من أصعب الصعاب الغوص في تاريخ اللغات للوصول إلى المراحل التي تتحول فيها طوائف من الالفاظ عن دلالاتها الحسية إلى دلالات مجردة، ثم إلى مصطلحات علمية أو أدبية، وأصعب من هذا الغوص تحليل هذا التحول وتعليله، ورصد العوامل التي صنعته، ففي اللغات آلاف من الكلمات الحسية حافظت على معانيها، أو طرأ عليها بعض التغير، ولكنها لم تنتقل من الحياة العامة ومن عالم الحس إلى عالم التجريد، وفيها آلاف أخرى انتقلت من المحسوس إلى المجرد، فاكتسبت دلالات معنوية عقلية أو نفسية، لكنها لم تصبح مصطلحات، وهي لا تعنينا فيما نحن فيه، وإنما الطائفة التي تعنينا هي التي تحولت إلى مصطلحات علمية أو أدبية أو نقدية، مع انه لم يكن بينها وبين العلم والأدب أدنى صلة من سبب أو نسب. (العِلْمُ) على سبيل المثال قد يكون متحدراً عن العَلَمْ، والعلم في الاصل الجبل، ثم أطلق على الراية المرفوعة، لأنها تبدو كأنها فوق جبل، ثم أطلق العَلَم على كل علامة تدل على شيء أو معنى، ثم أخذت المشتقات الحسية والمجردة تتولد من العين واللام والميم، فقيل العلم، والعلوم، ومعالم الطريق، ووزارة التعليم، ووزارة الاعلام، ودائرة الاستعلام، ومكتب المعلومات، والمعلم، وأحدث ما اشتق من هذا الجذر المعلوماتية التي أريد بها أرقى ما توصل إليه الحاسوب من منجزات علمية، والقدر الاكبر من هذه الألفاظ مصطلحات محددة. وفي النقد طائفة كبيرة من المصطلحات تحدرت إلينا عن أصول حسية، ثم اكتسبت دلالات جديدة، تتعلق بالشعر والنثر، ولكنها برغم تداولها، تحتاج إلى توضيح لئلا تختلط معانيها بمعاني غيرها من الالفاظ التي تقاربها في الاشتقاق أو الدلالة. ومن هذه المصطلحات (الديباجة) و(النسج) وهما لفظتان شائعتان في ميدان الادب والنقد منذ العصر الجاهلي، لكن تطور النقد وتحوله من نظرات منفصلة إلى ما يشبه العلم اشاعا اللفظتين، وحولاهما إلى مصطلحين من مصطلحات النقد، فما أصل كل لفظة؟ وكيف تحولت عن أصلها؟ وما المعنى الاصطلاحي الذي استقرت عليه؟ أصل الديباجة الديباج، والديباج كلمة فارسية الاصل، معناها الحرير، أو الثوب المصنوع منه والديباجة أيضاً الخد، قال ابن مقبل يصف بعيره: يسعى بها بازل درم مرافقه يجري بديباجتيه الرشح مرتدع وقال أبو تمام: وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه، فاغترب تتجدد والديباجة كذلك حسن الوجه، ونعومة بشرته، وأنشد ابن الاعرابي: هم البيض أقداما وديباج أوجه كرام إذا اغبرت وجوه الاشائم ومما يقوي الظن ان الديباج والديباجة منحدران من أصل فارسي عدم احتفال العرب قديماً بنسج الثياب والاعتماد على استيرادها من الشام ومصر واليمن وفارس، أضف إلى ذلك ان وزن الديباجة ـ وهو فيعالة ـ يشيع في الالفاظ الاجنبية كالقيثارة والسيكارة فلماذا آثره النقاد على غيره من الالفاظ العربية الأصيلة، وجعلوه مصطلحاً من مصطلحات النقد؟ يبدو ان لجمال الحرير ونعومته وبهائه تأثيراً في الاختيار، فرقة الديباج، وملاسته، وترفقه بجلد لابسه ولامسه كانت مسوغات كافية لايثاره على غيره، ولهذا قدم العرب الديباجة على القطيفة، والقباطيّ والبرد والبجاد، ونقلوها من خزانة الثياب إلى خزانة الآداب، ولو كانوا من الاسكيمو سكان القطب لاختاروا الفرو أو القطيفة، ومن أقدم الكتب العربية التي وردت فيها لفظة الديباجة بمعناها النقدي (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، وردت في قول من قدم النابغة على أقرانه من شعراء طبقته، قال ابن سلام: «وقال من احتج للنابغة: كان أحسنهم ديباجة شعر». ثم تعاور النقاد الكلمة حتى غدت مصطلحاً نقدياً، يطلقونها على الأسلوب الجميل، والتراكيب الحسنة الرصف، والالفاظ العذبة الجرس، أوردها الجاحظ في البيان والتبيين، وشفعها بالكرم فقال: «الديباجة الكريمة» وخص النقاد بها أسلوب البحتري وأمثاله من المتأنقين في أساليبهم كابن المعتز، وضنوا بها على أبي تمام وأمثاله من شعراء التصنيع، فلم يكن هؤلاء عندهم أصحاب ديباجة، لأن صنعتهم طغت على فطرتهم، أو لأن عقولهم غلبت عواطفهم، فكانت المعاني إليهم احب من المباني، ولهذا قل ماؤهم وبهت رواؤهم. ومن ينعم النظر في كلام النقاد يجد ان الديباجة تعني عندهم حوك الشعر بألفاظ ناعمة متناغمة، لا يعرو حوكها عوج ولا أمت، بل تخرج من بين شفاهم كأنها السندس الشديد اللمعان، الاملس الطيلسان، ومن ذلك النمط قول المنخل اليشكري: ولقد دخلت على الفتا ة الخدر في اليوم المطير الكاعب الحسناء تر فل في الدمقس وفي الحرير فدفعتها فتدافعت مشي القطاة إلى الغدير ففي ألفاظ المقطعة السابقة رشاقة، وفي الجمل أناقة، وفي الديباجة استواء ويسر في الأداء، فهي إذن تمثل حسن الديباجة أما قبح الديباجة فيتبدى في عجز البيت التالي: يا دهر قوم من أخدعيك فقد أضْجَجت هذا الانام من خَرَقكْ بداية البيت حسنة، ونهايته مستهجنة، فلفظتا (أضججت) و(خرقك) ثقيلتان على اللسان والسمع، تجافيان الذوق، وتبدوان كأنهما بثرتان، من بثور الجدري في الخد الصقيل، أو عقدتان ناشزتان على طيلسان أملس. وثاني المصطلحين (النسج)، وهو في اللغة: الحوْك، أي: ضم الخيوط بعضها إلى بعض، وادخال لحمتها في سداها، حتى تغدو محبوكة مسبوكة، ليس فيها خيط نافر، ولا فراغ فاغر، ونسجت الريح متون الغدران: ضربت مياهها، فبدت عليها طرائق كالحُبُك، ونسجت الريح الرمال: صافحتها فتركتها طرائق قدداً، قال امرؤ القيس في صفة الاطلال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح، فالمقراة، لم يعف رسمها لما نسجته من جنوب وشمألِ ومن نسج الرياح للمياه والرمال، وحياكة الخيوط بالانوال، نقل العرب لفظة النسج إلى النقد، فأطلقوها على الأسلوب عامة لا على السوي خاصة. ثم قيدوها بقيود، فاستحسنوا من الاسلوب ما كان متجانساً يجري على سواء من أول القصيدة إلى نهايتها، واستهجنوا ما تباين وتخالف، وسماه المرزباني المتفاوت، وعلل القاضي الجرجاني وقوع التفاوت فقال: «ان احدهم بينا هو مسترسل في طريقته، وجار على عادته يختلجه الطبع الحضري، فيعدل به متسهلاً، ويرمي بالبيت الخنث، فإذا أنشد في خلال القصيدة وُجد قلقاً بينها، نافراً عنها، وإذا أضيف إلى ما وراءه وأمامه تضاعفت سهولته، فصارت ركاكة». فهل لك ان تستنبط من كلام الجرجاني ان المقصود بجودة النسج الجزالة والفحولة، لا اللين والسهولة؟ وهل لك ان تظاهر استنباطك بأن الجرجاني أكد هذا المعنى، حينما أزرى بمن يعدل عن القوة إلى اللين، ورماه بالتخنث؟ ولو صح هذا الاستنباط لتميزت الديباجة من النسج. لك ان تحمل هذا القول على هذا المحمل غير ان المثال المضروب لا يعني هذا، وإنما يعني استواء الحبكة لا الرقة البريئة من الركاكة، ولو قرأت المثال والتعليق عليه لجعلت النسج توأم الديباجة، جاء في الوساطة: «وقع الشعراء في تفاوت النسج ومنهم أبو تمام، قال: لو حار مرتاد المنية لم يجد إلا الفراق على النفوس دليلا قالوا الرحيل فما شككت بأنها نفسي عن الدنيا تريد رحيلا ويستمر الشاعر في هذا النسيج ويعرض الديباج الخسرواني والوشي المنمنم حتى يقول: لله درك أي معبر قفرة لا يوحش ابن البيضة الاجفيلا أو ما تراها لا تراها هزة تشأى العيون تعجرفاً وذميلاً فنغص تلك اللذة وأحدث في النشاط الفترة». إن ألفاظ البيتين الأخيرين (قفرة، بيضة، اجفيل، تشأى، تعجرف، ذميل) لا تقل فحولة عن ألفاظ ما سبقهما، وإن التراكيب كذلك لا تفتقر إلى الجزالة غير انها جزالة وعرة خشنة تشبه تلك التي خدشت لهاتك بحشرجة شائكة حينما أنشدت: «أضججت هذا الانام من خرقك). فالتفاوت في النسيج، على هذا الأساس لا يعني الخروج من عنف إلى لطف، ومن حزونة إلى ليونة، ومن وعورة وذكورة، إلى تأنث وتخنث، وإنما يعني ان تشوب الالفاظ والتراكيب شوائب مستقبحة اللفظ، مستثقلة النطق، مستكرهة الجرس، يشرق بها السمع، ثم يمجها، وتنفر منها النفس، ثم تعرض عنها، و بذلك يلتقي النسج بالديباجة، ويصبح المصطلحان كأنهما مصطلح واحد. وهذا الالتقاء يستثير مسألة الوضوح والدقة في دلالة المصطلح النقدي. ويحولها من مسألة إلى مشكلة، خلاصتها ان نقدنا القديم لم يكن محدد المصطلحات، دقيق الدلالات، وان النقاد المتأخرين لم يستطيعوا ان يحرروا مصطلحاته، وان ينفوا عنها التداخل والتقارب، فقد رأيت كيف اتفق النسج والديباجة في الدلالة على معنى واحد، أو على معنيين متقاربين، وتستطيع ان تضيف إليها مصطلحاً ثالثاً، وهو الرونق، فإذا أنت أمام ثلاثة مصطلحات مفترقات في المعنى متفرقات في المبنى، فتحار أيها أدق في الدلالة، وأيها أحق بالاستعمال، وتحار كذلك في تعليل هذه الظاهرة أتردها إلى الترادف؟ وترد الترادف إلى تحدر هذه المترادفات من قبائل متعددة؟ أم تردها إلى اتساع الوطن العربي وتفرد كل قطر بمصطلح؟ التعليلان مقبولان، ومما يسوغ قبولهما ما نراه في عصرنا الحاضر من خلاف بين مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة وبغداد وغيرها، وما يسوؤنا فيها من تعصب كل مجمع لمصطلحاته ومقترحاته ومقرراته، فمتى يحل الائتلاف محل الاختلاف، والاتفاق محل الافتراق، والتوحد محل التعدد؟