يتساءل المؤرخ السينمائي جي جويتيه عما اذا كان تتويج السينما المباشرة التي اطلق عليها احيانا سينما الحقيقة، ، نتاج مدرسة ما؟ لكنه يرى صعوبة هذا الربط لان السينما المباشرة نشأت في ثلاث دول مختلفة هي كندا وفرنسا والولايات المتحدة وعبر اكثر من حلقة سوف يتناول المؤرخ السينمائي جي جويتيه منظور وحدة المنتج وأثره الفعلي لسينما الحقيقة. منذ زمن طويل، وأحيانا على حساب الجسارة التقنية، عرف البعض تسجيل الصوت متزامنا مع الصورة، بعبارة اخرى، العمل على تماثل حركة الشفاه تماما مع الكلمات المنطوقة، في السينما السردية الدارجة، يتنازل البعض تماما عن هذا التطابق الذي بدونه ليس من الممكن دبلجة اي فيلم اجنبي، هناك حالات عديدة يعتبر فيها الصوت المتزامن مستحيلا ببساطة، كما هو الحال في معظم حالات التصوير الخارجي او التصوير في استوديوهات مرتجلة عندما يكون هذا ممكنا وعندما يسمح بذلك اسلوب المخرج فان الصوت يكتسب في هذه الحالات عمقا وحضورا. وما كان اختيارا في السينما القائمة على الممثلين والحوار (الشكل السائد بشكل متسع) اصبح في فترة الستينيات امرا لازما بالنسبة للسينما الميدانية (ريبورتاج، تحقيق اجتماعي او اثنوجرافي، فيلم تسجيلي) ليس من المدهش ان يتعجل الفنيون حل هذه المشكلة على يد المستعينين بالفيلم كوسيلة بحث وليس على يد السينمائيين التقليديين في المقام الاول ونظرا لتعقد المشكلة على المستوى التقني لم يكن من الممكن حلها الا في البلدان المتقدمة صناعيا، اذا كانت كندا وفرنسا والولايات المتحدة (بترتيب الاهمية) تأتي على رأس القائمة في هذه الحركة فذلك لانها جمعت بين عملية الطلب الاقوى (لاسباب مختلفة) وبين افضل بنية تحتية. والواقع ان الصوت المتزامن لايتم الحصول عليه فقط عن طريق تزامن فعل الكاميرا ومسجل الصوت بل يجب ان تكون الكاميرا صامنة كما نعرف، يستطيع المرء ان يلفها (او «يكتمها» كما يقول العارفون) لكن ذلك كان مجهدا: فصنع الفنيون كاميرات صامتة يجب ان يستطيع المصور ومهندس الصوت الاتصال عن بعد لكي يصورا ويسجلا على علم ودراية مع كونهما مستقلين احدهما عن الآخر: فابتكر الفنيون نظم تحكم عن بعد من ناحية الصورة يجب التمكن من التصوير ليلا دون اضاءة تقريبا الامر الذي يتطلب افلاما ذات حساسية عالية كان الطلب كما هو الحال غالبا يسبق التقنية، والمناخ الفكري (الذي يتأثر هو نفسه بقطاعات اخرى من التطور العلمي) يسبق الطلب، في هذا العصر ايضا تطور التلفزيون من ناحية والعلوم الاجتماعية من ناحيتها بحثا عن ادوات جديدة. حلم تصوير كل شيء باكتسابها فاعلية اكبر اكتسبت ثنائية كاميرا ـ مسجل صوت خفة اكبر، والامران متلازمان، كان من الممكن ان يتحرك فريق العمل، بتشكيله هذا المكون من مخرج ومصور ومهندس صوت بسهولة لا تضاهيها الا سهولة تلك التحف الصغيرة المستخدمة اليوم، والتي لا تعمل وحدها ايضا واذا كان اختيار افضل المحترفين قد تم من داخل المركز القومي للفيلم في كندا فذلك لان هذه الهيئة كانت سباقة في مجال السينما الميدانية. الخفة تعني قابلية الحركة لكن اصحاب الحكايات لن يكونوا اكثر الناس ولعا بهذه الامكانات الجديدة التي لا تغير الكثير في ظروف عملهم، وحتى لو اوحت اليهم ـ فيما بعد بالنسبة لبعضهم ـ ببعض الافكار الجديدة، في المقابل نستطيع ان نتخيل فرحة المحققين الصحفيين وعلماء الاجتماع وعلماء السلالات البشرية والمناضلين والمتعطشين الى الوثيقة الحية، من الآن فصاعدا من الممكن التوغل في قلب الحدث. وتسجيل احاديث اخر الحكائيين من اجل ابناء المستقبل، والاستماع من المصدر نفسه دون وسائط او على الاقل كان هذا ما اعتقده البعض، الى شهود كل المظالم وكل اعمال القمع، اصبح من الممكن للسينمائيين الجدد ان يتسللوا الى كل مكان وان يصوروا عن بعد وان يحقروا من شأن السلطات، من قال هذا؟ كان الامر جزءا من «روح العصر» بدأت استطلاعات الرأي، التي عرفها المتخصصون وحدهم حتى ذلك الحين، تشق طريقها الصحفي بنجاح وبدأ الرأي العام، ثعبان الماء الجديد، يلتهم نفسه بنفسه، ولم يكف عن ذلك منذئذ، كانت اللقاءات الجديدة المصورة في الشارع بحرية، تمد في وجهه مرآة كانوا يظنونها في شيء من السذاجة مرآة كاشفة صافية،. كان اول فيلم يدخل هذه اللعبة في فرنسا ويغذي «الشائعة» بنفسه ويدافع عنها ، هو فيلم «يوميات صيف» 1960، اجتمع لهذا العمل جان روش، عالم السلالات البشرية والسينمائي صاحب فيلم لافت هو «انا زنجي» 1958 ضمن اشياء اخرى قام بها، وادجار موران عالم الاجتماع ومؤلف عدد من الكتب عن السينما من المنظور التخييلي، وميشيل برو، القادم من المركز القومي للفيلم في كندا بخبرته التي لا تضاهيها خبرة في مجال الفيلم التسجيلي. في رجال ثلاثة اجتمع برنامج كامل.. اسيء فك شفرته واستقطب كل انواع الجدل. وقبلما نعيد احياء نقاشات الامس، ينبغي على الاقل ان نذكر بالافلام التي دارت حولها هذه المناقشات، فهي على اقل تقدير، الباقية. الافلام المؤسسة لكل مقام مقال، بدون وجود المركز القومي للفيلم وهو مؤسسة انشأها عام 1939 المخرج التسجيلي البريطاني جون جريرسون بناء على طلب الحكومة الكندية، يحق لنا ان نتساءل اليوم ما اذا كان بمقدورنا الحديث عن السينما المباشرة بوصفها شيئا اخر غير كونها مرحلة من تاريخ التقنيات السينمائية «وهي تظل كذلك بالنسبة للبعض». سنة 1960: المركز القومي للفيلم الذي انتقل مقره من اوتاوا الى مونتريال، يكتشف في الوقت نفسه التقنيات الجديدة في التصوير، ومن جانب كيبك ـ التي سوف يسمع الجميع بها ـ يتم اكتشاف «الثورة الهادئة» التي تمهد للقومية الكيبكية، بعد مرور الوقت، يبدو المسار مخططا له بعناية، في حين ان كل شيء آنذاك كان يتم عشوائيا يسبقهم للفنيين كان المصورون يجربون الكاميرات وكانت لديهم فرصة عديدة لتبادل الافكار. في عام 1959 وهو عام يؤرخ به، التقى عدد كبير من صناع المستقبل في السينما التي ستبزغ بعد ذلك بعامين تحت اسم «سينما الحقيقة» الجميل، في حلقة بحث روبرت فلاهرتي «احد الرواد الذين سنعود للحديث عنهم» في مدينة سا نتا مارجريتا في كاليفورنيا، وكان من بين الحاضرين هناك ميشيل برو، جان روش وريتشارد ليكوك الاميركي. اما الفيلم الذي نذكره من هذه الفترة الخصبة فهو فيلم «من اجل بقاء العالم» لميشيل برو وبيير بيرو 1963 وهو قصة حقيقية، لم يتم اختلاقها وانما تم ابتعاثها، عن صيد سمكة خنزير البحر» كما كان يحدث في الماضي في منطقة «ليل اوكودر» التي تقع عند مصب نهر «سان لوران» وهي قصة ترمز لكيبك كما كان يعتزم ان يظل او كما كان ينوي ان يصبح، كما نشاء. في الولايات المتحدة المجاورة، بلد النجوم والسيناريوهات المتينة، لم يكن امام السينما المباشرة فرصة كبيرة للدخول في نطاق السينما السائدة، كل ما تبقى أمامها هو ماتحتفظ به «اميركا» بشكل عابر، واحيانا