يبدو ان الروس كانوا محقين في استيائهم وغضبهم من الفيلم الاميركي K 19 لان صناع الفيلم حاولوا تشويه صورة الاتحاد السوفييتي «سابقا» وتوجيه المزيد من الاهانات والاتهامات للشخصية الروسية، في مركز القرار السياسي والعسكري من حيث اتصافها بالفساد الاخلاقي وتعاملها مع رجالها المخلصين على طريقة جزاء سنمار. تبدأ احداث الفيلم بوجود الغواصة K 19 فخر البحرية الروسية في مناورة لاطلاق صاروخ على سبيل التجريب، لكن الغواصة تتعرض لاعطال كثيرة في اشارة واضحة لضعف الصناعة الروسية وعدم قدرتها على بناء غواصة نووية قوية تتمتع بكافة التقنيات الامر الذي يدفع بالقبطان ميخائيل بولينين الذي يلعب دوره ليام نيسون الى الغاء المناورة خوفاً على رجاله من تعرضهم للخطر النووي واشعاعاته.. لكن القيادة العسكرية الروسية ترفض هذا التصرف الذي تراه احمق ينال من سمعتها امام العدو التقليدي وهو الولايات المتحدة، فترسل قائداً آخر للغواصة ليتسلم مهام بولينين وهو القبطان فوستديكوف الذي يجسد دوره هاريسون فورد والذي تتمتع شخصيته بالبأس الشديد في ادارته لجنود الغواصة ويؤمن ان الولاء للامة مبدأ مطلق، لو كان على حساب حياة ابنائها، الامر الذي يجعل نائبه بولينين ممتعضاً وحانقا على طريقة تعامله الفج مع جنوده ومدى اصراره بتنفيذ المناورة رغم المشاكل العويصة التي تحتم عليه العودة الى موسكو قبل هلاك الجميع بسبب تسرب نووي وانتشار الاشاعات المميتة، فضلا عن تسرب الوقود، ويصر فوستديكوف على اكمال مناورته بعناد ايديولوجي في المقام الاول، وينجح الرجل في اطلاق الصاروخ وتبتهج موسكو لنجاح التجربة لتكلفه بعملية اخرى. وهنا يبدأ الصدام بين فوستديكوف وبين بولينين الذي يعلم تماماً مدى الهول الذي ينتظر طاقم الغواصة بسبب تفاقم الخلل النووي في الغواصة، حتى وصل الامر الى ان بعض الجنود قاموا بتمرد مسلح على قائدهم واجباره على ترك القيادة لنائبه بولينين الحريص على حياتهم.. لكن الغريب ان الاخير رفض هذا التصرف رغم علمه بقرب موت الجميع وهو سلوك غريب يكشف عن مدى التناقض الذي يسم بولينين فما الذي يدفعه الى انقاذ قائده من امكانية تغييره، في الوقت الذي يؤنبه فيه بسبب استهتاره بجنوده ووضعهم في خطر محدق.. الامر الذي اراد به المخرج ان المبدأ الذي يحكم الرجلين واحد، وهو ان وجود الامة قائم على انقاض الانسان. ويرفض القائد المساعدة من مدمرة اميركية لانقاذ الغواصة من الهلاك، حتى تصل مدمرة سوفييتية لنقل افراد الغواصة الذين توفي منهم الكثير بسبب التسرب الاشعاعي. وينقلنا زمن الفيلم الى مشهد القائد وهو في ارذل العمر وفي صحبة مع الذين تبقوا من رفاق الغواصة، لنعرف من خلال احاديث الشجون ان موسكو أقالت فوستديكوف بسبب قراره اخراج الجنود الى سطح الغواصة لانقاذ ما تبقى منهم من الاشعاع النووي، وأن ولاءه قوبل بجزاء سنمار كالذي تعرض له والده في السابق وان المسئولين الروس اعتبروا ان الذين لقوا حتفهم ليسوا ابطالا بل مجرد قتلى في حادث عارض، وختم فوستديكوف تداعياته الحزينة بعبارة «كيف ننتظر تكريما من مثل هؤلاء الناس».. في محاولة من المخرج لاقناعنا ان اصحاب القرار السوفييتي لا يلقون بالا لجنودهم المكلفين بعمليات عسكرية ما، في حال تعرضهم للاخطار والمهالك مما يعني ان الانسان لا يساوي شيئاً امام الايديولوجية الشيوعية.. وان موسكو لا تثمن ابناءها بأي ثمن. انه الطرح الاميركي الذي نسي آلاف الجنود الذين لقوا حتفهم في مغامرات عسكرية بلهاء كحرب فيتنام على سبيل المثال.. لكن ماذا تفعل؟ سوى ان تشد على ايدي الجميع في مقاومة التزييف والتهوين والاستهتار بالآخرين.. من حقنا ان نتعاطف مع الروس في ابداء غضبهم تجاه فيلم وجه اكثر من طعنة للنخب السياسية والعسكرية الروسية ـ لمخرج اقل ما يقال له: «اذا كان الهم يطالني ويطالك فلماذا تعايرني واعايرك؟». مجدي أبو زيد