لم يعد الحساب المصرفي في احد البنوك السويسرية يقدم الحماية الصارمة التي اعتاد على تقديمها فسويسرا المحرجة من صورتها باعتبارها الوجهة المصرفية المفضلة لدى ديكتاتورات العالم الثالث، وعصابات الاجرام المنظم خلال العقد الماضي، سنت مجموعة من التشريعات المصممة لتبييض صورتها كملاذ مالي، ومن بينها قوانين لمكافحة غسيل الاموال تعتبر من بين اكثر القوانين صرامة في اي مكان من العالم وتتعاون البلاد الآن بشكل اعتيادي في القضايا الجنائية الدولية وقد خطت خطوات كبيرة بعيد احداث 11 سبتمبر على طريق المساعدة في تعقب منابع التمويل للجماعات السياسية. ولكن سويسرا ظلت ملتزمة بعنادها فيما يتعلق بمسألة واحدة وهي التهرب الضريبي من قبل الاشخاص غير المقيمين فيها. ويقول السويسريون انه اذا كان هناك طبيب اسنان ألماني او رجل اعمال فرنسي لديه حساب مصرفي في زيوريخ او جنيف ولا يعلن عن الفائدة التي يتلقاها في بلده، فإن ذلك ليس من شأنهم، وهذا موقف أثار منذ زمن بعيد غضب جيران سويسرا وهو يسوقها الآن نحو تصادم متوقع مع الاتحاد الاوروبي يهدد باحباط الجهود الرامية الى تحسين الصورة الدولية لسويسرا ومن الممكن ان يحكم بالنهاية على سرية التعامل المصرفي لديها مرة واحدة والى الابد. وفي صميم الخلاف رغبة لدى الاتحاد الاوروبي تم الاتفاق عليها اخيرا في العام الماضي بعد اكثر من عقد من العمل، تهدف الى كبح جماح التهرب الضريبي من خلال تبادل المعلومات المتعلقة بالضرائب بين الدول الاعضاء. وبدافع من لوكسمبورغ والنمسا وهما ملاذان للضريبة داخل الاتحاد الاوروبي قلقان بشكل خاص من عملية هروب محتملة لرؤوس الاموال من بنوكهما، فإن بروكسل تطلب من السويسريين مد يد المساعدة، وهي تريد من سويسرا، التي ليست عضوا في الاتحاد الاوروبي، ان تقوم بشكل تلقائي بتقديم معلومات لسلطات الضريبة حول الحسابات المصرفية التي يملكها مواطنو الاتحاد الأوروبي. ردة الفعل وبالحكم من ردة الفعل السويسرية فإن الاذعان للطلب سيكون مثل التخلي عن جبال الألب. ويقول هانز كوفمان، وهو خبير اقتصادي سابق في مجال المصارف وعضو البرلمان السويسري الذي يقود توجها لاضافة السرية المصرفية الى الدستور كحق اساسي ـ يقول: «لن نسمح لأنفسنا بأن نسحق تحت وطأة الاتحاد الاوروبي» والاقتراح الذي قدمه حزبه «حزب الشعب السويسري» يشق طريقه الآن عبر اللجان البرلمانية، ولكنه قد حظي بالفعل بدعم كبير. فقد صوت اقليمان هما زيوريخ وآرغوا لدعم المبادرة، وتدرس اقاليم اخرى عديدة ان تلقي بثقلها خلفه ايضا. وفي ظل استطلاعات الرأي التي اجريت في وقت سابق من هذا العام واظهرت ان ثلاثة من بين كل اربعة سويسريين يؤيدون السرية المصرفية، فإن اي محاولة لاقناع المواطنين برفع هذه السرية «لا امل لها بالنجاح» كما قال الرئيس كاسبر فيليغر في اجتماع لاتحاد ارباب العمل السويسريين تم في يونيو الماضي، مع ان استطلاعات اخرى تشير الى وجود بعض التململ في الرأي العام السويسري. وما يجعل هذا الموقف الاخير من السرية المصرفية السويسرية مثيرا بشكل خاص هو التصادم بين الاخلاق والمصالح المالية بالاضافة الى القضايا الجيوسياسية المتضمنة فيها، فمن جهته يرى الكثير من السويسريين السرية باعتبارها حجر الزاوية في رخاء الامة، وشيئا يمنح سويسرا ميزة في المنافسة بين المراكز المالية العالمية. ويعتبر السويسريون رواد العالم في ادارة الثروات الخاصة العابرة للحدود ويحتفظون بأكثر من ربع اجمالي الاصوال المودعة عالميا من قبل سكان احدى الدول في دولة اخرى. ومن جهة اخرى، فإنه وعلى الرغم من جهود التنظيف الاخيرة، الا ان الالتزام المتواصل بالسرية يترك سويسرا عرضة للاتهام بأن لديها شيئا تخفيه، وهي تهمة تجعل السويسريين، ينكمشون خوفا، وعلى الرغم من الميل التاريخي، الذي يعود تاريخه الى ايام وليام تيل، الى ازدراء العالم الخارجي، الا ان السويسريين يدركون انهم بحاجة الى الحفاظ على علاقات جيدة مع الاتحاد الاوروبي، الذي يحيط بهم من كل الجهات ويستحوذ على ثلثي تجارتهم. ويقول اروس روث، المسئول التنفيذي لاتحاد المصارف السويسرية «ليس من مصلحتنا طويلة الاجل ان نتربح من اي ثغرات قانونية، ولا ارى سببا يجعلنا نتبنى نظاما غير مألوف لدينا. وفي الجولة الاولى من المحادثات حول القضية في يونيو الماضي، ابلغ السويسريون الاتحاد الاوروبي ان تبادل المعلومات امر مستبعد، وعرضوا اقتراحا بديلا. ففي حين تعتبر سويسرا غير مستعدة لتمرير تفاصيل تتعلق بالحسابات المصرفية، فانها ستكون مستعدة لفرض ضريبة محتسبة على الحسابات المصرفية الخاصة بمواطني الاتحاد الاوروبي وسيعمل هذا الاجراء على حماية خصوصية العملاء ويزود في الوقت نفسه الخزائن الاوروبية بالعوائد الضريبية. ضرار عمير