فجأة ينقبض قلبك وتشعر بقشعريرة لا تعرف أسبابها فيتملكك الخوف وتظل قلقاً الى ان تزول الحالة بمعرفة اسبابها او انتفائها، واحياناً تأخذك التوجسات والخوف من الغد المجهول لأن تفكر في طرق تتفادى بها ما هو غير متوقع، ويتأخر احد الابناء خارج البيت فلا يرتاح بالك الا حين يعود، وامثلة كثيرة من هذا النوع تقودنا في النهاية الى الشعور بالخوف، لكن هناك انواع اخرى من الخوف تسيطر على بعضنا حين ندخل في مكان مظلم مثلاً، او حين ننظر من الاماكن المرتفعة فنشعر بالدوار والخوف، كذلك ركوب البحر يمثل لفئات معينة بعضاً من الرهبة كما هو الحال مع الطائرة ومع ان افلام الرعب وما تحتويه من مشاهد قاسية ومقززة تجعل احدنا يضع يديه على وجهه الى ان ينتهي المشهد الا اننا نصر على متابعة الفيلم حتى النهاية ولا نتورع ان نبحث عن فيلم آخر يعطينا نفس الاحساس بالخوف، انها النفس البشرية التي لا تزال دواخلها تحير علماء النفس ولم يزل الكثير منها حتى الآن غامضاً وعصياً على التفسير والتحليل، وفي الشق الآخر اذا كانت الشجاعة هي المقابل الطبيعي للخوف ولا احد منا يرتضي ان يوصف بالخائف او الجبان فما هو دور التربية والحكاية الطفولية التي لا يزال البعض يرددها على مسامع الاطفال حتى يصدوهم عن الاشياء غير المرغوب فيها، كأن تردد اسماء لحيوانات خرافية لا وجود لها حتى ينام الطفل مثلاً، فهل لذلك اثر في تشكيل نفسية المرء منذ الصغر فيكبر والخوف يعشش في جانب اللاوعي عن ذاكرته؟، وهل العتمة وتخوف البعض منها ترتبط بشكل غير مباشر مع الخوف من المجهول؟، واذا رأينا حادث سير الى اي مدى نستطيع التوقف وتقديم المساعدة لانسان يحتضر؟ وهل هذا يتطلب قدراً من الشجاعة امام رؤية الدماء، ام ان اللحظات العصية تغطي على مساحة الخوف داخلنا؟ هذه الاسئلة وغيرها طرحتها «دنيا الناس» على فئات مختلفة من الجمهور وكان ما يلي:من وجهة نظر سمير مبارك «موظف» ان الخوف هو صفة تلازم الكثيرين من الناس لكننا يجب ان نفرق بين خوف على مصالحنا ومستقبلنا واولادنا والخوف بمفهومه العام، فالانسان عندما يعمل حساب الايام المقبلة لا نستطيع ان نصفه بالخوف بقدر ما هو حريص على ألا يقع فريسة لظروف غير متوقعة واذا كانت مقولة احدهم انه يخاف الغد تؤخذ على محمل الخوف المجرد فهذا غير صحيح، اما اذا كان لدى البعض تخوفات من امور معينة يتوقعون ان تحدث ولا يملكون حيالها اية ردة فعل ففي هذه الحالة يمكن ان نصفهم بالخائفين فعلاً، كذلك الحال بالنسبة للابناء والتفكير في مستقبلهم والخوف عليهم من ابسط الاشياء المضرة، غير ان هذا الشق ايضاً يتماهى مع حرص الانسان على بيته واعماله، اما الخوف من الامور الاخرى العامة كركوب السيارة مثلاً او قيادتها فذلك يعود الى طبيعة الشخص ومكوناته النفسية خصوصاً اذا تعلق الامر بحادثة معينة او تجربة قاسية، وفي هذه الحالة يكون للخوف مبرراته المنطقية، وفي حالات اخرى تكون للتنشئة مساحة كبيرة تحتلها في ذاكرة الانسان ويكون لها تأثيرها البالغ في تسيير نمط الحياة وحب او كره او الخوف من شيء بعينه، وانا اعرف احد الاشخاص الذين لا يقتربون من البحر على الاطلاق كونه رأى حادثة راح ضحيتها احد اصدقائه امام عينيه عندما كانوا يستأجرون مركبا مع مجموعة من الاصدقاء في مناسبة احد الاعياد حيث زلت قدم أحدهم وسقط في المياه وفشلت جميع المحاولات لانقاذه ومن ثم فارق الحياة امام اعين الاصدقاء، ومن يومها اصبح البحر وذكرياته الأليمة مصدر ازعاج وخوف لهذا الانسان رغم تقدمه في العمر وفهمه للحادثة بشكل واقعي وعقلاني. ويستطرد سمير