ينتهي المؤرخ السينمائي جي بوتييه في هذه الحلقة من رصده الدقيق للسينما المباشرة والتي اتخذت أكثر من اسم مثل سينما الحقيقة، أو سينما المعيش، الامر الذي يحتج عليه بوتييه، حيث يتساءل عن الذي يعيش بالفعل المشاهد أو السينمائي؟ ليستخلص في نهاية الامر المعنى الفعلي للسينما المباشرة حيث يقول في كتاب المدارس الجمالية في السينما العالمية. ما هي في نهاية الامر السينما المباشرة؟ لقد استمر الاسم لأنه كان يُسكن الجدل، بما يعني انه لم يكن دقيقاً بما يكفي بحيث وجد الجميع أنفسهم فيه. «الحقيقة» لم تستمر، لأنها كلمة تتخذ موقفاً، لا يمكن دعمه طبعاً، لكنه موقف على أية حال، الامر الذي يساء فهمه في كل مكان، فضلاً عن ان المعركة عبأت الممارسين لهذه المهنة والصحفيين عوضاً عن المنظرين، وليس من الاهانة لأحد ان نقول ان هؤلاء المنظرين هم وحدهم في الحالات الدقيقة، القادرين على الخروج من المأزق حيث ان فدية الدقة هي، رغم ادعاء كل انسان عدم تصديقه لذلك، قدر بسيط من الاحكام اقترح لوي ماركويل صاحب احد المراجع النادرة التي تناولت هذه القضية، تعبير «سينما الكلام» وهو تعبير بليغ وناقص في الوقت نفسه، ودافع بيير بيرو عن تعبير أكثر دقة هو «سينما المعيش» الذي يعود لاثارة الجدل رغم كل شيء، ناسياً تحديد من هو الذي يعيش، السينمائي ام المتفرج، يبقى انها «سينما المعيش والكلام المباشرة»، وهو تعبير طويل نوعاً ولكن أي الصفات نحتفظ به؟يتغذى الريبورتاج على السينما المباشرة دون أية ميزة جمالية أخرى سوى شكل المصورين في انتظار أفلام أكثر طموحاً، إن اداء الممثلين في الافلام الروائية يستلهم مواقف وايماءات وحركة الشخصيات التي نلتقيها اثناء التصوير المباشر، كان جون جريرسون مؤسس المركز القومي للفيلم (كندا) والعارف بالنوع، يطلق اسم «أفلام وثائقية» على الأفلام التي تصور في مواقعها الأصلية وذلك قبل تسمية السينما المباشرة، لنحتفظ بهذا الاسم الذي فقد قيمته قليلاً منذ ذلك الحين.هناك خاصية واحدة للفيلم المباشر تسمح بعزله داخل هذه الفئة المحدودة وداخل السينما في مجملها في آن واحد وهي خاصية انها سينما يؤدي فيها كل انسان دوره الحقيقي في الحياة ولا يستطيع أداء غيره، وهي خاصية متكررة، لا يمكن ان يملي هذا الدور شخص آخر سواء كان المخرج والصحفي أو عالم الاجتماع إلخ، وهو الدور الاصعب تحقيقاً، هنا تصبح السينما المباشرة ضرورية بحق.سؤال يتحرق لاجابة فورية، من الذي يضمن للمتفرج ان الرجل أو المرأة المتحدث إلى الشاشة لم يتم التلاعب به؟ لا شيء يضمن ذلك سوى ربما بالنسبة لتخصص أو لخبير، هناك اسوأ، ان خدعة يقوم بها الممثلون من الممكن ان تخدع الجميع، لأن الممثل قادر على اعادة تقديم شخصية بسهولة أقل، على ابتكار شخصية ـ مسجلة وكامنة في أحد الادراج، دون علم من أحد، لقد تم تصوير فيلم «فتيات عسكريات» (إخراج نيكولاس برومفيلد وجان شرشيل، الولايات المتحدة 1981) بالفعل في احد المعسكرات العسكرية الاميركية للنساء، لا يستطيع المتفرج ان يمنع نفسه من الشك في الامر.لا شيء إذن يضمن واقعية ظروف التصوير (أما المونتاج فمسألة أخرى) ما لم تكن شهادة السينمائي نفسه، نستطيع دائماً مراجعة شاهد فيما يقوله، أو تصديقه، المسألة مسألة أدبيات المهنة غير المكتوبة، ان سينمائياً يخدع جمهوره ـ الذي لن يعود مطلقاً أنه مخدوع ـ يموه الحقيقة ويزيفها، هناك مزيفون عباقرة، ان تصنع لوحة مزورة لفان جوخ ليس أمراً في متناول الجميع، لكنها تظل مع ذلك لوحة مزورة، لقد كتب كريس ماركر فيما مضى قائلاً عن جيرودو «الحقيقة هي الصنعة» وكان محقاً، لكن الخياط الذي كان يقطن شارع دي سوسيه، والذي بدأ طريقه بشكل مذهل بفيلم «شهر مايو الجميل» كان ضابطاً ماهراً بحق.لنتابع إذن عن كثب ذلك الشاهد المستعد للموت ذبحاً حتى يصدقه الناس، مدركين ان مثل هذه المهنة قليلاً ما تصنع مريدين. هناك من يجهزون لضربتهم زمناً طويلاً (دون ان يعرفوا أحياناً أنهم يجهزون لها في أعماقهم منذ الابد) مثل بيرو الذي تجول بجهاز تسجيله الضخم بطول منطقة «ايل ـ أو ـ كودور» التي كانت شبه مجهولة آنذاك، وهناك آخرون مثل وايزمان يجيئون يوم التصوير بعد معاينة بسيطة للأماكن ودراسة واعية مبنية على وثائق عن المؤسسة المراد تصويرها، ذلك ان طريقة بيرو تعتمد على التركيب فهو بحاجة لعدد من الناس يتحدثون بصوت عال وواضح نيابة ضمنياً عن المجموع، حتى وان كانوا هم انفسهم غرباء نصف مندمجين في المجموع في منتصف المسافة بين السينمائي وبين المجموعة التي يحاول الاقتراب منها، عندما يتعلق الأمر بهنود الساحل الشمالي الذين يطمئنون لوجود وثرثرة المبشر اليكسيس جوفنو الذي يحيا إلى جوارهم منذ ثلاثين عاما (في فيلم «طعم الدقيق» لبيير بيرو) فإن الوساطة بين الطرفين تفرض نفسها كما يتضح من محاولات أخرى عكس ذلك. تعاطف أو تواطؤ مشبوه ! أحيانا ما كان البعض يتهم روش وبيرو بشكل خاص بالتعاطف أو التواطؤ المشبوه أو بتمهيد الطريق إلى درجة حجبت المعنى الاصلي والحق ان صيد خنزير البحر في فيلم «من أجل بقاء العالم» لم يكن يمارس في «ليل ـ أو ـ كودر» عندما عمل بيرو على ا حياء هذه العملية لتصويرها، بالاتفاق مع سكان المنطقة والحق أيضاً ان الصيد استمر بعد انتهاء الفيلم وان بيرو نفسه اشترك في ثماني مرات بلا كاميرا وبلا مسجل صوت، لقد أصاب في عمله كاشفاً عن معنى لماض لم يزل حياً، كما فعل في أفلام أخرى كثيرة، وبخاصة «المظهر الرائع» عن جايك كارتييه، هل ينحاز بيرو للماضي؟ نعم، إذا كان المؤرخون منحازين للماضي بشكل لا براء منه.فعندما يتم الانتهاء من الفيلم قد يتخذ هذا الفيلم شكل اليوميات التي تتميز عن الصحافة السيارة بطريقتها وجديتها ولتلك البصمة الشخصية التي تجعلنا نقول «هذا فيلم لوايزمان» (مثال: فيلم «المحل») وربما اتخذ الفيلم شكل القصة، كما لو كان قائماً على سيناريو وممثلين، أي كما لو كان «اعادة» (مًفٍمْ) بشكل عام، حنان وعنف، قصة صداقة نشأت في أحضان الغابة، الصيد وأشكاله الاستعمارية، نقول: «هذا فيلم لبيرو» (مثال: فيلم «الحيوان المضيء») أناقة في الشكل، سخرية حدة في الرؤية؟ نجيب بلا تردد: «هذا فيلم لماركر» (مثال: فيلم «مايو الجميل») كل شيء كلاسيكي في أدق تفاصيله: هؤلاء الناس على الشاشة لا يلعبون أدواراً وإنما يؤدون أدوارهم الحقيقية، يعلنون انهم يعيشون. الغريب ان هؤلاء المؤلفين ـ الشهود لا يجعلوننا نفكر في السينما السائدة التي انكرتهم أو شكت فيهم، وإنما يستدعون روائي القرن التاسع عشر أو روائي بدايات القرن العشرين العظام، أو كتاب المقال في القرن الثامن عشر، وقد يجتذبهم الرجوع مختبئين خلف أحد الاعمدة، مثل شخصية من شخصيات بروست، ثم بعد ذلك، في صمت صالة المونتاج، ينظمون ويتذكرون بعدما داروا بمرآة الكاميرا بطول الطريق. وأحياناً، من قبيل الزهق أو الميل إلى التغيير، يحومون عند حدود السينما الاخرى، يأتون بشيء جديد ما زال موجوداً لدى البعض، في عام 1963 ـ 1964، حدثت في السينما الكيبيكية حركة تركت أثراً مع أفلام «الاستيلاء على كل شيء» اخراج كلود جوترا و«القط في الحقيبة» إخراج جيل جروو، وفي مسار آخر، غير مخرجو السينما المباشرة أسلوبهم دون ان يغيروا نظرتهم ولنذكر على الاقل أفلام جان روش «كوكو كوكو، سيد بوليه» وريمون دوباردون «الحي الخالي ـ امرأة في افريقيا» لكي نبين ان الحدود واهية وانه إذا كانت السينما المباشرة قد تم ابعادها عن السينما السائدة في شكلها المفارق «ككتابة للمعيش اليومي» فقد انتشرت بأشكال متنوعة في سينما الممثلين القديمة الجميلة التي لم يكن من الممكن ان تتوقف إلى الأبد عن أفلام هوليوود في الأربعينيات.