ام محمد عارف (موظفة): ترى ان الاجازة التي قضتها في احدى الدول العربية بصحبة زوجها وابنائها كان لها الاثر الايجابي الكبير على مختلف المناحي، حيث تقول: نظراً لانشغالي الدائم بالعمل الذي اعود بعده للبيت منهكة القوى فقد عشت بعيدة، تقريباً عن زوجي وأبنائي، وقد حاولت مراراً التقرب منهم بشتى الطرق والوسائل الا ان ذلك كان صعباً فعملي يلتهم كل وقتي دون ان اشعر، لذا وجدت نفسي بحاجة ملحة لقضاء اجازة مع عائلتي وكان لي ما أردت حيث رتبت مع زوجي ان تكون اجازتنا في الوقت نفسه، وقد تحقق لنا ذلك، فتوجهنا الى احد الاقطار العربية لمدة اسبوعين عشت خلالها حياة رائعة وكأنني ولدت من جديد، فقد توطدت علاقتي بأبنائي وتعلقوا بي لدرجة انني اكتشفت ان شخصيتهم مغايرة تماماً لما كنت اتوقعه، كما انني وجدت الوقت الكافي للاهتمام بزوجي، ومعرفة امور عديدة كانت خافية عني، وعندما عدت من الاجازة اكتشفت ان علاقتي بعائلتي قد تحولت الى علاقة صداقة مع الزوج والابناء بعد ان كنت مجرد زوجة وام لا همّ لها سوى العمل، لذا فإنني ومن خلال تجربتي الشخصية ارى ان التقاء العائلة على فترات متعددة هو امر ضروري لاعادة تجديد الحياة وللاطلاع على احوالهم عن قرب وللتعمق مع الصغار في خيالاتهم الطفولية والابحار مع الكبار فيما يختلج افئدتهم من اسباب الحزن او السعادة. قربى وتراحم وتوافقها الرأي أمينة موسى (ربة بيت) حيث تقول: لقد عشت مع عائلة زوجي لفترة طويلة تخللتها بعض الخلافات والمشاحنات بين فينة واخرى، ما جعلني اوافق زوجي على اصطحابهم معنا في عطلة صيفية حتى تهدأ النفوس، وبالفعل حصل ما كنا نتوقعه، حيث كانت تلك العطلة في وقتها الصحيح تماماً، فقد اجتمعنا سوية وكأنها المرة الاولى التي نجتمع فيها، فالضحك والتسامر، والسهر كانت ميزة عطلتنا الرائعة، واستطعنا ان نكتشف صفات في انفسنا وفي غيرنا لم نكن نتوقعها مطلقاً، وعادت المياه لمجاريها بين الجميع، وساد الود والتفاهم والتعاون بيننا ايضاً، لذا فإنني اعتقد ان قضاء بضعة ايام خارج المنزل مع افراد الاسرة ينعش بداخلهم الاحلام، ويؤصل اواصر القربى والتراحم، ويجدد الود في الافئدة الخاوية، لأنه في اثناء العطلة لا وجود لأي روتين او مشاغل قد تبعد الفرد عن الاخر، فاللقاء المستمر واليومي، والتنزه في مختلف الامكنة له من الفوائد ما لا يمكن ان يتصوره عقل، وهنالك نقطة اخرى اود ذكرها وهي ان الابتعاد عن المنزل يولد الاشتراك في اللهفة إليه فالجميع متشوق للعودة للديار حاملين معهم اروع اللحظات والذكريات الجميلة التي لا يمكن نسيانها مطلقاً. أمومة وصداقة وكذلك تقول الطالبة علياء السويدي: لقد عشت فتاة وحيدة وسط خمسة من الاخوة الذين حاولوا دوماً الاندماج معي، ولكن من المعروف ان الفتاة مهما كانت علاقتها قوية مع اخوتها الا انها بحاج لأخت او ام حتى تتمكن من التحدث معها بأكبر قدر من الاريحية، والواقع ان امي موظفة وتأخذ الوظيفة كل وقتها تقريباً لذا كان من الصعب عليّ الجلوس معها ومحادثتها، ولكن ذات يوم فوجئت بإخوتي وقد قرروا الخروجة في عطلة معي ومع والدي، وتوقعت ان الفرصة التي كنت اريدها قد واتتني، وبالفعل اخذت امي اجازة من عملها لمدة اسبوع قضيناه في احد «الشاليهات» وهناك وجدت امي تقترب مني رويداً رويداً وتحثني على ان افتح لها قلبي وان تشاركني ما افكر فيه، فرضخت لها فوراً وكانت في الواقع نعم الصديقة وحدثتها بصراحة عن احتياجي الشديد