قائلاً: هناك حالات من الخوف عند بعض الاشخاص يكون سببها المباشر حكايات الخرافة وممارسات التخويف التي ينتهجها البعض مع الاطفال في سن مبكرة بدواعي الحرص او لارغامهم على فعل شيء، وكما هو الحال مع حكايات الشاطر حسن ومغامراته الشجاعة ومواجهته «للغول» والانتصار عليه، فإن هذا الغول المزعوم يخرج احياناً من الحكاية ليمثل عنصر تخويف للاطفال كأن نقول لهم اذا خرجتم من البيت فإن كذا ينتظركم في الخارج، ونحن لن نذهب بعيداً حيث ان هذه الممارسات قد تحدث في الغالب في المناطق الريفية حيث تمتد الخرافة بأشكالها المختلفة، لكن ماذا نقول ازاء بعض الاسر التي ترهب اطفالها برجل الشرطة فيكبر الطفل ولديه احساس بالخوف لمجرد رؤيته لبذلة عسكرية، ان عوامل التربية ووسائل الترغيب والترهب تلعب دوراً خفياً في تشكيل وعي الصغار، ومن ثم فإن هذه الوسائل تظل تراود الانسان عندما يكبر وتجعله يخجل من نفسه حين تصادفه بعض الاحداث الصغيرة والتافهة الا ان دقات قلبه تزداد خفقاناً ويتصبب العرق على جبهته فقط لان قطة لعبت في صندوق النفايات قفزت فجأة امامه وقد ازعجها مروره بالقرب منها، اما ما نقوله عن انجذاب البعض لمشاهدة افلام الرعب والاستمتاع بها رغم انها تشتمل على مناظر مخيفة فهذا امر لا يمكن تعميمه على الجميع، اذ ان المشاهدة محكومة مسبقاً بعمل تعرف انه ليس حقيقياً وبالتالي فإن المتابعة هي مجرد تسلية فقط مثل الذي يعشق الافلام الكوميدية ولا يمل منها، والفارق ان افلام الرعب تركز على وسائل الابهار والخدعة والمناظر المقززة وهناك من يحب متابعة هذه النوعية من الافلام. ثمن الخوف اما احمد عبدالعزيز «موظف» فيقول: بالطبع الخوف موجود لدى الانسان وبشكل غريزي فإذا تداخلت معه عوامل اخرى مكتسبة من المحيط الخارجي فإن ميل الانسان للخوف من اشياء كثيرة سيكون في حكم المتوقع، وانت اذا قربت عود ثقاب مشتعل من اصبع احد الاطفال وهو في عمر الثانية او الثالثة فستجده يخاف منه بمجرد ان يجرب اخطاره، ولذلك فإن تراكمات الخبرة الحياتية تجعلنا نبتعد عن مصادر المخاطر والتخوف حتى من مجرد ذكرها امامنا، ومن هنا يحق لنا ان نقول بأن الخوف ما هو الا حرص على سلامة النفس يقترن وجوده عند الانسان بوجود المخاطر من حوله ولذلك انا أؤمن بالمثل القائل «من خاف سلم»، ولذلك نجد الكثيرين من الناس يترددون امام فكرة السفر بالطائرة عندما يسمعون ويشاهدون حوادث الطيران المتكررة، وان فعلوا فهم لا يخفون مخاوفهم وتوجساتهم قبل وبعد ركوبهم الطائرة، اما فيما يتعلق بأفلام الرعب فهي مقصودة تماماً واظن ان القائمين على صناعة مثل هذه الافلام لم ينتجوها الا بعد دراسات واسعة حول النفس البشرية وميلها للتلذذ بمناظر الرعب بغض النظر اذا كانت هذه المشاهد تخيفهم ام لا، فهناك اناس لديهم القدرة على النظر بامعان الى اشياء لا يمكن للانسان السوي ان يمكث امامها دون ان يشيح بوجهه الى ناحية اخرى كحوادث السيارات مثلاً او رؤية شخص ميت، وهناك من يترزق من وراء حبس انفاس الجمهور حين يعرض نفسه للخطر، فأنت تدفع ثمن تذكرة دخول الى السيرك ولا تعفي نفسك من مشاهدة احدهم يمشي على الحبال وعلى ارتفاع مخيف، او من يداعب الحيوانات المفترسة امام عينيك، فأنت تدفع مقابل متعة لا تخلو من الخوف، والشيء نفسه ينطبق على افلام الرعب التي تدر المكاسب الكبيرة على منتجيها. ويضيف احمد: بالنسبة لحكايات الصغار التي تعتمد على الخرافة ووسائل الترهيب بقصد التأديب، فإن هذه الوسائل لم تعد موجودة الآن بل ان الطفل هو الذي يقوم بتخويف الكبار الآن، وانظر الى