طلاق الغضبان من حيث وقوعه أو عدم وقوعه من القضايا المثيرة للجدل بين الفقهاء منذ القدم والجدل الذى يدور حول تلك القضية ليس بشأن المبدأ العام، الذى قرره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا طلاق في اغلاق» أى ان طلاق الغضبان الذى لا يدرك ما يقول لا يقع وانما في حدود وضوابط الغضب الذى لا يقع معه الطلاق خاصة وانه من الطبيعى ان يقع الطلاق بعد حالة من الغضب تنتاب الزوج لأسباب مختلفة. وقد أعادت فتوى صادرة عن دار الافتاء المصرية بعدم وقوع طلاق الغضبان ملف هذه القضية من جديد وكانت محكمة القاهرة للأحوال الشخصية قد قضت بعدم الاعتداد بيمين الطلاق الذى يصدر من الزوج وهو في حالة غضب وثورة، وبناء على فتوى دار الافتاء ألغت المحكمة يمينى طلاق ألقاهما زوج على زوجته وأم أبنائه الثلاثة وهو في حالة عصبية ثائرة وقد سبق ان طلق الزوج زوجته مرتين وفي المرة الثالثة عاد للمنزل ولم يجد الطعام جاهزا فثار في وجه زوجته وتطور الأمر لمشادة عنيفة ألقى على الزوجة خلالها يمين الطلاق مرتين. كيف تعامل الفقه الاسلامى مع قضية طلاق الغضبان ؟ وما هى حدود الغضب الذى لا يقع معه الطلاق ؟ العلماء يجيبون على هذه الأسئلة في التحقيق التالي: يؤكد الدكتور محمود محمد عبده الأستاذ بكلية الدعوة الاسلامية جامعة الأزهر ان طلاق الغضبان لا يقع لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق في اغلاق» موضحا ان الاغلاق معناه ان يصل الغضب بالانسان الى درجة انه لا يدرك ما يقول ولا يذكر ما قال. ويضيف قائلا اذا كانت هذه الصفات تنطبق على الغاضب الذى طلق امرأته فطلاقه لا يقع لأنه لا يعي ما يقول ولو كان واعيا لما قال ذلك - أى لما نطق بكلمة الطلاق - مشيرا الى ان مثل هذا الشخص يذكره الناس بما قاله أثناء غضبه وثورته أما هو فلا يذكر شيئا وهذا الطلاق لا يقع اما اذا كان يذكر ما قاله ويعرف انه نطق بكلمة الطلاق فانه بذلك لم يصل به الغضب الى الحد الذى يسقط عنه المؤاخذة فهو يؤاخذ بقوله ولا تسقط عنه المسئولية طالما انه يتذكر ما قال. ويشير الى ان الغضب الذى لا يقع فيه الطلاق ليس الغضب الذى يفهمه كثير من الناس لأنه من الطبيعى ومن المتعارف عليه ان الطلاق يأتى أثناء الغضب ولا يلجأ انسان الى الحلف بالطلاق الا اذا كان غاضبا وفي حالة ضيق وتوتر وانفعال ولو أخذنا بأن كل غضبان لا يقع منه الطلاق لأصبحت ذريعة يتذرع بها كل من يتورط في تطليق زوجته وبذلك نفتح الباب أمام الناس ليعيشوا في الحرام. ويخلص الدكتور محمود عبده الى ضرورة ان يكون عدم وقوع الطلاق بسبب الغضب في أضيق الحدود والتقيد بنص الحديث النبوى بحيث يكون طلاق الغضبان الذى لا يقع في حالة ان هذا الشخص لا يذكر ما قال فقط أما غير ذلك فلا يجب ان يعفي من المسئولية بحال من الأحوال. ويوضح ان الشخص اذا كذب وقال لا اتذكر ما قلت وهو يتذكر فان المسئولية تقع عليه أما المفتى فانه يفتى بما يسمع لكن يجب ان يذكر هذا الشخص بالله وان يخوفه من عاقبة الكذب وان يوضح له ان الله سوف يحاسبه ان كان كاذبا فالمسألة مسألة دين فان كان الزوج يخشى ربه ويراقبه وليست لديه جرأة على الحرام ويريد ان يحيا حياة اسرية نظيفة فلابد ان يكون صادقا مع نفسه ومع من يأخذ عنه الفتوى مشيرا الى ان كثيرا من الأمور يردها القرآن الى التقوى يقول تعالى: (فاتقوا الله ان كنتم مؤمنين). ثلاث صور ويشير الدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهرالى وجود ثلاث صور لطلاق الغضبان تناولها الفقه الاسلامى منذ القدم الصورة الأولى تتعلق بالزوج الذى يكون في أول مراحل الغضب وهو يدرك ما يقول ويتذكره ففى هذه الحالة يقع الطلاق باجماع الفقهاء. أما الثانية فتختص بالهيجان الزائد عن الحد بما يفقد الزوج القدرة على ادراك ما يقول وهذه الحالة التى تعترى هذا الشخص تشبه الجنون وهنا يجمع الفقهاء على عدم وقوع هذا الطلاق، أما الصورة الثالثة فتعالج حالة الثورة الشديدة التى لا تصل الى حد عدم الادراك لكن الزوج لا يتمالك أعصابه وينطق بكلمة الطلاق رغما عنه لكنه مدرك لما يقول وللنتائج التى تترتب على تلك الكلمة وهذه الحالة محل خلاف بين الفقهاء فبعضهم يقول بوقوع الطلاق والبعض الآخر يقول بعدم الوقوع. وفي رأى الدكتور عثمان فان