أكثر ما يثير التوتر كل صباح سماع بكاء الاطفال وتحديداً صغار السن منهم الذين لم يبلغوا بعد سن دخول المدرسة النظامية، والذين يضطر آباؤهم وأمهاتهم إلى ايقاظهم في الصباح الباكر، من أجل ايداعهم في بيت قريب لدى احدى المربيات، أو في دور الحضانة، ولأن هؤلاء الصغار يرفضون ترك بيوتهم الدافئة، ولأن الأمكنة الأخرى مهمة اختلفت تسمياتها لا تحقق لهم الدفء المطلوب والحنان، ولا توفر لهم الاطمئنان ولا الأمان، لهذا يرفضون الذهاب ولكونهم لا يملكون الا سلاح البكاء كتعبير عن الرفض، يتعالى بكاؤهم وتنهمر دموعهم، ويتوتر من جراء ذلك آباؤهم وأمهاتهم وللأسف قد يضربونهم أو يوبخونهم لأن الوقت الضيق في الصباح لا يسمح لهم باقناعهم بهدوء وترغيبهم للذهاب إلى دور الحضانة، وبسبب ذلك يحبسون آهاتهم ويضطرون للذهاب بعيون ملأى بالدموع إلى تلك الامكان والتي لا تتوفر في أغلبها الشروط الاساسية لتنمية مهارات الطفل ولا تلبي حاجاته الجسدية والنفسية مما يؤدي إلى اصابة الطفلة بالاضطرابات السلوكية والنفسية، فالطفل الهادئ في البيت بسبب الكبت الذي يتعرض له في الروضة قد يصبح انفعاليا أو تنمو لديه الميول العدوانية أو يصبح أنانياً. ومن المعروف ان مرحلة الطفولة وخصوصاً التي تسبق دخول الطفل المدرسة تعتبر من مراحل النمو الحساسة التي يجب على الأهل والمربين والقائمين على تربية ورعاية الطفل ان يبذلوا قصارى جهودهم في سبيل تجاوز الازمات التي قد تحدث، وتنمية قدرات الطفل الجسدية والنفسية والمعرفية بشكل سليم. ففي الروضة يجب ان تتوفر المساحات الواسعة التي لا تعيق حركة الطفل والالعاب والوسائل الترفيهية والتعليمية التي تساعد على تنمية مهارات الطفل والتي تهذب نشاطه، وينبغي على الروضة ان تثير تفكير الطفل وتتيح له الفرصة للتجربة وحل المشكلات التي تعترضه وتطوير قدراته لتجاوز تلك المشكلات، ويجب ان تثير فيه حب الاستطلاع والفضول للمعرفة اضافة إلى تنمية الروح الجماعية لديه وتحجيم الروح الانانية تمهيداً لزوالها. وبالطبع لا يجوز ان نقسر الطفل ونجبره على الالتحاق بالروضة حتى لا تحدث لديه نتائج سلبية، وتجدر الاشارة إلى ان الطفل في الايام والأسابيع الأولى لالتحاقه بالروضة يحتاج إلى الدعم من قبل الأهل من جهة والقائمين على رعاية الاطفال في الروضة، واتباع الأسلوب الترغيبي وليس الترهيبي كما هو واقع الحال لدى الأهل ودور الحضانة. ولأسباب عديدة منها ما يتعلق بالظروف الاقتصادية أو غيرها فإن الأم قد تترك طفلها لدى احدى المربيات التي قد تجمع في منزلها ـ عادة في غرفة منه ـ عدداً من الأطفال الذين يتعرضون للكبت لضيق المساحة وعدم توفر الالعاب، وللأسف قد تلجأ بعض المربيات إلى اعطاء الاطفال بعض الأدوية التي تنومهم لعدة ساعات ريثما تعود أمهاتهم من أماكن عملهم، وقد يحدث الشيء ذاته في بعض دور الحضانة أيضاً. المشكلة كما نجد تعتبر مشكلة كبيرة أما سبل حلها فهي عديدة، منها على سبيل المثال ان توفر كل مؤسسة خاصة أو عامة دور حضانة لأطفال موظفيها، وان تكون الكوادر العاملة بها مختصة في تربية ورعاية الطفل، أو ان توفر بعض الهيئات والمؤسسات الاجتماعية دور حضانة فائقة الجودة وبرسوم معقولة كي نقضي على المعاناة الصامتة التي يتعرض لها فلذات أكبادنا كل صباح. فالطفل الصغير الذي تتوفر له الرعاية الجيدة في صغره لا شك انه سينمو بشكل جيد وتتطور مهاراته السلوكية والمعرفية. ويصبح قادراً على فهم نفسه وفهم الآخرين من حوله، ويتعلم حينها ان الحياة اخذ وعطاء وان الروضة هي المكان الآمن المكمل للبيت وليست سجناً أو مكانا محصوراً لكبت ميوله وأحلامه ومشاعره التي تظهر واضحة جلية في تلك العيون الدامعة بدلاً من تلك العيون المفعمة بالامل والفرح والحياة. د. بسام علي درويش