لها ولصدرها الحاني وعاتبتها على ابتعادها عني، فتفاجأت باعتذارها لي، واقرارها بخطئها في حقي، ومنذ تلك اللحظة اصبحت علاقتها بي علاقة الصديقة بصديقتها وهي بالفعل نعم الصديقة التي تفضل مصلحتي على مصلحتها والتي اجدها تقف معي في كل محنة، والفضل في هذه العلاقة الرائعة يعود بعد الله سبحانه وتعالى الى الاجازة التي فتحت لنا آفاقاً لم نتصورها مطلقاً. إعادة هيكلة الأسرة وفي السياق ذاته يشير المهندس كاظم محمد سعيد الى انه من غير الممكن ان تحوي اللقاءات الاسرية اي مخرجات سلبية، بل على العكس تماما فهي تعني بالدرجة الاولى تواصلا ايجابيا بين الاجيال شريطة ان يتوافر عنصر التخطيط والاتفاق، اضافة الى كون السفرات القصيرة فرصة جيدة للتغيير واعادة هيكلة الاسرة خاصة لو كانت العائلة تعاني من علاقات متقطعة وفتور في التواصل بين افرادها فمن خلال تجربة شخصية لاحظت ان الاجازة مهما كانت قصيرة المدة فإنها تعمل على ان يستشعر كل فرد احتياجه للآخر ولو ركزنا على علاقة الوالدين بأبنائهما فإننا نجد ان التجمعات خارج حدود المنزل توجه كل شخص الى ان يحول دفء عاطفته الى الآخر وهذه امور ضرورية كأن يشارك الابناء آباءهم في مشاعرهم والاستماع اليهم وتوجيههم، فنظرة واحدة للأسرة تجعلنا نرى ما تعانيه من عزلة بين أفرادها نتيجة لغزو الفضائيات والانترنت وغيرهما من مفرزات التقدم ووسائل الترفيه بحيث يكاد يعيش الابناء مع آبائهم كمجرد اجساد دون مشاعر او حتى كلام وهنالك نقطة مهمة جديرة بالذكر وهي ان الالتقاء الاسري المثالي ليس بالضرورة ان يكون خارج نطاق الدولة، بل ان التوجه الى احدى الامارات الاخرى يفي بالغرض المنشود، فليس المكان هو الهدف انما التجمع في جو مبهج خال من الروتين الممل او مشاكل العمل والدراسة هو ما يجب ان يوضع بعين الاعتبار. تجربة فريدة ويشاركه الرأي علي البلوشي ـ موظف ـ والذي بدأ حديثه بالقول: نظراً لانشغالي الدائم بالوظيفة صباحا وبمتابعة اعمال البناء في منزلي الجديد، فإنني أكاد لا اجد الوقت الكافي للجلوس مع زوجتي وابنائى وحتى بقية افراد العائلة، لان مشاغلي الصباحي والمسائية كانت تستهلك من وقتي وطاقتي الشيء الكثير، وعندما جاءت العطلة الصيفية اكتشفت أنني كنت مخطئاً في الابتعاد عن اسرتي ومعارفي، ولكن جاءني ابن شقيقتي يوما طالبا مني مرافقة العائلة في السفر الى احدى الاقطار البعيدة، وتصورت بيني وبين نفسي انها قد تكون فرصة جيد لاستعادة طاقتي المهدرة وللجلوس مع اكبر عدد من افراد عائلتي، وقد قضينا مدة اسبوعين تقريبا استأجرنا خلالها منزلاً واحداً وعشنا سويا أوقاتا لم أكن اتخيلها قط، واستشعرت فرحة زوجتي وابنائي ومدى اهمية اندماجهم مع اقربائهم، وكنا تخرج سويا ولم نتفارق ابدا طوال العطلة، كما انني كونت علاقة صداقة مع ابن شقيقتي الذي اكتشفت فيه من الصفات ما لم تخطر ببالي أبدا، وقد كان بالفعل نعم الصديق والرفيق، وبعد هذه التجربة اكتشفت ان العلاقة بين عائلتي وعائلة شقيقتي اصبحت أكثر اريحية واصبحنا في كل جلسة نتذكر تلك الايام الرائعة ونعد انفسنا بتكرار التجربة كل عام في سبيل ان نصل بعلاقاتنا الى ارقى مستوى. خبرة ونقاش أما الموظف ناصر الاحبابي فيقول: مما لاشك فيه ان النفس البشرية تحتاج دوماً لمساحة من الهدوء والراحة نظراً للعديد من المنغصات التي تحيط بها، ولا أتصور ان هنالك أفضل من الخروج مع الأهل والاقارب لقضاء اجازة مريحة ومثمرة