تألقت مؤخرا على خشبة المسرح القومي في دور الابنة الوسطى للملك لير.. تمردت على ابيها ـ يحيى الفخراني ـ شاهدناها في عروض مسرحية للشباب وورش تجريبية.. وفي أدوار في أفلام لمخرجين شبان.. لها حضور خاص بها وكأنها لا تسعى لأدوار البطولة. في هذا اللقاء مع الممثلة سلوى محمد علي تروي لنا عن تجربتها ومسيرتها الفنية فتقول: درست في معهد الفنون المسرحية قسم تمثيل، وكان الفنان الكبير جلال الشرقاوي من الاساتذة الذين تأثرت واستفدت منهم كثيرا فهو معلم حقيقي لأصول الفن ورغم ما يقال عنه كصاحب فرقة ومنتج قطاع خاص فهو في داخل المعهد أستاذ كبير بحق وكان لي حظ ان أكون من اخر من تتلمذوا على يد استاذة اخرين كبار قبل ان يرحلوا عن عالمنا، فقد درس لنا أحمد البدوي فن الالقاء، والدكتور علي فهمي فن البانتوميم فقد كان مهما ان يعلمنا كيف نتصرف في لحظات الصمت، حتى المسرحية المليئة بالكلام فإن لحظات الصمت فيها مهمة جدا، ولعل هذا يفرق بين ممثل واخر لان الكلام اسهل من الصمت وقد علمنا الدكتور علي فهمي طريقة المشي وكذا الجلوس، وكذا كيفية تطويع الجسم حسب الشخصية كان عندنا وقتئذ حالة حماس وحب للمسرح وليس لمجرد الحصول على شهادة أو التعرف على المخرجين الذين يزورون المعهد للبحث عن وجوه جديدة، في وقتنا كان الاهتمام أكثر بالدراسة والقراءة وبمتابعة الأعمال المسرحية وكذا التأمل المتعمق. وكان لي حظ ان أكون في مجموعة الدكتورة نهاد صليحة التي كانت تختار من بيننا من يصحبها لمشاهدة المسرحيات، وكنا بعد المشاهدة نجلس معها لمناقشة وتحليل المسرحيات - وبعد ان تخرجت من معهد الفنون المسرحية 1983 التحقت بمعهد النقد الفني حبا في الدكتورة نهاد والاستماع الى محاضراتها. ـ ماذا عن أول أدوارك على خشبة المسرح؟ ـ أول أدواري على المسرح مع المخرج جلال الشرقاوي في مسرحية (على الرصيف) وأنا مازلت طالبة بمعهد الفنون المسرحية ـ أمام سهير البابلي التي كنا نعتبرها نموذجا لنا، كنا نراها بين الكواليس إنسانة بسيطة تتكلم بصوت منخفض، ثم تتحول الى وحش مسرحي حينما تدخل الى المسرح، كانت تدخر قواها وطاقتها الهائلة لتطلقها على المسرح. وكانت طبيعة المسرح التجاري تتسم الارتجال، وكانت سهير البابلي تجيد الارتجال يوميا بشكل فني، وقد ترك لها جلال الشرقاوي مساحة للارتجال، وكنا كممثلين بين الكواليس، وبيننا أحمد بدير نفسه، نستمتع بمشاهدتها وهي ترتجل. لكنني لم أنسجم تماما مع المسرح الخاص فعملت مع الثقافة الجماهيرية في أكثر من مسرحية ثم عينت في مسرح الطليعة الذي كان يديره المخرج الكبير سمير العصفوري وكنا بعد نهاية العروض نجلس معه ليحدثنا عن رؤيته وتجاربه وأفكاره مما استفدت منه كثيرا ومن مشاهدة أعماله مثل (المغنية الصلعاء) و(عسل بصل) ومن الورش التي كان يعدها لنا، وقد شاركت في مسرح الطليعة لمسرحيات عديدة مثل (شربة حنان) و(رحلة حنظلة) و (دقة زار) وفي مسرحية (الملك لير) برؤية مختلفة كوميدية باستخدام الاقنعة، وكانت بمثابة ورشة مهمة مع المخرج محمد عبدالهادي تعلمت منها كيف استطيع ان اعبر بصوتي وحده وأنا أضع قناعا على وجهي ـ وفي (دقة زار) أخذنا المخرج محسن حلمي لنحضر أكثر من زار. فعلا كان مسرح (الهناجر) باشراف الدكتورة هدى وصفي بمثابة ورشة تجريب.. ومن اهمها ورشة مع المخرج البولندي شاينا في كيفية تعامل الممثل مع الأدوات أو الاشياء أو (الاكسسوار) على المسرح وقد لمست في مهرجان المسرح التجريبي تفاعل ممثلي المسرح البولندي مع أدوات غريبة مثل المواسير ـ وعندما استدعى مركز الهناجر المخرج جواد الاسدي لاخراج مسرحية هاملت لشكسبير توقعت ان يسند الي دور أوليفيا وخاصة انني كنت صغيرة وقتئذ، فإذا به يسند الي دور حفارة القبور ـ وكان الدور أساسا لحفار وليس حفارة قبور وكانت تجربة مهمة دلت على انه ليس هناك مسلمات في الفن حفار القبور رجل يمكن ان يصبح حفارة قبور امرأة. ـ وماذا عن تجربتك مع ورشة الفنان اللبناني روجيه عساف في مسرحية 1882؟ ـ روجيه عساف معلم مسرح حقيقة.. وقد اقام للمشاركين معه ورشة مصدر متعة خصبة خاصة اننا محترفون، هو رجل مسرح يفهم ليس في الاخراج وحده يل في الديكور والملابس وفي التأليف، واثناء الورشة لا يبخل ويستطيع ان يستخرج منا أحسن ما فينا وقد علمنا ان المسرح تفان وعمل جماعي. بعض هؤلاء المخرجين الشبان قدموا أعمالا مهمة من بينهم أحمد العطار في مسرحية (الحياة حلوة) رغم انه عمره لا يتعدى 24 سنة الا انه ذو موهبة فقد كان هو المؤلف والمخرج وصاحب السيواغرافيا واقام لنا ورشة للتمثيل.تعلمت ايضا من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي فقد كان له اثر كبير فليس في مقدور كل فنان ان يسافر للخارج وقد احضر لنا المهرجان تجارب مهمة من كثير من البلاد. ـ في مهرجان عمان المسرحي فزت بجائزة أحسن ممثلة عن دورك في مسرحية الفرقة ماذا عن هذا الدور؟ ـ لا أعرف كيف احكي ادواراً ولكن المسرحية باختصار تتحدث عن شباب الستينيات المحبطين. قمت بدور احدى شابات الستينيات لا علاقة لها بالسياسة لكنها احبت رجلا منغمسا فيها، فقد رغبته الجنسية وتحاول ان تعيد له هذه الرغبة. ـ دورك الاخير في مسرحية (الملك لير) للمسرح القومي كيف وقع الاختيار عليك؟ ـ بعد تجاربي العديدة في هذا المسرح اصبح لي الشجاعة ان أطلب دورا بعينه ومن هنا اتصلت بالمخرج أحمد عبدالحليم وبطل العرض يحيى الفخراني وطلبت ان اقوم بدور الابنة الوسطى للملك لير ريجين والحمد لله وافق، وكانت فرصة ان أمثل مع ممثل كبير هو يحيى الفخراني.. احتكاك وتأمل.. ومع ممثلة كبيرة هي سوسن بدر، أنا من أشد المعجبين بها ورأيي انها لم تأخذ حقها كما يجب.. هي ممثلة مسرح ومن الطراز الأول يا ليتها تتفرغ للمسرح والسينما فهي أكبر من التلفزيون.. كنت ألاحظ وأنا اشاهد الافلام المصرية أن كثيرا من الأدوار تسند الى ممثلي مسرح وخاصة افلام يوسف شاهين.. من بين الممثلين الذين اعجبت بهم ملك الجمل ونعيمة وصفي ونادية السبع وشفيق نور الدين وأحمد الجزيري لن انسى مشاهد لملك الجمل في فيلم (شفيقة ومتولي) في دور القوادة مع سعاد حسني.. أدت الدور ببراعة شديدة. انا مثل هؤلاء الممثلين.. لا اسعى للنجومية أردت ان اعمل في هذه المنطقة في المسرح أو السينما. وعموما كل الممثلين حتى المسرحيين منهم يتمنون العمل في السينما.. لان المسرح اذا كان الحياة، فإن السينما هي الخلود.. وعندنا في السينما تراث كبير.. أنا معجبة مثلا بليلى مراد كممثلة.. عقيلة راتب كائن رائع لم تأخذ حقها.. لا أنسى دورها الصعب في فيلم (السراب) العلاقة الحساسة بين الأم وابنها نور الشريف.. طبعا لا ننسى دور سناء جميل في (الزوجة الثانية) و(بداية ونهاية) كل هذه أمثلة لممثلات مسرح تفوقن في السينما ولم يقدمن أدوارا سهلة.. ومن هنا كانت مشاركتي في أفلام التخرج لمعهد السينما.. مواهب شابة اعترف انني تعلمت السينما على أيديهم فهناك فرق بين تكنيك السينما وتكنيك المسرح.. أذكر مثلا عملي مع المخرجة هالة خليل في فيلم (طيري يا طيارة) ثم عملت مع مخرج محترف هو مجدي أحمد علي في فيلم (البطل) في دور صغير، لكن دوري في فيلم (الأبواب المغلقة) أول فيلم للمخرج الشاب عاطف حتاتة كان أكبر وأهم.. لأن عاطف حتاتة يعرف ماذا يريد وقدم فيلماً (تحفة) في السينما المصرية.. ومع المرحوم سامي الباجوري في فيلم (كرسي في الكلوب) وافتخر انني عملت مع المخرج عاطف حتاتة والمخرجة هالة خليل.. أرى ان السينما هي المخرج وان الممثل في السينما يجب ان يكون (اداة طيعة في يد المخرج).