الإسلام يواجه اتهامات كثيرة من الغرب مثل الاتهام بالتطرف والإرهاب والدموية وأنه دين التخلف ومعاداة الحضارة وأنه يدعو أتباعه إلى رفض التقدم العلمى والتكنولوجى، وهناك شبهات وافتراءات كثيرة اخترعها المستشرقون وعملوا على نشرها لتشويه صورة الإسلام والمسلمين فى الغرب. والمشكلة ليست فى رجل الشارع الغربى أو الشعوب الغربية فهذه الشعوب ليست فى خصومة مع الإسلام والمسلمين وانما المشكلة فى صانعى القرار الغربيين الذين يؤمنون بأن المشروع الحضارى الإسلامى يمثل خطرا على مصالحهم وبالتالى يكلفون بعض الباحثين باختراع نظريات ترسخ العداء بين الإسلام والغرب وتثبت التفوق للحضارة الغربية وتحاول إقناع السذج بأنه لا توجد حضارة اسلامية فى الأساس. وقد أثارت هذه القضية ضرورة تحديث الخطاب الإسلامى الموجه للعالم الغربى وتأهيل الدعاة والإعلاميين والسياسيين القادرين على شرح وجهة النظر الإسلامية فى القضايا المختلفة وايجاد وسائل للتواصل مع الغرب. حول هذه القضية يدور حوارنا مع الدكتور محمد نبيل السمالوطى عميد كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر. ـ لماذا يتهم الإسلام بالتطرف والإرهاب من جانب الغربيين ؟ هذا يرجع إلى ان صورة الإسلام لدى رجل الشارع فى الغرب ولدى صانع القرار السياسى والاقتصادى والعسكرى الغربى مشوهة وهذا يدفعهم إلى توجيه الاتهامات للإسلام والمسلمين وكذلك رسم خرائط جديدة للعالم الإسلامى جغرافية من خلال تقسيم بعض البلاد وخرائط ثقافية وفكرية من خلال التدخل السافر فى البناء التعليمى والتربوى وخرائط سياسية من خلال احداث قلاقل ودعم نظم معينة والإطاحة بنظم آخرى وهذه الصورة المشوهة يتخذها الغرب ذريعة لإبادة وقتل المسلمين فى أفغانستان والشيشان وفلسطين وكشمير والعراق وغيرها وهذه الصورة المشوهة هى أيضا التى جعلت بعض المتطرفين الغربيين يؤكدون ان الإسلام هو العدو البديل للشيوعية وبالتالى لابد من شن حرب صليبية جديدة ضد المسلمين أيضا الصورة المشوهة جعلت حقوق المسلمين تنتهك فى كل مكان. الصهيونية ـ لكن من الذى يقف وراء هذه الصورة المشوهة للإسلام والمسلمين من وجهة نظركم ؟ هناك مراكز تبحث وتخطط ومصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية تقف وراءها الصهيونية العالمية والمصالح الرأسمالية الغربية التى تمتلك المال والخبرة والتكنولوجيا المتقدمة القادرة على توظيفها فى تشكيل الرأى العام والاتجاهات والثقافة سواء من خلال الإعلام وآليات البناء الفكرى المؤثر فى الغرب من صحافة وسينما وتلفزيون ومسرح وقنوات فضائية ومراكز للبحث وتزييف للعلوم واخراج نظريات زائفة خاصة فى مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية فصناع السياسة فى الغرب وظفوا مجموعة من الباحثين وضعوا نظريات مثل التحديث ونهاية التاريخ وصراع الحضارات وانتصار الليبرالية - وهذه النظريات لكل من رستو وفوكوياما وهنتنجتون وتوماس فريدمان وهؤلاء أطلقوا نظرياتهم بعد تكليفهم من الأجهزة الرسمية فى أمريكا خاصة الخارجية والمخابرات المركزية وهم جنود فى تلك الأجهزة وهذه الأجهزة الرسمية فى الغرب حددت علاقتها بالإسلام والمجتمعات الإسلامية على أنها علاقة صراع. ـ إذا كانت الأوضاع بهذه الصورة التى أوضحتموها فكيف نستطيع تغيير الصورة المشوهة إذن ؟ وكيف نقنع رجل الشارع وصانع القرار فى الغرب بأن الإسلام دين سلام وتقدم يؤمن بالتنوع الحضارى والثقافى ؟ - تغيير صورة الإسلام فى العالم يتطلب تغيير صورة المسلمين وتغيير واقعهم المتخلف فى كثير من المجالات وتطبيق الإسلام بقيمه وتعاليمه ونظمه وسلوكياته فى الواقع الإجتماعى وعلى أية حال لابد من طرح مجموعة أساليب أو آليات تنبثق عن خطط مدروسة مثل العمل على الوصول إلى رجل الشارع الغربى من خلال وسائل الإعلام وترجمة حقائق الإسلام إلى اللغات المختلفة والتواصل مع النظريات المنصفة التى أقرت بفشل البناء الثقافى الغربى وأكدت إفلاس الحضارة الغربية وعبرت عن بؤس الإنسان الغربى حتى فى ظل الوفرة المادية وعن جدب الحضارة الغربية بسبب ابتعادها عن قيم الحق والخير والتعاون وتحرير الإنسان وتشجيع المسلمين فى الغرب على الاقتداء باللوبى الصهيونى وما يستخدم من آليات سياسية واجتماعية واقتصادية حتى يتمكنوا من التأثير فى الرأى العام وصانع القرار الأمريكى والغربى وتفعيل دور الأجهزة والمؤسسات الإسلامية الدعوية والإعلامية وغيرها سواء الرسمية وغير الرسمية للتعريف بحقيقة الإسلام وما يعانيه المسلمون بسبب الهيمنة الغربية والصهيونية وأن تتواصل هذه المؤسسات مع المؤسسات المناظرة لها فى الدول الغربية والأخذ باسلوب التخطيط العلمى لتغيير الصورة المشوهة والتوسع فى ارسال القنوات الفضائية بحيث نتمكن من مخاطبة الآخر ولا نظل نكلم أنفسنا. الخطاب الإسلامى ـ البعض يطالب بتحديث الخطاب الإسلامى لمواجهة الاتهامات الغربية للإسلام والمسلمين من جهة وتحسين صورة الإسلام من جهة آخرى فهل يعد تحديث الخطاب الإسلامى ضرورة فى الوقت الحاضر؟ - نعم أنا مع تحديث الخطاب الإسلامى سواء من حيث الشكل والآليات وأساليب التأثير مع الاحتفاظ بالطبع بجوهر الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا والتركيز على الجوانب التى تجعلنا نتواصل مع الآخرين وتوضيح ان الإسلام يدعم المنهج العلمى وانه يجعل بناء المجتمع القوى علميا وتكنولوجيا الذى يأخذ بأحدث أساليب العلم والإسهام فى التقدم العالمى واجبا دينيا أيضا. ينبغى على الخطاب الإسلامى أن يبرز موقف الدين من متغيرات العصر ومن التعددية والحوار والشورى أو الديمقراطية والتركيز على تجريم الإسلام للعنف والإرهاب والتطرف وان يتسم الخطاب الإسلامى بالسماحة والبعد عن التعقيد ومعالجة القضايا المعاصرة التنسيق ـ لكن فى الواقع العملى كيف يتم تجديد الخطاب الدينى وما الذى يجب أن يأخذه الداعية أو الإعلامى أو رجل السياسة فى الاعتبار ؟ - التجديد يجب ألا يقتصر على الكلمة المسموعة أو المرئية وإنما يجب أن يمتد إلى الأحاديث والخطب والمناظرات والمحاضرات والحوارات فعلى سبيل المثال يمكن اعداد أعمال درامية باللغات الأجنبية مع العناية بكتابة النص بحيث يتفق مع الذوق الغربى ويوصل الرسالة التى نريد أن نوصلها للغربيين أيضا يجب أن يكون مصدر الخطاب الإسلامى هو القرآن والسنة وأن يوجه إلى عقل الإنسان الناضج وأن يراعى تفاوت عقول الناس والمستويات العمرية والثقافية والاجتماعية لجمهور المتلقين وان يتم اختيار الموضوع المناسب للمكان المناسب والزمان المناسب إلى جانب ذلك يجب أن يكون الخطاب الإسلامى متسما بالوضوح