الطلاق يقع في هذه الصورة الأخيرة ما دام الزوج مدركا لما يقوله موضحا ان الغضب الذى لا يقع معه الطلاق هو الذى لا يعي الشخص معه معنى الكلمات التى ينطق بها وتخرج منه رغم أنفه لأن ثورته لا تجعله يتحكم في الألفاظ. ويضيف قائلا أما الغضب العادى الذى يعى فيه الانسان كل ما يصدر عنه أو عن غيره فان الطلاق فيه يقع لأن الطلاق في الغالب يحدث أثناء نقاش حاد أو شجار مع الزوجة موضحا ان الغضب الذى يخرج الانسان عن وعيه يرتبط بشخصيات معينة وبطبيعة المواقف التى تمر بها هذه الشخصيات كأن تشتم الزوجة زوجها بأبيه وأمه مثل هذه الشتائم تؤدى الى حالة من الانفعال الزائد وتجعل الزوج يثور لكرامته. ويوضح ان العالم يفتى بما يظن أنه الحق مادام يمتلك مقومات الاجتهاد أما اذا كان مجرد ناقل للفتاوى ويفتى بما أفتى به الفقهاء السابقون في مثل هذه الحالات فيجب ان يكون أمينا فيما ينقل وان يكون مناسبا للحالة التى يفتى لها. اغلاق التفكير ويرى الشيخ فكري حسن اسماعيل وكيل وزارة الأوقاف السابق ان الغضب الذى ينتفي معه وقوع الطلاق - كما اشار الى ذلك النبى صلى الله عليه وسلم - هو الغضب الشديد الذى يغلق على الانسان تفكيره وعقله ويجعله لا يدرى كيف نطق بكلمة الطلاق موضحا ان معنى ذلك ان هذا الشخص لو سئل عن لفظ الطلاق يقول لا أدرى كيف نطقت به أما غير هذه الحالة فان الطلاق واقع لا محالة. ويضيف ان الزوج الذى يتلفظ بيمين الطلاق أثناء الغضب وحينما يسئل يقول قلت كذا وكذا، فان مثل هذا الشخص يقع طلاقه لأنه يدرك اللفظ الذى نطق به ويعقله ولا ينكره. ويؤكد ان أغلب الحالات التى ترد اليه بخصوص الطلاق أثناء الغضب حينما أسأل أصحابها عما قالوه يقولون قلنا كذا وكذا وبالتالى فان مثل هؤلاء الأشخاص يتلاعبون ويجب على العلماء ألا يفتوا بوقوع الطلاق أو عدم وقوعه الا اذا تأكدوا تماما من حالة الشخص والكلمات التى نطق بها وما اذا كان يعى ما نطق به أو لا يعيه. ويعرب الشيخ فكري عن أسفه لأن بعض الأزواج يكذبون ويزعمون أنهم لم يكونوا في وعيهم حينما نطقوا بكلمة الطلاق ومثل هؤلاء تقع عليهم المسئولية كاملة أمام الله لأنهم يقبلون أن يعيشوا في الحرام. خط أحمر وتشير الدكتورة آمنة محمد نصير الأستاذ بكلية الدراسات الاسلامية والعربية جامعة الأزهر الى ان الطلاق خط أحمر يجب على كل مسلم ان يربي نفسه على عدم تجاوزه مهما كان متهورا أو مندفعا أو كان لا يتمالك أعصابه ويثور ربما لأتفه الأسباب مؤكدة ان الانسان المؤمن المنضبط الذى يتمسك بتعاليم دينه لا يتجاوز بغضبه الحدود ولا يتلفظ أبدا بكلمة الطلاق الذى هو أبغض الحلال عند الله - عز وجل - ويدرك قيمة الزواج الذى وصفه القرآن الكريم بالميثاق الغليظ ويضع في اعتباره البيت والأبناء والزوجة ويراعي الحلال والحرام. وتضيف قائلة هناك أناس يغضبون لأتفه الأسباب ويعرضون بيوتهم للدمار وأسرهم للانهيار وأولادهم للتشرد، مشيرة الى ان العلماء لا يستطيعون الدخول الى عقول الناس ليحددوا حجم الغضب فتلك مهمة عسيرة ومستحيلة الحدوث وبالتالى فانهم يفتون بما يسمعون من الشخص نفسه أو ممن كان حاضرا الموقف الذى تلفظ فيه بلفظ الطلاق. وتطالب الدكتورة آمنة بضرورة ان يقوم العلماء - خاصة على المنابر في أيام الجمعة - وكذلك وسائل الاعلام بتوعية الناس في المدن والقرى وتوجيههم بخطورة التلفظ بكلمة الطلاق خاصة الجهلة والمتهورين وأنصاف المتعلمين وتحذيرهم من استخدام قسم الطلاق لأتفه الأسباب أو استسهال النطق بهذه الكلمة بمناسبة وبدون مناسبة. وتؤكد ان الحكم على طلاق الغضبان بالوقوع أو عدم الوقوع يحتاج الى تحريات دقيقة ومعرفة الموقف الذى نتج عنه النطق بالطلاق بالتفصيل مشيرة الى ان القضية في الأصل هى قضية تربية دينية وثقافية للمجتمع. وترى انه ليس من شهامة الرجل وليس من رجولته وهو المسئول عن القوامة وضبط البيت ان يستخدم قسم الطلاق بدون مبرر وبطريقة عشوائية دون ادراك لما قد ينتج عن ذلك من مخاطرمحذرة من بعض الشيوخ الذين يتلمسون لمثل هؤلاء الأعذار والمبررات لأنهم بهذا التصرف قد يحلون لهم الحرام تحت شعارات التيسير والحفاظ على الأسرة وعدم تشريد الأبناء وتشير الى ضرورة ان يتحرى هؤلاء المشايخ الدقة والحقيقة وان يحكموا بناء على الوقائع وليس بناء على العواطف