بكرم زائد، لكل ما يحرك الايديولوجية السائدة الثابتة، اي الهامش، بمساعدة التلفزيون ـ الذي يحتاج، على عكس السينما، الى التقنيات الخفيفة بشكل مستمر ـ استطاع بعض الهامشيين ان يستقروا في منطقة مريحة نسبيا وان يوزعوا افلامهم، ليس في قاعات العرض ـ حلمهم ـ ولكن في التلفزيون العام في الولايات المتحدة ـ التي تمثل اقلية ـ على عكس ما يشير اسمها ـ في مواجهة التلفزيون الخاص. لنذكر فيلم «الانتخابات الاولى» 1960 حول شخصية جون كيندي، المرشح الغامض «في اوروبا» للانتخابات الرئاسية الاولى وهو فيلم من اخراج ريتشارد ليكوك الذي يعد، مع روبرت درو، من أهم سينمائيي هذا الاتجاه. لم يبدأ نشاط فردريك وايزمان السينمائي الا عام 1967، وقد تابع، دون ان يعوقه شيء، تحليله الدقيق الصارم للمؤسسات الاميركية «فيلم القانون والنظام» وجاء ذلك بعد انقضاء المعركة لصالحه. يعود «يوميات صيف» الذي سبق ذكره، الى عام 1960، مما يعطيه الاسبقية في مجال النوع. ولنضف انه لم يكن ليمر مرور الكرام قط بسبب شخصية اصحابه ومؤلفيه، ولنفس السبب، بدا هذا الفيلم مثل افلام التحقيق الصحفي ـ وهذا ما كانه بالفعل ـ وليس بيانا للسينما الجديدة ـ وهو ما اصبح عليه بالاتفاق بين مبدعيه. انه فيلم يوميات كما يؤذن بذلك العنوان حيث تترك فرصة الكلام للناس في الشارع «هذه النقطة كانت محل جدال ورفض كبير» الذين كانوا يفاجأون بالميكروفون يجري على طول الارصفة او يقفز ليستقر حول الرقبة «وكان الميكرفون المحمول قد بدأ يشق طريقه في العادات اليومية». في ذات الوقت، اهتم سينمائي آخر هو ماريو راسبولي بنفس الخامات واستكشف نفس المسار وكشف عنه تصويرا واخراجا في تقرير خال من اي زخرف قدمه لليونسكو، ويدين له الناس، الا في حالة الخطأ، بتعبير «السينما المباشرة» الذي ظل مستخدما منذ ذلك الحين والذي يعد اكثر رزانة من تعبير «سينما الحقيقة» المبني على سوء تفاهم تاريخي تولد عنه سوء تفاهم آخر «انظر فيما بعد» كما يدين له الناس بعدد من الافلام الرزينة ومنها فيلمه الكلاسيكي «المجهولون في الارض» 1960. وبطريقته الخاصة، بعيدا عن الجدل الذي لم يشارك فيه قط على أية حال، تجول كريس ماركر، الكاتب وصاحب المقال والمصمم الفني والمصور السينمائي، ايضا في ربوع باريس في شهر مايو سنة 1962 ليعيد تسجيل مسيرة روس وموران الصيفية ولكن في الربيع، وفي الخلفية حرب الجزائر ايضا فلا احد يختار عصره. عرض الفيلم في شهر مايو 1963 تحت عنوان «شهر مايو الجميل» وفي نفس عام عرض «من اجل بقاء العالم» اوضح كريس ماركر بشكل مذهل ان الطريق الى السينما المباشرة متعددة وان الفن والوثيقة يمكنها التعايش معا وان سينما الشارع لم يكن محكوم عليها بالاعتيادية والابتذال، واستمر ماركر في طريقه بعد ما عبر عن هذه الافكار، مجربا في دأب التقنيات الجديدة التي ازدادت خفة وغالبا ما كان ينجح في تجاربه، التي استمر فيها وفقا لآخر الاخبار التي وصلتنا عنه. في فترة لاحقة، حوالي عام 1970 اعتمد ريمون دوباردون الذي عرف حتى ذلك الحين كمصور فوتوغرافي، ممارسة السينما المباشرة، التي اصبحت اكثر خفة الى درجة تتيح كل شيء «او تكاد» امام المخرج. وسمح النجاح الخاطف لفيلم «حوادث» عام 1983 للمتعجلين بتقويم مسار التجربة، مع تذكيرهم في نفس الوقت بأن «قانون القلز» للسوق قد اسدل ستار الصمت على «سينما الواقع» «وان بقي هناك مهرجان على الاقل».