التعبير عن هوية المجتمع والغوص في مشاكله، وما يكتنفه من معضلات تتعهد بها وسائل عدة، وطرق مختلفة، مثل الفن والادب والفكر.. لكن تبقى السينما احد اهم الينابيع المعبرة عن هوية المجتمعات، والتي بمقدورنا ان نغترف منها ملامح وسمات هذا المجتمع أو ذاك. فالصورة السينمائية تحتوي كافة ادوات التعبير القادرة على كشف ورصد الواقع ومعالجته، والتحريض على امكانية تغييره، اضافة الى قرع الاجراس في حال وجود قضايا قابلة للانفجار، او للتفاقم. لقد كان الرأي القائل بأن قوة الولايات المتحدة الأميركية تكمن في هوليوود قبل الاساطيل والطائرات صحيحا، فتصدير الثقافات والترويج لها وفرضها لا يتم الا بقوة الصورة. لقد كان صعبا ان نتعرف على مزايا وعيوب المجتمع الاميركي او غيره لولا التقاطنا للقوانين التي تحرك وتتحكم بالشخصية المجتمعية، لولا تواجد هذا الوسيط الفضي الذي من خلاله نستطيع قراءة الجغرافيا النفسية والذهنية لمجتمع ما. ومن أهم وظائف السينما ايضا التسويق والاعلان عن القيم والعادات والمنظومة الاخلاقية والحضارية التي تتحرك المجتمعات في اطارها، وكذلك الدفاع عنها، في ظل عالم يتصف بالصراع الثقافي والهويات المتناحرة. اذن للسينما وظائف استراتيجية يمكن استغلالها كخليجيين. لان المجتمع الخليجي افرز قضايا شتى، خاصة ابان مرحلة الطفرة النفطية، حيث ارتفعت وتيرة التطور والتحديث والتحولات الاقتصادية، لكن التغيرات الاجتماعية كان لها نصيب الاسد من هذه التجليات الجديدة، حيث تعرضت الشخصية الخليجية لحزمة من التشكلات الشخصانية جديرة بالرصد والمتابعة والتنظير لها سينمائيا. ورغم اقامتنا الطويلة على ارض الامارات، الا اننا لم نسمع عن وجود معاهد سينمائية، او معاهد للتمثيل، حتى اخبرني احد زملاء العمل، وهو من ابناء الامارات، بوجود معهد للتمثيل انشئ منذ فترة، وهو لايزال خاويا على عروشه. ولا ادري الى متى ستظل الامارات مجرد مستهلك للسينما، فهذا البلد بحكم علاقتنا به مليء بالقضايا والهواجس التي تستأهل ان تطرح سينمائيا، فالواقع الاماراتي مادة خصبة تموج بالتغيرات والتحديات، خاصة في وجود جاليات عربية واجنبية كبيرة تفاعل معها ابناء البلد وتبادلوا التأثيرات. بالطبع هناك ظواهر كثيرة نستطيع التحدث عنها لنؤكد احقيتها في التناول السينمائي. صحيح ان بناء صناعة سينمائية تعبر عن خصوصية المجتمع الخليجي ليس بالامر السهل، لكن رحلة الالف ميل تبدأ بخطوة، والخطوة هنا تخص تكاتف رجال الاعمال الذين يمتلكون الامكانات المادية الكبيرة والتي تعتبر احدى ادوات البناء المهمة، من حيث انشاء معاهد للسينما، والتمثيل، وهو مشروع وطني استثماري سوف يؤتي أُكله بعد حين. فاذا كانت هناك اموال تنفق من اجل استجلاب الخبراء في كل المجالات فما الذي يمنع الاستعانة بكبار المخرجين والمتخصصين السينمائيين لوضع اللبنة الاولى لتحقيق هذا الحلم الطموح.. فأهل الكويت مازالوا يذكرون دور زكي طليمات وكرم مطاوع في بناء المسرح الكويتي حتى اشتد عوده وتراكمت خبراته وادواته. نعلم ان المشوار سيكون طويلا وشاقا ويحتاج منا الى جرأة وشجاعة وايمان بأهمية دور السينما في ابراز الوجه السياسي والثقافي والاجتماعي والتطوري للمجتمع، ولواقع يزخر بمواد سينمائية كثيفة. ان السينما سلاح نافذ لنقد الواقع ومهاجمته، او الحفاظ على مكتسباته، وهي احد روافد بناء الوعي والنضج، وترجمة الحراك الاجتماعي الحاصل بفعل التطور والصيرورة.. انها مغامرة رائعة تستحق تضافر الجهود الواعية لانشاء خطاب من نوع جديد يمثل هويتنا وروحنا، ويعيننا على تلمس قضايانا بشكل حقيقي واصيل ومؤثر.. فقديما قال فيلسوف الصين كونفوشيوس «الصورة تساوي الف كلمة» فهل نبدأ؟ مجدي ابو زيد