث فعندما اقرأ كتابا يشتمل على تراث العرب وفراستهم وامثالهم ثم اذا جمعتنا المجالس وقمت بالحديث عنه اشعر بالحديث عقيما سقيما ولا جمال منه ولكن عندما يقوم البعض بسرد حكاياتهم ونوادرهم اطرب وأنتشي وأرجو من الله ان يجعل المتحدث يطيل لان الاذن لا تمل حديثه وتصغي اليه بكل انتباه وتتلقف كل كلمة تخرج من فيه. تحقيق: فهد المعمري