إنه حقا شيء محير ففي حين يتم استغلال تراثنا الغنائي يوميا وبشكل مستفز في اعلانات التلفزيون، فإن الدنيا كلها قامت بمجرد غناء محمد سعد لمقطع من أغنية «حب إيه». هاجمته نقابة المهن الموسيقية وشن عليه النقاد حملة شرسة لأنهم اعتبروا في غنائه لهذا المقطع على اللحن الشهير لشعبان عبدالرحيم استهزاء وسخرية من تراثنا الغنائي. وفي الوقت نفسه اتخذت الرقابة على المصنفات موقفا صارما لم تتنازل عنه إلا بعد أن وصلتها تنازلات من ورثة بليغ حمدي وعبدالوهاب محمد، ملحن ومؤلف الأغنية، الأمر الذي جعل من غناء محمد سعد لـ «حب ايه» يأخذ ـ شكليا ـ صيغة قانونية. والسؤال الآن هو: أين كان كل هؤلاء، وأين هم الآن، والتلفزيون لا يكف عن بث أغنيات لكبار مطربينا القدامى، والجدد، وكذا أغنيات يتم تركيب كلماتها على ألحان شهيرة، لمجرد الاعلان عن سلعة. المعلنون لم يتركوا أغنية إلا واستغلوها أسوأ استغلال، وتساوى في ذلك القديم والجديد، فبمجرد سماع الجمهور المصري لأغنية «المصري» التي قدمتها لطيفة في فيلم يوسف شاهين «سكوت هنصور» تلقفتها احدى شركات الاعلان، وقامت بتركيب كلمات جديدة بدلا من الكلمات التي كتبها المبدع جمال بخيت على نفس اللحن الرائع الذي صاغه عمر خيرت، وبنفس الطريقة التي وقف بها الفنان أحمد الصعيدي يقود الأوركسترا وجدنا أحد الأشخاص يقف ليعطي اشارة البدء بعد أن يصيح «سكوت هنحمر» وهكذا وبقدرة قادر رأينا الأغنية التي تغنى للمصري، تشيد وتروج لأحد أنواع زيوت الطعام! بدأنا بهذه الأغنية للسرعة الفائقة التي استغلتها بها شركة الاعلانات، أما سجل اعلانات التلفزيون مع تراثنا الغنائي فيطول سرده، ويكفي أن نتوقف فقط عند أغنية «يا مسافر وحدك» لمحمد عبدالوهاب التي أصبحت اعلانا لمياه معدنية، و«ليلي نهاري» لأم كلثوم التي ظهرت لتعلن عن سمن صناعي، وأغنية فايزة أحمد الرائعة «يا خد حبيبي يا بلاش» التي تم استغلال لحنها وبعض كلماتها لتروج هي الأخرى لأحد أنواع زيوت الطعام. ومن دون الحاجة الى عرض عشرات بل مئات النماذج نستطيع أن نقطع بأن تراثنا الغنائي لم يسلم من استغلال شركات الاعلانات، وأن هذا الاستغلال امتد ليشمل أي أغنية جديدة تلقى قبولا لدى الجماهير. فماذا حدث إذن؟ ولماذا قوبلت كل هذه الاعلانات بالصمت الرهيب بما فيها من سطو فعلي على تراثنا الغنائي، فيما قامت الدنيا كلها من أجل مقطع من أغنية «حب إيه»؟ لا ندافع بالطبع عن هذا أو ذاك، بل نطالب بوقفة مماثلة فربما نستطيع إنقاذ ما يمكن انقاذه، لذلك سألنا بعض من طالتهم أيدي شركات الاعلانات وبعض من رأينا بامكانهم وضع الحلول لمهزلة نرى انتهاءها في غاية الصعوبة. لم يكد الموسيقار عمر خيرت يفرح بالصدى الطيب الذي قوبلت به أغنية المصري، وتجاوب المصريين معها بشكل مذهل، حتى فوجئ باللحن الذي وضعه يستخدم بشكل في منتهى السوء للاعلان عن زيت. عمر خيرت وصف ما حدث بأنه مرفوض رفضا باتا، وقال: عيب ان نهين فننا، وما حدث يعتبر مهانة للفن والفنانين لا يمكن تبريره بحسن النية وإنما يدل على سوء النية، خاصة وأن الهدف الوحيد هو المكسب المادي باستغلال تعبنا في الترويج لسلع استهلاكية، حتى ولو جاء بإهانة فن جميل وبوقوع ضرر أدبي على أصحاب هذا الفن، بل وعلى