بينما كان يشق طريقه عبر ارض غابة كثيفة، اشتم ألفريد وايتهاوس رائحة كبريتية حادة ولم يكن هناك لهب او دخان باديان للعيان. وعلى امتداد أميال في الجوار، لم يكن هناك وجود لشيء سوى الغابة المطرية الاندونيسية الكثيفة ولكن من خلال الرائحة اعتقد ألفريد العالم الجيولوجي انه يقف تماماً فوق النار وذلك لأنه كان يوجد على عمق بضعة أمتار تحت قدميه شق يتوهج من الفحم الحجري. تندلع حرائق الفحم الموجود تحت الارض في اماكن عديدة في العالم وتضم الولايات المتحدة بضع عشرات من هذه الحرائق التي تشتعل معظمها بفعل قيام بعض الاشخاص بحرق النفايات في مناجم مهجورة وتندلع حرائق اخرى في المناجم في كل من الهند والصين واستراليا ولكن حرائق الفحم الموجود تحت الارض في اندونيسيا تعتبر من بين اعنف الحرائق على وجه الارض. لقد اعتاد الاندونيسيون على الحرائق التي لا يمكن السيطرة عليها فعلى امتداد شهور في عامي 1997 و1998، غطت مدنهم سحب من الدخان والضباب مع احتراق ملايين الهكتارات من الغابات وعادت الحرائق هذا العام بعنف أكثر من السابق. وتعود المسئولية عن اشعال غالبية هذه الحرائق الى الحطابين، ولكن الكثير منها يحدث في مناطق نائية وغير مأهولة ويبدأ في ايام خالية من البرق وعندما تكون السماء صافية وقد بدأ الباحثون يدركون بأن احتراق صدوع الفحم الحجري تحت سطح الارض يمكن ان يكون هو الملام في اندلاع الحرائق ويقود وايتهاوس بتكليف من الحكومة الاندونيسية، جهداً جديداً يهدف الى حماية الغابة من خلال اطفاء هذه الحرائق المندلعة تحت الارض مرة واحدة والى الأبد. ان السيطرة على صدع مشتعل واطفاءه ليست بالمهمة اليسيرة فهذه الحرائق يمكن ان تشتعل في اي مكان يتراوح عمقه بين متر واحد تحت سطح الارض الى عشرة امتار ويمكن ان تمتد الى عشرات الكيلومترات وربما يكون اشهر حريق لصدع فحمي في التاريخ هو ذلك الذي اندلع في عام 1961 في بلدة سنتراليا بولاية بنسلفانيا، وذلك عندما قرر احد السكان ان يحرق بعض النفايات في حفرة منجم قديم للفحم الحجري فأشعلت النار صدعاً للفحم الحجري كان يمتد لعدة كيلومترات وعلى امتداد السنوات القليلة التالية، حاولت سلطات البلدة ان تصب الماء على الحريق وتسد الفتحات بالاسمنت وحتى ان تقوم باستخراج الفحم المحترق ولكن عندما ارتفعت التكلفة الى ملايين الدولارات اتخذ القرار بترحيل سكان البلدة البالغ عددهم 1100 نسمة. واليوم تعتبر سنتراليا مدينة أشباح، ويتوقع الباحثون ان يستمر اشتعال النار قروناً متتالية وهذه القصة لمحاولة مطولة وغير ناجحة لاطفاء حريق تحت الارض تتكرر عاماً بعد عام في جميع انحاء العالم وفي عام 1999، قرر علماء الجيولوجيا في محمية اوتي الهندية بولاية كولورادو ان يهاجموا حريقاً فحمياً جديداً بطول 1.4 كيلومتر كان يدمر غابة محلية ويهدد طريقاً عاماً وقد انفق المسئولون قرابة مليون دولار في ضخ خليط من الاسمنت ورغوة معينة الى داخل الفتحات التي كانت تغذي النيران بهدف تقسيمها الى اجزاء صغيرة واخمادها تدريجياً. وبدا ان هذا الاسلوب ناجح ثم وبعد مضي بضعة اسابيع، فتح صدع جديد على بعد مئات الامتار فعادوا الى المربع الاول. وتعتبر هذه التجربة نموذجاً لأولئك الذين حاولوا ان يخمدوا النيران المندلعة في الصدوع الفحمية وفي بداية التسعينيات، ادار وايتهاوس فريق اطفاء يتخذ من مكتب التعدين السطحي في واشنطن العاصمة نجح في اخماد عدد من حرائق الفحم الحجري العنيدة في الولايات المتحدة وبمساعدة خبرتهم الطويلة، توصل وايتهاوس وزملاؤه الى نتيجة مفادها ان اي محاولة لاخماد حريق تحت الارض او تبريد الصخور حول الفحم لمنع اشتعاله محكوم عليها بالفشل وتعلم الفريق بالتجربة انه عندما تكون النار مشتعلة بشدة فإن افضل استراتيجية للتعامل معها هي التخلي عن كل شيء وصلت اليه النار واقامة حاجز للحريق في طريق ألسنة اللهب. ومن خلال استخراج الفحم خارج حدود النيران، فإن الفكرة تكمن في قطع اللهب عن باقي أجزاء الصدع ومنعه من الانتشار وقد نجحت هذه الاستراتيجية في مواجهة العديد من حرائق الفحم الاميركية، وبخاصة في المناجم حيث يعتبر موقع الصدع معروفاً تماماً والآن يحاول وايتهاوس تطبيق تلك الاستراتيجية في اخماد حرائق الفحم في اندونيسيا وقد نجح في بعض المهام، ولكن لا يزال الطريق أمامه طويلاً لكي يفلح في انقاذ الغابات الاندونيسية المطرية والحيوانات التي تقطنها من خطر الحرائق التي تهدد الانسان ايضاً. ضرار عمير