ألعاب الاطفال لترى بنفسك انهم تجاوزوا الخرافة بمراحل كبيرة فإذا قلت لاحدهم ان «ابو رجل مسلوخة» سيضربك ان فعلت كذا فهو لن يتردد عن فعل الشيء حتى يرى هذا المخلوق الغريب، هذا ان لم يسخر منك ويدخل الى حجرته ثم يخرج عليك وهو يلبس قناعاً مخيفاً ستركض امامه فزعاً ومرعوباً، واعتقد ان الخوف بمفهومه العام الذي تقصده لا وجود له الآن في ظل التطور الذي تشهده مجتمعاتنا، ان كثيراً من المعتقدات والحكايات التي كان يعتمدها السابقون في حياتهم قد اصابتها العصرية في مقتل ولم تعد العتمة التي كانت تسود المناطق النائية او الارياف موجودة الآن، حيث كانت حكايات العفاريت تجد لها ارضية خصبة في عقول الناس، ان الزمن تغير واصبح الخوف من امور اخرى هو شاغل الغالبية من افراد المجتمع، حيث نسمع بثقب الاوزون تارة، وبنهاية العالم تارة اخرى، وبتعطل اجهزة الحاسوب وغيرها من الامور التي تواكب عقلية انسان هذا العصر، اما الخوف من اشياء اخرى كالبحر والاماكن المرتفعة وغيرها فهذا متروك لشخصية الفرد فقط. روح المغامرة وفي رأي سيد محمد «محاسب» ان الخوف هو امر طبيعي في سلوك الانسان ولا احد منا يخلو من مخاوف معينة سواء تجاه امور او اشياء يخشاها على نفسه او حين يتعرض لها احد المقربين منه، ولكن يجب ان نفرق بين خوف غريزي وآخر مكتسب، اما الاول فهو ما نقول عنه عادي وطبيعي كخوف الأم على طفلها الرضيع اذا ما تعرض لخطر معين نراها تهب صارخة ومفزوعة ولا تتردد في ان تعرض نفسها للخطر حتى تفتديه، كذلك الحال حين تتعرض انت بنفسك لموقف عصيب فإن قوة هائلة تدب في اوصالك لا تعرف مصدرها لتنقذ نفسك من ورطة لم تحسب حسابها، والانسان في حالة الخوف يمكن ان يفعل اشياء خارقة لا يمكن ان يفعلها وهو في حالته الطبيعية، فمثلاً اذا خرج عليك حيوان مفترس فإن سرعتك تزيد الى اضعاف سرعتك العادية، ولذلك اذا قلنا ان الخوف هو وليد التعرض للمواقف الخطيرة فهذا صحيح، وهو ردة فعل سريعة على فعل مباغت، فإذا كنت تقود سيارتك الصغيرة ومرت بالقرب منك شاحنة خلفت وراءها ضجيجاً وارتجاجاً بفعل ضغط الهواء فإنك لا شك سترتبك وربما تفقد السيطرة على مقود السيارة كونك تخاف على حياتك، اما الخوف من الاماكن العالية فذلك يندرج تحت مفهوم اخر وربما تكون اسبابه مرضية، وانا واحد من الناس الذين لا يفضلون السكن في الطوابق المرتفعة لاني لسبب او لآخر اخشى النظر الى الاسفل واشعر كأنني سقطت بالفعل على سيارة مسرعة، او ان البناء يمكن ان ينهدم في اية لحظة انها هواجس ولكنني لا استطيع ان ابعدها عن تفكيري. ويضيف سيد قائلاً: بالنسبة لأساليب التربية المتبعة احياناً لتخويف الصغار او معاقبتهم فإنها تنطوي دون شك على سلبيات كثيرة لا حصر لها واولها ان الطفل يكبر وهو متخوف مما حوله ويتأثر سلباً بأقل حركة تصدر بالقرب منه، حتى انه يخشى الغرباء من الضيوف الذين يراهم داخل البيت ويتعامل معهم بحذر شديد، وكم رأينا اطفالاً يبكون عندما يداعبهم انسان يرونه لاول مرة ان مثل هذا الطفل سيعاني كثيراً عندما يكبر ولا نتوقع منه ان يكون مبادراً حتى في شأنه الخاص، ونحن حتى وقت قريب وربما الى يومنا هذا لا يزال بيننا من يرهب ابناءه بشخص ما اخافهم ولو لمرة واحدة، فيصبح هذا الشخص بمثابة الاداة التي تتهددهم حين يرتكبون الاخطاء، وهناك ايضاً من يستدعي الشرطي بزيه الرسمي الى ذاكرة الطفل على محمل التخويف فينشأ الانسان وهو لديه كراهية او حساسية معينة تجاه رجل الشرطة مع انه انسان يقوم على خدمتنا وحمايتنا، اذن اساليب التخويف في الصغر لها اثر كبير على سلوك