في الوقت ذاته، والحقيقة ان العديد من الشباب أراهم يفضلون قضاء العطلات مع الاصدقاء بدعوى انهم بذلك يتحللون من القيود ويمارسون ما يودونه من هوايات وأعمال أخرى، ولكن لو فكر الشباب منهم قليلاً للاحظ ان صحبة الأهل هي أفضل بكثير من صحبة الاصدقاء، وهذه الافضلية تكمن في ان رحلات الاصدقاء هي للترفيه والتسلية التي يقطع بها الوقت دون ادنى استفادة، أما لو جرب احدهم الخروج مع أهله لوجد برفقتهم ما قد لم يخطر بباله، حيث ان الجلوس مع كبار السن في العائلة يرقي الخبرات ويجعلنا نتبصر بأمور خافية مهمة، وكذلك فإن اللهو مع الاطفال وصغار السن يخلق في المرء شعوراً بالمسئولية تجاههم، كما أن للحركات الطريفة والأسئلة المباغتة وغير المتوقعة لهم مذاقاً خاصاً ينسي الشباب عزلته والمشاكل التي قد يواجهها، وقد لاحظت ان الشاب يستطيع ان يقيم علاقات صداقة قوية من خلال الخروج مع أقربائه ممن هم في سنه ومناقشتهم في مختلف مناحي الحياة، وهذا بدوره يوسع من دائرة المعارف. تجربة مثمرة الشاب محسن عبدالمنعم يعترف بأنه تعود ومنذ صغره على الانعزال عن عائلته، كما ان علاقاته الاجتماعية محدودة لأقصى درجة والسبب في ذلك ربما يعود لكونه وحيد أبويه، وبمجرد ان سألناه عن أهمية اللقاءات الأسرية وجدناه يقول بكل حماسة وثقة، لولا ان والدي قد أجبراني على قضاء تلك العطلة معهما في احدى الامارات مع عدد كبير من أفراد العائلة لكان من المستحيل ان تروني هنا اليوم، فأنا بطبعي انطوائي وخجول، وهذا ما حدا بأفراد أسرتي وخاصة الشباب منهم لأن يعتقدوا انني متكبر ومغرور، حيث ستحيل عليهم رؤيتي في أية مناسبة، ولكن حدث ما غير نمط حياتي للأفضل وجعلني أكون علاقات متينة مع شباب من العائلة، حيث رافقت والديّ في العطلة ولأول مرة، ونظراً لأننا استأجرنا منزلاً واحداً كبيراً فقد كان من البديهي ان التقي الأهل يوميا، وقد بدأت عقدة لساني تنحل وبدأت اتحدث معهم جميعاً بشكل تلقائي، بل وقد كنت أسهر معهم ونتناقش في العديد من الأمور وبمشاركة الجميع، حتى والدي ووالدتي اللذين لم أكن أتحدث معهما سوى نادراً وجدت نفسي فجأة أرغب في مشاركتهما الحديث، بل ومجادلتهما أيضاً، وحتى بعد عودتي من الاجازة كنت أهاتف أقربائي ليأتوا لزيارتنا أو أذهب أنا إليهم، والواقع ان ذلك اللقاء العائلي كان بمثابة تجربة مثمرة أحمد الله تعالى انني خضتها بنجاح، والآن أجد نفسي مستغرباً من كيفية انني عشت ولسنين طويلة منقطعاً عن عائلتي دون سبب، والحقيقة ان صداقات أفراد العائلة هي أفضل بكثير من الصداقات البعيدة، ومثلما يقولون «اسأل مجرباً». مغامرات ومواقف وخلال جولتنا الاستطلاعية التقينا بالطفل حميد عبدالله الجسمي، والذي عاجلنا بالقول: ان العطلة هذا العام كانت افضل بكثير من اعوام سابقة حيث ذهبنا الى رحلة مع كل افراد العائلة، ولعبنا كثيراً، واتمنى ان تكون اجازتنا دوماً متوافقة حتى التقي بأطفال العائلة الذين لعبنا معهم واستمتعنا، كما ان علاقتي ببقية الاطفال اصبحت افضل بكثير، ولكن الذي حزنت عليه هو عدم مقدرة والدي على ان يكون معنا، فلو كان معنا لكانت الاجازة افضل بكثير، واتمنى ان يتحقق حلمي في ان يصحبنا والدنا خلال الاجازة حتى اتمكن من الجلوس معه واللعب والاكل برفقته، كما انني عرفت الفرق بين ان نخرج للعب مع اخواتي فقط، وبين ان يكون ابناء خالتي وخالي معنا، ففي السفر أو الاجازة تحدث مغامرات كثيرة، ومواقف ضاحكة مفاجئة