يواصل المؤرخ السينمائي جي جوتييه في هذه الحلقة رصده لابطال ومؤسسي السينما المباشرة حيث يقول في بداية اكتشافاتهم اطلق هواة التجريب عدداً من الصيغ التعسة واكثرها تعاسة هي صيغة «سينما الحقيقة».. من أول من استخدمها؟ روش وموران غالباً، لكن جورج سادول هو الذي اعترف بذنبه معلناً انه ابتعثها من الطليعة الروسية بناء على خطأ في الترجمة: كان دزيجا فيرتوف قد بدأ جريدته السينمائية «كينو برافدا» في نهاية العشرينيات، لكنها كانت مجرد «ملحق سينمائي للبرافدا» الامر الذي دعا بعض الالسنة اللاذعة، الى القول بأنها لا علاقة لها بالحقيقة مثلها في ذلك مثل تجوالات روش الباريسية والسينمائية، فيما يخص فيرتوف الذي لم يكن قد اعيد اكتشافه في فرنسا، كان الامر ابعد ما يكون عن ادعاء الحقيقة، من خلال «سينما العين» الخاصة به تلك الحقيقة التي كانت تقدم بحذافيرها، كان فيرتوف يصور «مباشرة» في الشارع، لكنه كان يمتلك طريقة خاصة في المونتاج تشهد عليها رائعته «الرجل صاحب الكاميرا». دعنا من فيرتوف يبقى الجد الآخر الاكثر قابلية للفهم والاستعارة الذي صور فيلم «نانوك» احد روائع الفالتسجيلي، المخرج روبرت فلاهرتي، كان يصور الواقع جيداً ـ ما نحاً الصورة نوعا من الشفافية ـ لكنه كان يجهل، لاسباب معينة، الصوت المتزامن والخامات الخفيفة وكان يخرج الواقع بعناية فائقة تليق بمخرجي الافلام الروائية الذين يستعينون بممثلين، رغم ذلك كان فلاهرتي رائداً يستحق العرض. بعد البحث عن شرعية تاريخية بشكل لا يمكن تجنبه ـ لكي نجدد علينا ان نهتم باكتشاف الخلفيات ـ جاء وقت الحوار بعمق، علينا ان نذكر بأن السينمائيين المهتمين بالفيلم الروائي لم يعنوا قط بهذا الحوار، على الرغم من ان الموجة الجديدة، في أوج انطلاقها آنذاك، كانت تطالب بالاسترخاء والتصوير بحرية: اطلق فيلم «على آخر نفس» 1958 العنان للمشاعر الفياضة واعترف جودار مخرجه عدة مرات بأنه يدين لجان روش، لكن هذه السينما كانت تفوح برائحة الفيلم التسجيلي والعلوم الاجتماعية الصاعدة بحيث لم يكن من الممكن ألا تثير الحذر منها. كان السؤال هو معرفة اذا ما عاد السينمائيون الجدد بمقتطفات حارة من الواقع الحي في شباكهم بحيث تستطيع ان تتحمل التبريد والتجميد؟ تدهشنا اليوم، بعد احساسنا بالاكتفاء الناتج عن البعد، السذاجة الممزوجة بالمشاعر الجياشة التي تميز من هم «مع» ومن هم «ضد» والواقع ان الجدل لم يحسم كما اعتقد من هم «ضد» ومن فازوا بالنقاط. لقد اصبح الجدل اكثر رهافة، اكثر تحديدا للحج، ولجأ الى الهوامش، غير ان السينما المباشرة التي طردت خارج قاعات العرض مع السينما التسجيلية «بسبب السوق طبعا» والتي اصبحت مبتذلة الى حد الغثيان بسبب التلفزيون، اتيح لها الوقت لاثبات نفسها، دون ان تتمكن حقا من مواجهة جمهورها. قال ابطال السينما المباشرة بشكل أساسي «ومازال بعضهم يردد ذلك ولكن في الفراغ» ولو كان قد اتيح للشهود استخدام هذه الاداة في الماضي لاحتفظت البشرية بذاكرة حية ولتغير سلوكنا نتيجة لذلك. ان تراكم هذه المواد هو عمل «من اجل مستقبل العالم» واجاب اصحاب النزعة التقليدية والعماء، هما ايضا بترتيب مشتت، ممن ارادوا حصر السينما المباشرة في مجرد عملية تجديد تقني: ليس التراث هو صانع المستقبل، حتى وان حدث ذلك، فان الشاهد هو الذي يصنع القصة/التاريخ من خلال اختياراته اثناء التصوير (فهو يصور ما يريد وقتما يريد) ثم أثناء المونتاج. اما الفن فلا علاقة له بالتقنية. بعد مرور نحو ثلاثين عاما، اصبح ممكنا التقويم الهادئ للامور على ضوء الكم الهائل من الافلام المكدسة.. في الادراج غالبا. بالاضافة الى المخزون الهام من افلام المركز القومي للفيلم «كندا» التي لا تعد كلها بالطبع اعمالا متميزة، ولكنها تظل المصدر الاكثر اتساقا والاسهل منالا، وبالاضافة للافلام التي تحسب ضمن اعمال مخرج ما دون ان ينفصل اسمها عن «روح السينما المباشرة» «وهي حالة كريس ماركر وجوريس ايفانز»، تظل هناك الاعمال غير المكتملة لبعض السينمائيين القريبين والبعيدين غالبا، كمرجع. خصص اثنان عن السينمائيين على الاقل اعمالهما للسينما المباشرة بمعن انه بدون وجود السينما المباشرة لا يكون لهذه الأعمال وجود يذكر: وهما المخرج الكندي (من كيبكك) بيير بيرو والمخرج الأميركي فردريك وايزمان، اللذان سبق ذكرهما بكثرة اهتم الاول بتعريف بلده، متجولا بين ربوعها بحثا عن البشر، واستعرض الثاني بشكل منهجي المؤسسات الكبرى في الولايات المتحدة من محال ومستشفيات وسجون الخ. كل شيء يميز بينهما في مسارهما وكل شيء يقرب بينهما في عنادهما. ترك المخرج الفرنسي جان روش، بأعماله الاثنوجرافية الافريقية، مجموعة متناسقة تماما من الأفلام، لكنه يظل اكثر استغلاقا على الفهم، وقد تملكته بلا شك روح السينما المباشرة هو ايضاً، وان كان أكثر ميلاً للطرق المختصرة وأكثر شهرة في أوساط عشاق السينما. هناك مخرج فرنسي رابع هو ريمون دوباردون الذي دخل عالم السينما متأخراً والذي يعد أكثر كتماناً في طريقته وفي مشروعه ويشكل القمة الرابعة في هذا المربع الشهير. ومعذرة لريتشارد ليكوك (الولايات المتحدة الاميركية) وكولين لو (كندا، المركز القومي للفيلم) وجاك لودوك (كيبك، المركز القومي للفيلم) صاحب «وقائع الحياة اليومية»، ومانو بونمارياج (بلجيكا) صاحب فيلم «ألو، الشرطة» ويوري بودنيكس (الاتحاد السوفييتي) الذي أعلن في الغرب عن السينما المباشرة الروسية من موقعه على أطراف الاتحاد السوفييتي بفيلمه «هل من السهل ان تكون شاباً؟»، ومعذرة ايضاً لبعض السينمائيين الذين نذكرهم ربما ضد رغبتهم ضمن هذا المربع. فهم يحسبون هذا الحساب الختامي أو ذاك.