واليسر والجاذبية وأن يوضح الفرق بين الإسلام كعقيدة وشريعة وأخلاق وبين واقع المسلمين وأن يلعب العقل والاجتهاد البشرى الدور الأكبر فى هذا الخطاب ويجب ألا يتصدى للخطاب الإسلامى إلا المؤهلون من النواحى الشرعية والاجتماعية والنفسية واللغوية والتنسيق بين المشتغلين بالخطاب الإسلامى الموجه للدول غير الإسلامية والابتعاد عن التشدد والتعصب فى عرض حقائق الإسلام. المستشرقون البعض يحمل المستشرقين المسئولية الكبرى فى تشويه صورة الإسلام فى الغرب فهل تتفقون مع هذا الرأي؟ - فى الواقع كثير من المستشرقين يعرفون حقيقة الإسلام لكنهم يشوهون صورته سواء أكان ذلك لأهداف شخصية أم تحت تأثير النفوذ الصهيونى والحملات الصهيونية التى تعد بشكل علمى مخطط وبطريقة محكمة وهؤلاء يقومون بإثارة الشبهات والافتراءات حول الإسلام واستطاعوا أن يغرسوا فى نفوس وعقول الشعوب الغربية صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين ولذلك نحن مطالبون بمواجهة هؤلاء المستشرقين وتفنيد الشبهات التى يثيرونها وتوصيل وجهة نظر الإسلام الصحيحة إلى الشعوب الغربية. ـ ما أسباب كل هذا العداء الغربى للإسلام من وجهة نظركم ؟ - العداء الغربى للإسلام ليس بسبب ان الإسلام يدعو إلى الإرهاب والتطرف والتخلف والتعصب كما يشاع فى الغرب وانما لأن المشروع الحضارى الإسلامى - الذى لم يجد طريقه للتطبيق فى الواقع المعاصر فى المجتمعات الإسلامية - يتصادم مع مصالح الاحتكارات والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية فى الغرب وهذا هو السبب الرئيسى للعداء الغربى للعالم الإسلامى وتشويه صورة الإسلام والمسلمين وتغذى هذا العداء - كما ذكرت - الصهيونية العالمية وأعتقد أن الإنسان الغربى ليس فى خصومة مع الإسلام والمسلمين وإنما الخصومة والعداء تأتى من صناع القرار الذين تتصادم مصالحهم مع المصالح الإسلامية ولعل أفكار نهاية التاريخ وصراع الحضارات تعد شكلا من أشكال التطرف الغربى تماثل التطرف أو الغلو فى الدين عند المسلمين أو المسيحيين أو البوذيين وهذه الأفكار لا تمثل رأى رجل الشارع الغربى لأن التيار الأساسى فى الغرب معتدل ومتوازن فى علاقته بالإسلام. البعض يرى أن هذا العداء يرجع للخلاف الكبير بين الحضارتين الغربية والإسلامية فهل هذا الرأى صحيح ؟ - هذا غير صحيح لأن عقيدة الإسلام نفسها لا تكتمل ولا تصح إلا بالإيمان بجميع الأنبياء والرسل والرسالات السابقة ايضا كل من الحضارة الإسلامية والغربية تنبثق من الأديان التى انتشرت فى المنطقة العربية وقيم الإسلام والمسيحية واحدة فى الإيمان بإله واحد وبيوم الحساب أيضا هناك وحدة فى القيم وفى النظرة لقيمة الإنسان وحقوقه وضرورة احترامه واذا كانت هناك اختلافات ثقافية فهذا يدعم النمو والتفاعل والتعاون بين الشعوب وليس من المنطقى اختزال ثقافات العالم فى ثقافة واحدة لأن الهيمنة الثقافية أمر مستحيل فكرا وتطبيقا وحتى مبادئ الليبرالية الغربية ومبادئ القانون الدولى ومبادئ المنطق البشرى تؤكد التنوع فى الهويات الوطنية والثقافية إلى جانب ذلك من المعروف ان الحضارة الغربية قامت على علوم الحضارة الإسلامية وبالتالى لا مجال للعداء أو الصراع بينهما فالحضارات لا تتصادم أو تتصارع وإنما تتعاون وتتكامل ويستفيد كل منها من الآخر.