ويمر الوقت بسرعة لنعود بعدها الى المنزل ونحن متشوقون للاجازة مرة اخرى. وتضيف شقيقته حصة الجسمي قائلة: ان للاجازة العائلية طعما مغايراً كما كنت اتصوره، ففي البداية كنا كأطفال نتشاجر مع بعضنا البعض، ولكن بعد ذلك مللنا المشاجرات واصبح كل هدفنا الاستمتاع واللعب، ولقد كونا فريقا من البنات وآخر من الاولاد وكنا نتنافس على من هو الاقوى، ومثلما ذكر اخي حميد فإن والدنا كان مضطراً للسفر نتيجة لظروف عمله ومع ذلك فاننا كنا نتحدث معه دوما عن الاماكن التي زرناها والمناظر الجميلة التي رأيناها وكذلك المغامرات الخفيفة التي كنا نقوم بها والواقع ان الاجازة الاخيرة كانت من افضل الاجازات فقد التقطنا لانفسنا صورا جميلة لتتمركز في ذاكرتنا تلك اللحظات التي نتمنى تكرارها. تواصل الاجيال وكذلك يشير راشد موسى ـ طالب الى ان اللقاءات الاسرية على فترات متقاطعة ولدت تواصلا بين الاجيال فمن المعروف ان الاب او الاخ الاكبر يكون في انشغال دائم عن الابناء والاشقاء وهذا الانشغال يحول وقت العطلات الى انسجام تام وحديث متواصل ما يعني التحدث عن الخبرات المتعددة او التجارب السابقة وهذا بدوره مفيد لنا حيث انه يكسبنا فائدة عميقة تكون بمثابة الاساس الذي تنمو به والذي يطور اسلوب تفكيرنا ويمهد لنا الطريق للسير قدما نحو كل ما نطمح اليه بجد ومثابرة وثقة لا متناهية فبالنسبة لعائلتي فان شقيقي الاكبر هو من هواة الترحال الدائم والاستكشاف للعديد من الامكنة الاثرية والرائعة التي تنتشر في دولتنا لذا فاننا نعتبرها فرصة للخروج عن الروتين وممارسة الهوايات كالجري ولعب كرة القدم والاهم من ذلك ان فترات الراحة من اللهو تعد بمثابة دروس غير مباشرة لنا نستوعبها بكل اقتدار وسعة صدر لذا فانني انصح كل رب اسرة بان يخرج من جو البيت الى الامكنة الفسيحة التي اعتبرها افضل مكان لتلقي الدروس دون وجود اية منغصات او حساسيات. تحليل نفسي وفي اطار تحليلها النفسي لايجابيات اللقاءات الاسرية تقول الباحثة النفسية مليحة المازم: نظرا لانشغال كافة افراد الاسرة سواء بالعمل الوظيفي او الدراسة فان الحاجة تكون ملحة لاستغلال الاجازات للالتقاء بالعائلة من شباب وكبار سن بل وحتى اطفال فما نلحظه ان الالتقاء المطلوب اصبح صعبا ونادرا لدرجة ان الفرد لو حاول استغلال عطلة نهاية الاسبوع لهذا الغرض فانه سيجد الامر صعبا فالوقت يمر بسرعة البرق دون ان نشعر ومن خلال تجارب العديد من الاشخاص لاحظنا ان الايجابيات من الالتقاء متعددة ومتشعبة وتشمل كافة افراد العائلة الواحدة حيث من الثابت انه يولد الود ويعمق الاشتياق للبعض بل وقد يتعداه الى اكتشاف مواهب جديدة وصفات بارزة لم يتخيلها المرء قط علاوة على ذلك فان بالالتقاء خارج حدود المنزل يستشعر المرء وجود اهل وعائلة لديه ما يدل على قوة الترابط والاندماج في المجتمع العائلي الذي يكاد يكون متفككا في وقتنا الراهن وليس بالضرورة ان يكون اللقاء شهريا او اسبوعيا انما حتى لو كان في السنة مرة واحدة فانه سيفي بالغرض من خلال الاندماج العائلي، مضيفة ان الايجابيات لا تقع وحدها على العائلة بأكملها فحسب بل انها قد تدخل البيت الواحد او الاسرة الواحدة بما تحويه من زوجة وزوج وابناء فترتقي بعلاقتهم بعضهم بعضا وتنمي بداخلهم المحبة والشعور بالمسئولية والاحتياج للآخر مما يعني في النهاية علاقة اسرية سوية قوية الاساس ومفعمة بأفراد ناضجين واسوياء. تحقيق: رابعة الزرعوني