الانسان عندما يكبر ويواجه الحياة بمفرده، اما بخصوص افلام الرعب وما تسببه من فزع وخوف في نفوس المشاهدين ومع ذلك يتابعونها بشغف فإن هذا الامر ينطوي على روح المغامرة المكبوتة داخل المشاهد، ولذلك تجد الفئات العمرية من الشباب هي التي تتابع مثل هذه الافلام بكثرة لانها ترضي بعضاً مما يدور في عقولهم، وها نحن نرى بعض الشباب يتأثرون بمثل هذه الافلام ويحاولون اخافة اقرانهم على سبيل المداعبة، اما بالنسبة لي فأنا لا احب مشاهدة هذه الافلام لانها لا تحتوي على عناصر الاثارة الرخيصة وغير الهادفة. دائماً خائفة اما سوزان علي «ربة بيت» فإنها تخاف حتى من كلمة الخوف نفسها ولانها ريفية المنشأ فإن اشياء كثيرة لا تزال عالقة في ذاكرتها حتى الآن مع انها تجاوزت الاربعين تقول: الخوف لدينا مرتبط بالدرجة الاولى بالعتمة حيث انني عاصرت الفترة التي كانت فيها بلدتنا تعتمد على الانارة التقليدية قبل وصول الكهرباء الى منطقتنا، ولذلك فإن اجواء الرهبة كانت تحيط بنا من كل جانب حيث المزارع والجبال وحكايات العفاريت التي كانت تتناقلها الالسن بين فترة واخرى، والسائد في الارياف آنذاك هو ان يلزم كل انسان بيته بعد صلاة العشاء مباشرة خصوصاً في فصل الشتاء، حتى الرجال كانوا يلتزمون بهذا الامر خوفاً من الاحداث المفزعة والاماكن التي يسمعون عنها كلاماً مخيفاً، واذكر ان الشباب الذين يمتلكون الجرأة كانوا يراهنون بعضهم بعضاً على من يستطيع ان يأتي بعلامة او يضع شيئاً يعطونه اياه ليتركه بالقرب من الخشبة التي يوضع عليها الميتون، لان هذه الخشبة تترك بدورها بالقرب من المقابر في اغلب الاحيان، فما بالك اذن ان تضطر الظروف أن يمر احدهم بالقرب من هذه المدافن في وقت متأخر من الليل؟ او الحقيقة فإن الشائعات هي التي ولدت هذا الاحساس عند الناس فأصبحوا يصدقون كل كلمة تقال دون ان يجربوا ذلك بأنفسهم، واذ تسألني عن حكايات الاطفال التي كان يرويها لنا الكبار فهي لم تكن تخرج عن هذا الاطار، مع ان هذه الحكايات لم يكن لها اي مبرر وسط هذه الاجواء المرعبة، واذا سألتني الآن عن هذه الامور التي كنا نتعايش معها فسوف اتذكرها وكأنها حدثت بالأمس وهي تؤثر على سلوكي بالطبع، فأنا أخاف ان اجلس في الظلام وحدي مهما كانت الظروف، كذلك لا استطيع السير بمفردي حتى ولو كان الشارع مزدحماً بالناس، لاني تعودت منذ الصغر ان من يمشي لوحده سيكون عرضة لاشياء لا يتوقعها اما ما تقوله عن افلام السينما والفيديو المرعبة فأنا لا اشاهدها بالمرة بعد ان تابعت احداها ولم استطع النوم ليلتها وظللت خائفة حتى الصباح على الرغم من وجود زوجي واولادي معي في البيت، ولكم كانت سخريتهم مني بعد ذلك، بل وراحوا يدبرون المقالب لاخافتي اما عن الاماكن المرتفعة فهي ايضاً تسبب لي حالة من الغثيان والدوران فنحن لم نتعود على مثل هذه المباني المرتفعة وبيوتنا كانت تتألف من طابق علوي واحد على اكثر تقدير، اما ان اسكن في احد الطوابق المرتفعة الآن فسوف اشعر انني معلقة في الهواء ولن استطيع العيش بشكل اعتيادي حتى المصاعد الكهربائية فأنا اخشى الصعود فيها لأنني اتخيل انها ستتوقف في اية لحظة، خصوصاً عندما كنا نسمع ان احدهم ظل معلقاً في المصعد لفترة طويلة الى ان تتدخل خدمات الطوارئ لانقاذه وفي المرة الاولى التي صعدت فيها الى الطائرة كدت ان ابكي وظللت اردد الشهادتين وانا مغمضة العينين الى ان هبطت الطائرة بسلام، وحتى الآن في كل مرة اسافر بها بالطائرة افعل الشيء نفسه، انا لا اخجل من خوفي انها مسألة حرص ومحافظة على النفس. تحقيق: عز الدين الاسواني