أحاسيس المستمعين أنفسهم. والأمر لا يتعلق بي وحدي ـ يضيف خيرت ـ فما من يوم يمر إلا وأرى فيه اهانات توجه لرموزنا الفنية عن طريق استغلال أعمال عظيمة لهم في الترويج لسلعة ما، أو للاعلان عن منتجات معينة، إن هؤلاء رموزنا، ولابد من احترامهم والحفاظ على ما تركوه لنا، لا اهانته وتشويهه، حتى لو كان العائد من وراء ذلك كنوز الدنيا كلها. وبعيدا عن أية مؤثرات شخصية، وبعيدا عن أغنياته التي طالها التشويه، يقول الشاعر سيد حجاب: من المؤكد أن العديد من ابداعات الراحلين الكبار قد استقرت في الوجدان كجزء من ذاكرة أمتنا وتراثها وأخذت وضعا مهما لا يصل الى القداسة بالطبع، وإنما الى قدر عال من الاحترام بما يجعل الاقتراب منها بالمحاكاة أو النقد أمر في غاية الصعوبة، ويتطلب قدرا عاليا من الوعي والكياسة، أما أن تلجأ بعض الاعلانات السوقية المبتذلة لاستخدام بعض الألحان الجميلة للترويج التجاري، فهذا هو الاعتداء السافر على تراثنا الغنائي وعلى ذوقنا ووجداننا، وعلينا جميعا أن نقف ضده، ونبحث عن الطرق التي يمكننا من خلالها ايقاف هذه المهازل، التي تسيء بكل تأكيد لرموز الفن المصري وتسيء الى ذكراهم. شيء مستفز «إنه شيء في منتهى الاستفزاز» بهذه العبارة تبدأ الناقدة ماجدة خير الله كلامها وتضيف: إن هذه الاعلانات تعتبر السلعة أهم من أي شيء آخر، فالصابون والسمن والزيت والشاي أهم من المغني أو الموزع، وكل من قاموا بتقديم أي عمل فني، وهذا بالطبع يؤثر على نفسية المشاهدين لأن هذه الاعلانات تشوه تراث مصر الفكري والغنائي. ومن هذا المنطلق ترى ماجدة ضرورة وضع ضوابط صارمة لمنع تكرار هذه المهازل، بعد ايقاف ما حدث منها بالفعل، لأنها اضافة الى كونها اهانة لتراثنا، فهي تعتبر تعديا سافرا على ابداع جهد من قدموا الأعمال التي يقومون باستغلالها.إنه من غير الطبيعي وغير المنطقي ـ تضيف ماجدة ـ أن يحصل أي ممثل على ملايين نظير ظهوره في اعلان، في حين تقوم شركات الاعلانات بالسطو على ألحان وأغنيات أبدعها العظام، من دون أن يحاسبهم أحد، أن علينا أن نبحث عن حلول نستطيع من خلالها أن نمنع هذه الأشياء المستفزة وإلا ضاعت كل القيم، وضاع كل شيء جميل في حياتنا. الشاعر مجدي نجيب يؤكد أنه من أول عصر الانفتاح، لم ينج أي لحن أو أغنية قديمة من تحريفه لترويج السلع الاستهلاكية، حتى الأغاني الوطنية المحترمة، وفي هذه الفترة ظهرت هوجة، ثم اختفت مرة أخرى. مجدي نجيب يرى أن القاء الكرة في ملعب الرقابة أمر غير مجد، لأن هذا الموضوع يعتبر مسئولية جمعية المؤلفين والملحنين، ونقابة الموسيقيين، ويشرح ذلك بقوله: ان قانون الرقابة على المصنفات الفنية لم يمنع ذلك لأنه أعطى الحرية في التعبير عن الرأي، اضافة الى أن الرقابة لا تستطيع أن تمنع أي شيء إلا اذا كان يتعرض للأديان السماوية. وفي الوقت نفسه ـ يضيف نجيب ـ فإن قانون جمعية المؤلفين والملحنين يعطي التصريح مقابل دفع رسم ضئيل جدا لمن يريد أن يستغل أية أغنية، ومن حق من أخذ التصريح أن ينفذ الأغنية بالطريقة التي تعجبه. هذه المشكلة ـ في رأي نجيب ـ من الممكن حلها عن طريق النقابات المهنية مثل نقابة الموسيقيين، كما أن أملنا في صدور قانون حماية الملكية الفكرية المعروض الآن