فيض الغذاء ونمط الحياة الساكن الذي يعيشه انسان القرن الحادي والعشرين وضع البشرية امام نقطة تحول على حد قول العلماء الذين يرون ان المستقبل الذي ينتظر اطفالنا لا يبشر بخير. فاطفال الجيل الحالي الذين نشأوا على الاطعمة السريعة وقلة الحركة والنشاط قد يموتون قبل والديهم. اندرو برنتيس التابع لكلية لندن للصحة والطب الاستوائي يؤمن ان البشرية تشهد الآن نقطة تحول. فخلف هذه النقطة تكمن اجيال الارتقاء والنشوء البشري الذين منحوا الجنس البشري جينة الاكتفاء بالقليل وجعلتهم يتخطون الاوقات الصعبة، وامامها يوجد فائض شديد من الغذاء اي جميع الاطعمة التي يمكن ان يتناولها الشخص وبشكل يجعلها جذابة ومليئة بالطاقة وذلك على حد قوله اجتمع مع نمط حياة يتطلب الكثير من الجلوس وقليل من الحركة. وتوليفة الجينات والطعام وقلة الحركة تعني ان وباء البدانة هو امر محتوم يتعذر تجنبه. وفي اجتماع الجمعية الطبية البريطانية الذي عقد في ليستر مؤخراً قال برنتيس ان البشر منذ قرنين من الزمان ازدادوا طولاً في القامة بعد خروجهم من نظام غذائي فقير لكنهم اليوم ينمون عرضاً فالزيادة في طول القامة كانت مفيدة لكن الامر لا ينطبق على البدانة. ويضيف برنتيس ان البشرية لم تواجه من قبل مثل هذا التحدي السريع. فالتغير يحدث من جيل الى اثنين موضحاً ان البشر اكتشفوا وسائل لزراعة المحصولات بشكل وافر وتحسينها وصناعة اطعمة منها واصبح بالامكان زراعة الحقول دون مجهود بدني والامر نفسه ينطبق على المصانع والمنازل والحدائق ايضاً. ويواصل برنتيس حديثه فيقول: أضف الى ذلك إغراءات الألعاب التلفزيونية والانترنت التي ظهرت كلها في الأعوام الثلاثين الماضية، وأثرّت على معدل الايض او التمثيل الغذائي البشري المصمم أصلا بشكل يسمح للانسان بالنجاة بحياته في اوقات المجاعات. ولكن هل صحيح ان ابناء هذا الجيل سيموتون في الوقت الذي لايزال فيه اباؤهم وأمهاتهم على قيد الحياة؟ يجيب برنتيس بالقول انه ليس اول من قال هذه العبارة ولكنه يسمعها كثيرا في المؤتمرات التي تعقد حول موضوع البدانة. ويشرح برنتيس ان المراهقين الان اصبحوا بدينين بشكل هائل وفي سن مبكرة والأطباء يرون امراض ذبحة صدرية وتصلب وانسداد في شرايين القلب ونوبات قلبية وأمراض سكري من الفئة الثانية لدى الاطفال وهي كلها متعلقة بالزيادة في الوزن ولها عواقب وخيمة وأحيانا مهددة للحياة. ويضيف برنتيس قائلاً: ان هؤلاء الصغار الذين عايشوا هذه التغيرات التي طرأت على نمط حياة البشر تنتظرهم مشاكل حقيقية في المستقبل، باعتبار ان الضرر الحادث نتيجة الزيادة في الوزن يستغرق سنوات حتى يؤثر على الصحة، ولذلك فانه كلما اصيب الطفل بالبدانة في وقت باكر كلما كانت تأثيراتها على المدى الطويل أسوأ. والاحصائيات التي تكشف ان وباء البدانة مستفحل الى حد كبير مفزعة ففي بريطانيا فان واحدا من كل خمسة اشخاص هو بدين بصفة مزمنة وواحداً من كل ثلاثة لديه زيادة بالوزن. وفي الولايات المتحدة فان ثلاثة من كل عشرة اشخاص بدينون وترتفع النسبة لاكثر من النصف بالنسبة لنساء الطبقة الوسطى من البيض والسود وذوي الاصول اللاتينية. ويشير برنتيس الى ان الوباء ضرب اولا في الولايات المتحدة وبدأ ينتشر سريعا خارجها فهناك على حد قوله معدلات كبيرة للبدانة في اوروبا خاصة دول اوروبا الشرقية، وفي استراليا وأميركا الوسطى والشرق الاوسط. ولوحظت زيادة سريعة في معدلات البدانة في الدول الآسيوية وحتى في أفقر الدول توجد معدلات بدانة سريعة في المدن ولذلك فان الوباء اصبح عالميا. وعلى حسب قوله فان اطفال اليوم ليسوا نهمين او شرهين ولكنهم وليدو التغيرات التي طرأت في العصر الحديث، والحكومات لم تفعل الكثير للاقلال لمواجهة هذه المشكلة بشكل جدي. ويرى برنتيس ان الشركات متعددة الجنسيات قادرة على لعب دور اكبر فالنظام الغذائي الحديث ينبغي ان يكون اصغر حجماً وأقل تركيزا في عناصر الطاقة، ولكن ما توفره شركات الوجبات السريعة هو العكس. واضاف ان تفاقم مشكلة البدانة هو استجابة متوقعة للبيئة التي نعيش فيها وقال ان شركات الادوية تعكف على تطوير ادوية النحافة في الوقت الذي تستمر فيه الدورة المؤدية للبدانة، وما ينبغي فعله هو كسر هذه الدورة. ويقول ان هناك حاجة لاتخاذ تدابير لمكافحة البدانة في جميع نواحي الحياة بما فيها المواصلات والتعليم والاعلانات والسلامة كي يتمكن الاطفال من الذهاب مشيا الى مدارسهم واللعب بشكل مأمون في الخارج. بيد ان المشكلة على حد قوله هي ان المرء لا يستطيع تحديد شيء واحد واعتباره الحل الوحيد لمشكلة البدانة. وقد تسببت السمنة في وفاة 30 الف شخص في بريطانيا خلال العام 1998، ويتجاوز عدد ايام الاجازات المرضية لمن يعانون السمنة 18 مليون يوم، كما كلفت مكافحة السمنة الخزينة البريطانية نحو نصف مليار جنيه استرليني في العام نفسه. ويتوقع لهذه الارقام ان تتضاعف بحلول العام 2010، كما تقدر التكاليف غير المباشرة للسمنة بأكثر من ملياري جنيه استرليني. ومن اهم الاسباب المفضية للسمنة قلة الاعمال اليدوية، تزايد امتلاك السيارات الخاصة واستخدام الاجهزة التي تحافظ على الطاقة مثل السلالم الكهربائية والمصاعد والابواب الاتوماتيكية. هذا اضافة الى ان العاب الكمبيوتر اصبحت بديلاً للرياضة البدنية. ابتسام احمد