ارتبط اسم معسكرات العمل الالزامي أو «السخرة» السيبيرية منذ زمن بعيد بأسرار اشكال القمع وتفيد التقديرات، بأن حوالي 50 مليون شخص قضوا نحبهم في معسكرات السخرة السوفييتية في عهد جوزيف ستالين، وقد تركت غابات التندرا المتجمدة في الشرق ندبة لا تمحى في اعماق النفسية الروسية، ولكن الارض الجرداء الشاسعة في روسيا كانت منفى للاشخاص غير المرغوب فيهم قبل اندلاع ثورة عام 1917، ومما لا شك فيه ان هذه الثورة قد حررت الكثيرين ممن كانوا محتجزين هناك لسنوات. وخلال عهد آل رومانوف، كان يتم نفي المجرمين والخصوم السياسيين الى شرقي سيبريا، ثم يتم اخضاعهم لاعمال السخرة، وفي الفترة الممتدة بين عامي 1754 و1885 تم ترحيل ما يقارب 1.2 مليون سجين، وهذا الاجراء لم يؤد فقط الى التخلص من المجرمين بأقل التكاليف بالنسبة للحكومة وانما وفر ايضا عمالة رخيصة للمناجم التي كانت ملكية خاصة للقياصرة، وساعد ذلك ايضا على استيطان سيبيريا، موسعاً حدود روسيا القيصرية. كان يتعين على هؤلاء المدانين ان يقطعوا ألوف الاميال للوصول الى تلك المعسكرات وعلى الاقدام في معظم الاحيان، وكان يمكن لتلك الرحلة ان تستغرق ثلاثة اعوام، فكان نصف العدد الموجود في كل قافلة يموت في الطريق. هكذا كانت حالة الرجال والنساء المرهقين الذين شكلوا الجموع المنبوذة، وقد دفعت تلك الحالة بالقرويين الى الاصطفاف على جانبي الطريق لتقديم الخبز والملابس لهم. وقد تحمل أولئك الاشخاص الذين نجوا شقاء رهيباً لدى وصولهم الى معسكرهم في النهاية، فبعضهم عمل على ما اصبح يعرف بعد ذلك باسم سكة الحديد العابرة لسيبيريا او في مناجم الفضة والرصاص بمقاطعة نيرتشنك ومصانع الملح في اوزولي، وتم ارسال الآخرين الى مناجم الذهب في كارا وكانوا مجبرين على استخراج ثلاثة آلاف وستمئة رطل من الذهب لخزنة جلالته. كان الرجال يكدحون في المناجم وسط ظلام دامس وارجلهم مشدودة الى الارض بالسلاسل، كثيرون منهم ماتوا من جراء الغازات السامة، اما اولئك الذين لم يعتبروا مجدين بما فيه الكفاية فكان يتم جلدهم بالسياط حتى الموت في بعض الاحيان، وعقاب العصيان أو ما هو دون ذلك كان شيئاً لا يخطر على البال في بشاعته، وكان يتراوح ما بين حلق نصف رؤوس السجناء الى احتجازهم مربوطين بالسلاسل في حفرة معتمة تحت الارض لعامين او ثلاثة اعوام، ولكن العقاب الاكثر صرامة كان يلقب بـ «الثعلب» ويتلخص في ربط عمود من الخشب او الحديد يزن 48 رطلاً بسلاسل السجين لسنوات عديدة. اما الحصص الغذائية، فكانت تتألف من خبز الجاودار والحنطة السوداء وبعض اللحم احيانا، ولكن بكميات لا تزيد تكلفتها على روبل واحد في الشهر. واثناء فصل الشتاء، وعنمدا تكون الارض قد تجمدت بقوة، يتم انقاص الحصص الغذائية عن ذلك. وكان يتم ايواء أولئك المحكومين في مبان متداعية، كان الازدحام فيها ظاهرة مستحكمة مما ادى الى تفشي امراض اهمها التيفوئيد والاسقربوط. ومع ذلك فإن الهرب كان أمراً ممكناً، فالغابات التي تغطي ألوف الاميال المربعة من سيبيريا اخفت في احدى المرات مجموعة كبيرة من الهاربين الذين استطاعوا بتوجيه من النجم القطبي او بالاستدلال من خلال الاشنة على الاشجار، ان ينجحوا في شق طريقهم من الشرق الى الغرب، ولكن لم يستطيعوا جميعهم ان يتموا الرحلة، فالبعض منهم مات من جراء الارهاق او البرد، بينما قتل آخرون على يد القبائل المرتحلة الذين كانوا يقبضون مكافأة حكومية لقاء الانقضاض على الفارين. وبالنسبة لاولئك الاشخاص الذين بقوا في المعسكرات، فإن المستقبل لم يكن افضل حالاً، فحالما تنتهي محكومية السجين، كان يتعين عليه ان يعيش بالقرب من المنجم مع عائلته، اذا كانوا قد لحقوا به، وكان يطالب بالعمل كالمحكومين ولكن بدون الاغلال. جاء الفرج لعمال السخرة المحتجزين في المعسكرات بعد الثورة البلشفية في عام 1917 عندما صدر عفو عن السجناء السياسيين والكثير من المجرمين. وكان من اولئك الذين اطلق سراحهم ناشط اشتراكي شاب، يدعى جوزيف ستالين.