على مجلس الشعب ـ البرلمان ـ المصري. ويحكي مجدي نجيب أنه كان حزينا جدا، وأن قلبه كاد يتمزق عندما فوجئ بالأغنية التي كتبها منذ أكثر من عشرين سنة ولها ذكريات لا تنسى معها، وقد تبدلت كلماتها لتصبح اعلانا لسمن صناعي. الأغنية هي «ياخد حبيبي يا بلاش» التي لحنها محمد سلطان وغنتها فايزة، أما الاعلان المسخ، فقد تراقصت على نفس اللحن مجموعة من «الموديلز» وقاموا «بترقيع» كلمات الأغنية لتناسب العصر الذي نعيش فيه.. ولا تعليق!! وبعد كل ذلك، جاءت المفاجأة! فقد توقعنا أن يعلن د. مدكور ثابت رئيس الادارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية عدم مسئوليته عن اعلانات التلفزيون، وأن يؤكد أن الجهاز الذي يرأسه يختص فقط بالأعمال السينمائية والمسرحية وكذلك الأغاني خارج حدود جهاز التلفزيون الذي له رقابة داخلية خاصة توافق وتصرح أو تمنع ما سيتم عرضه على شاشة التلفزيون فقط. كما نتوقع ذلك، لكن د. مدكور ثابت أكد أن هناك ادارة تتبع الجهاز الذي يرأسه تختص بالاعلانات، وناشد التلفزيون بأن يسأل صاحب أي اعلان قبل أن يتم عرضه هل هذا الاعلان تم الترخيص له من جهاز الرقابة أم لا، فاذا قدم تصريح الرقابة يبدأون عملهم، واذا لم يقدم يتم اجباره على الحضور الينا أولا، وذلك حتى يصبح هناك ما يشبه جهة موحدة للترخيص. المفاجأة الأخرى التي فجرها د. مدكور هي أنه كلما يشاهد اعلانا من تلك التي نتحدث عنها يقوم على الفور بالاتصال بعلي عبدالفتاح مدير عام ادارة الاعلانات بالرقابة ليسأله: هل هذا الاعلان مر على الرقابة؟ وفي كل مرة كان الرجل يجيب عليه بالنفي، وكان الدكتور مدكور يطالبه باتخاذ الاجراءات اللازمة حيال ما يحدث من قبل التلفزيون أو جهات أخرى. مراقبة الاعلانات بهذا الشكل توجهنا الى علي عبدالفتاح مدير عام ادارة الاعلانات بالرقابة الذي أصر في البداية على توضيح أن الادارة التي يرأسها أنشئت عام 1995، وأن يقول: «الحقيقة أن الكثيرين يعتقدون أن دورنا يتوقف عند حدود مراقبة الاعلانات التي تعرض خارج جهاز التلفزيون فقط، لكن المسألة تختلف عن ذلك تماما، فالاعلان الذي يعرض بالتلفزيون يتم عرضه أيضا في جهات أخرى وأجهزة أخرى مثل الفيديو والاتوبيسات المكيفة وفي المترو وعلى شاشة السينما، قبل وأثناء عرض الأفلام، ويتم عرضها ايضا بالفضائيات وتسافر للخارج ومن ثم تصبح خاضعة لنا ولابد من حصولها أيضا على تصاريح منا، ولطالما خاطبنا التلفزيون في هذا الصدد، ولكن لا حياة لمن تنادي». وينهي علي عبدالفتاح كلامه بقوله: أن المصلحة العامة للدولة تقتضي أن أي اعلان لابد أن يكون مرخصا له من عندنا قبل أن يتم الترخيص له داخل التلفزيون، فالفيلم السينمائي عندما يتم تجهيزه للسينما يعرض علينا ويحصل على الموافقة، والتصريح منا، بينما حين يرغب منتجه في عرضه بالتلفزيون يعرض على رقابة التلفزيون ولها الحق في التصريح به أو رفضه، وكذلك الأمر بالنسبة للمسرحيات، ومن هنا فإن أي عمل غير مرخص يجب أن آتي به وأحاسب أصحابه، وبهذا الشكل نستطيع أن نمنع أية تجاوزات. هل المطلوب الآن حدوث نوع من التنسيق بين ادارة الاعلانات بالرقابة على المصنفات الفنية، ورقابة التلفزيون، حتى نتجنب تكرار المهازل؟ نعتقد ذلك، ونتمناه!