لو فعل غير ذلك، ما كان هو يوسف شاهين الذي نعرفه، والذي لا نراه يترك مظاهرة إلا ويخرج فيها مهما كانت ظروفه الصحية ومهما كانت انشغالاته. ولو كان صهاينة فرنسا قد تخيلوا أن يقدم رؤية مغايرة لتلك التي قدمها، فإنهم ـ بكل تأكيد ـ لا يعرفونه، ويحتاجون وقتا كبيرا لدراسته، كي يدركوا أن هجومهم عليه لن يزيده إلا قوة واصرارا على مواصلة فضحه لما يقوم به العدو الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة. كنا نتابع الحملة الشرسة التي يشنها اللوبي الصهيوني الفرنسي ضد مخرج مصر الكبير بسبب فيلمه الروائي القصير عن الحادي عشر من سبتمبر، فيما كان هو يواصل عمله في فيلم سالغضبس الذي تتناول أحداثه علاقته بالولايات المتحدة خلال قرابة نصف القرن. اتصلنا به، وحددنا معه موعدا بعد أن اشترط ألا نحاول معرفة أي تفاصيل عن فيلمه القادم! لم نكن شاهدنا الفيلم، فقط عرفنا من الحملة التي تعرض لها أنه يمزج بين الاعتداءات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر، وبين ما تفعله القوات الصهيونية ضد الفلسطينيين العزل في أراضيهم المحتلة، وعرفنا أيضا أنه بطولة نور الشريف وسناء يونس وأحمد سيف الدين وايفيلين بيطار. لذلك طلبنا من شاهين أن يعطينا فكرة عنه فقال: - في مهرجان كان الذي أقيم في مايو الماضي أعلنت المحطة التليفزيونية الفرنسية «كانال بلاس» أنها تتبنى مشروعا لفيلم سينمائي عنوانه «11 سبتمبر» يشارك في اخراجه أحد عشر مخرجا من جميع أنحاء العالم، يقوم كل منهم بتقديم رؤيته عن الأحداث في إحدى عشرة دقيقة فقط، وهو ما يعني أن مدة عرض الفيلم ككل ستكون مائة وإحدى وعشرين دقيقة. وكنت من بين الذين اختارتهم القناة الفرنسية للمشاركة في اخراج الفيلم اضافة الى كين لوشي من بريطانيا وشين بين من الولايات المتحدة وميداناير من الهند وايما مولا من اليابان وعاموس جيتاي من الكيان الصهيوني، وسميرة مخملباف من ايران. ـ ألم تفكر في رفض المشاركة، بعد أن علمت أن عاموس جيتاي يشارك في الفيلم. ـ ولماذا أفكر في الرفض؟ فما دمت سأقدم رؤيتي ووجهة نظري من دون أن يتدخل أحد، فلا توجد أية موانع أمامي، حتى لو كان الجن الأزرق نفسه يشارك في الفيلم. ـ نعود إذن لفيلمك القصير الذي شاركت به.. ـ أحسن.. فأنا كنت قد وضعت سيناريوهين، الأول كان أقل تعقيدا، ولم يكن يتضمن شيئا عن القضية الفلسطينية، أما الثاني فترتفع فيه النبرة العربية أكثر.. ووجدت نفسي أنحاز للثاني لأني لا أستطيع أن أتغاضى عما أشاهده على شاشات التليفزيون من اعتداءات اسرائيلية على الفلسطينيين وعلى أراضيهم، كما أنني لم أستطع أن أخفي انزعاجي مما تقوم به الادارة الاميركية نحو فلسطين وأفريقيا، وأعتقد أنني استطعت الاجابة عن السؤال الذي طرحه الاميركان حول أسباب وقوع الاعتداءات. وهكذا، خرج الفيلم بالشكل الذي رآه الناس عليه في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. ـ وماذا عن بقية الأفلام القصيرة؟ ـ لقد كانت وجهات نظر مختلفة لعدد من المخرجين الذين يمثلون اتجاهات عديدة، وقد عبر كل منهم عن ثقافته ورؤيته السياسية التحليلية لأسباب ونتائج الحادث، وأعتقد أن الجميع اتفقوا على انعدام العدالة، والتحيز الاميركي السافر للكيان الصهيوني، والانتقام العشوائي الذي تورطت فيه اميركا والذي سوف يزيد من حدة كراهية شعوب العالم لها. ـ ولماذا كان فيلمك هو محل سخط وغضب اللوبي الصهيوني الفرنسي؟ -ـ لم يكن السخط قاصرا على الصهاينة الفرنسيين فقط، بل والاميركان ايضا، فقد انتظروا مني أن أشاركهم في البكاء والنواح على ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر. خيانة الحبيبة! ـ لكن، وبصراحة، ألم تحزن على ما حدث لاميركا؟ - ـ أنا كنت أتوقعه، وهنا أريدك أن تعرفي أنني لم أكره اميركا، بل كنت محبا لها، وما يحدث منها، لم يجعلني أكرهها، بل جعلني أشعر أن حبيبتي «خانتني»، وبعد أن أدركت أن التطور الاميركي لم يكن نحو الانسانية، وإنما تجاه العنف والقوة، فقد أدركت أنه من المؤكد أن يأتي اليوم الذي تتعرض فيه الولايات المتحدة الى مثل ما تعرضت له. ـ لكننا نعتقد أن توقع الحدث لا يمنع الحزن عند حدوثه، أليس كذلك؟! ـ لا أنكر أنني حزنت، ففور وقوع الأحداث كانت الصدمة قوية، ويومها قلقت بشأن أصدقائي الذين يعيشون في نيويورك وفيهم مصريون وفيهم يهود أيضا، لكن بعد فترة بدأت أدرك أشياء لها أهميتها لدي ورأيتها في منتهى الخطورة. فقد كان الحادث بشعا لكن أيضا هناك كوارث أخرى تحدث في أفريقيا وفي البلاد العربية عموما وفي فلسطين على وجه الخصوص. هناك أكثر من مليونين يموتون سنويا في أفريقيا بسبب الجوع والايدز. وفي الوقت نفسه نحن نرى بوش يعطي الضوء الأخضر لشارون ومن حوله ليقوموا بقتل الأطفال وتدمير المنازل وشجر الزيتون الباقي في مكانه منذ آلاف السنين. واضافة الى ذلك فإن الأحداث المتتالية تؤكد أن بوش ليست لديه أية نية في التدخل لصالح الشعب الفلسطيني، بل وليست لديه النية في أن يكون محايدا. إن الاحتلال أكثر قسوة من العنف، بل هو الذي يولد العنف ويفجر الغضب، فماذا تنتظر مني بعد أن استولى على بيتك وأقذف بك وبأولادك الى الشارع، لقد كانت اميركا ظالمة، وقيامها بالظلم هو ما فجر الغضب ضدها وعرضها لما حدث. لكل ذلك، كان من المستحيل أن أشترك في فيلم بعد مرور هذا الوقت وبعد كل ما تفعله وفعلته الولايات المتحدة لأقوم بالبكاء على ما حدث لدولة ظالمة. ـ وهل طرحت هذه الرؤية في فيلمك؟ ـ تقريبا، فقد حاولت كما قلت أن أجيب عن السؤال الأكثر أهمية الذي حاول الاميركان تجاهله، وهو لماذا وقع الحادث؟ ولماذا تكره كل دول العالم الولايات المتحدة؟ ولماذا تتزايد تلك الكراهية لدى العرب والمسلمين؟ ـ إن السبب الأساسي في ذلك هو سياساتها التي تنتهجها في العالم كله، لذلك قلت بكل وضوح أن هناك ملايين من البشر ماتوا بسبب تلك السياسات منذ ما حدث في هيروشيما وناجازاكي وحتى الآن، كما أوضحت أن الشعب الاميركي ليس بريئا لأنه يمارس الديمقراطية بشكل كامل ويختار من يحكمه، ولأنه انتخب من يريد العنف ويكره المسلمين والعرب، فإنه يكون مشاركا لادارته في كل ما تقوم به. لقد قلت ذلك وبوضوح شديد، ولكني لم أجد من يسمع لا بين الاميركيين، ولا في الغرب الذي لا يريد أن يسمع غير ما تقوله اميركا فقط. ـ هذا التجاهل، ألا يدفعك لاعادة التفكير في الأمر؟ ـ إطلاقا، فالهجوم الذي تعرضت له يؤكد أن صوتي وصل لهم، بمعنى أن ما حدث ليس تجاهلا، وإنما عدم استجابة، أو عدم الاكتراث بالحقائق الواضحة كالشمس، كما أنني لست معنيا بهم، فأنا اقدم رأيي وأطرح وجهة نظري للمواطن العربي أما الآخر، فهو حر، إن كان يريد أن يفهم فهو المستفيد، واذا لم يرد، فيكفيني أنني عبرت عما بداخلي، وقلت ما أردت، ولن أتوقف عن قول الحق الذي أطرحه في جملتين فقط: «اذا كنتم تريدون أن يتوقف العنف، فأوقفوا الاحتلال وتوقفوا عن انتهاج السياسات الظالمة، فعندئذ وعندئذ فقط سيتوقف ما تصفونه بالارهاب ونصفه نحن برد الفعل». ـ اختيار 11 مخرجا من دول بعينها، يعني أن الهدف من وراء انتاج الفيلم كان معرفة وجهات نظر مواطني هذه الدول من خلال مخرجين معروف عنهم أنهم يمثلون مواطنيهم، هل هذا صحيح؟ أم كان المطلوب تبني المخرجين لوجهات النظر التي تتبناها بلدانهم؟ ـ لا أعتقد هذا، ولا ذاك، فما فهمته عندما عرضوا علي الفكرة هو أنهم يريدون رؤيتي أنا كيوسف شاهين، ربما رأوا أنني قريب من المواطنين، وربما لا، لكن قبلت من منظور أن تعطي الحرية الكاملة لي في التعبير عن وجهة نظري، لذلك عندما شعرت في وقت من الأوقات أنهم يريدون مني أن أتبنى موقفهم هم أي موقف الغرب قلت بمنتهى الحدة والوضوح للمنتج، هذا شئ لا دخل لك فيه، وليس لك حق التدخل في أي تفصيلة لأنني بمنتهى البساطة ليس لدي أي استعداد لتقديم أي شئ مهما كان بسيطا من دون أن يكون هذا الشئ نابعا من داخلي، وقلت له أيضا: اذا كنت تريد أن يطرح الفيلم الذي أقوم بتنفيذه وجهة نظر معينة، فقم أنت باخراج الفيلم. فأنا قبل كل شئ مخرج لي اسمي ولي رأيي ولي انتمائي كمواطن عربي ولي مواقفي الواضحة والتي التزم بها، وليس لدي استعداد لأن أتنازل عن أي شئ من ذلك. ـ يبقى أن أسألك عن فيلم «الغضب».. ـ مقاطعا، لقد اتفقنا من الأول على عدم الحديث في هذا الموضوع، وكما قلت لك من قبل انتظري حتى تشاهدين الفيلم، وعموما يكفيك أن تعرفي أن الفيلم يتناول علاقتي باميركا خلال خمسين عاما، وكيف تحولت من الحب الى الكراهية والغضب من خلال تعرضي للكثير من القضايا العربية ونظرة اميركا اليها ونظرتي الى اميركا من خلالها.. وهذا يكفي، ومع السلامة! القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: