مع تراجع دور الدولة التدخلي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية خاصة منذ ان بدأت الحكومات اليمنية المتعاقبة بتطبيق برنامج الاصلاحات الاقتصادية والمالية عام 1995م وما نتج عن هذه الاصلاحات من انعكاسات على مختلف الشرائح الاجتماعية ما ادى الى اتساع مساحة الفقر وسط المجتمع اليمني. وقد راهنت السلطات اليمنية على المشاركة الشعبية في الحد من تفاقم مشكلة الفقر وبادرت الى تشجيع المؤسسات والمنظمات غير الحكومية ونتج عن هذا التوجه بروز الكثير من الهيئات المجتمعية العاملة في مجال مكافحة الفقر الى جانب الجهود الرسمية مثل التي يقوم بها صندوق التنمية الاجتماعية وصندوق التنمية الزراعية وغيرها من المؤسسات الرسمية وبادرت هذه الهيئات بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني الى تطبيق عدد من الاجراءات والتدابير الهادفة في التخفيف من حدة الفقر وتفشيه في المجتمع اليمني بعد ان وصل الى مستويات مقلقة. حيث تشير التقديرات الرسمية الى ان نسبة من يعيشون تحت خط الفقر وصلت الى 39% من السكان فيما تذهب مصادر غير رسمية الى تقديرات اعلى بكثير وعلى سبيل المثال قدرة منظمة «الاسكوا» نسبة الفقراء بحوالي 47% فيما يؤكد باحثون اقتصاديون مستقلون ان نسبة الفقراء تقدر بحوالي 56% من السكان. وأيا كان نسبة التقديرات فان ظاهرة انتشار الفقر وتفاقمه على نحو غير مسبوق بات يشكل تحديا حقيقياً للسلطات اليمنية ما وصلها الى التعديل على المنظمات غير الحكومية بغية معالجة هذه الظاهرة. ومن هذا المنطلق الذي وفر مناخاً مواتياً لانتعاش المنظمات غير الحكومية كتجسيد لمشاركة المجتمع في الحد من استفحال الفقر باشرت العديد من هذه الهيئات والمنظمات العمل في هذا الميدان. غير ان ما بذلته وتبذله من جهود تبقى محل تقييم وفي دراسة لمنظمة «اوكسفام» اليمن اعدها كل من: شارف بيتي ثابت بجاش، صبرية التور، حول تجارب مشاركة المجتمع اليمني في مكافحة الفقر وعما اذا كانت تلك البرامج التي تنفذها المنظمات غير الحكومية تصل الى الشرائح الفقيرة المستهدفة. وتعتبر هذه الدراسة اول دراسة شاملة تحاول توثيق الاستفادة من خدمات 49 برنامجاً ومشروعاً لمشاركة المجتمع نفذت خلال الفترة من فبراير 2002 وبين يوليو 2002. وهي مجهود مشترك بين اوكسفام كشريك اساسي ووزارة الصحة العامة والسكان وبرنامج الامم المتحدة الانمائي ووضعت قاعدة بيانات شاملة لمشاريع المشاركة المجتمعية في مكافحة ظاهرة الفقر وقامت الدراسة على اساس منهجية استبيان لرؤساء المشاريع بالاضافة الى مراجعة ميدانية للتعرف على خبرات تنظيم المجتمع من المستفيدين وغير المستفيدين في مواقع المشاريع. وشملت غالبية المشاريع المشاركة المعروفة في اليمن سواء منها المؤسسة من قبل الحكومة او المانحين او المنظمات غير الحكومية المحلية وخلصت تلك الدراسة الى نتائج ملفتة للانتباه منها ان مشاركة المجتمع في اليمن ليست جديدة. فقد عمل الناس قديما وحديثاً لتنمية مجتمعاتهم وجاء الاهتمام المتنامي بمشاركة المجتمع في السنوات الاخيرة من قبل المانحين اضافة للمؤسسات الحكومية وغير الحكومية مبنية على تلك التقاليد والامكانيات المحلية علاوة على انها نتيجة للوعي الدولي المتنامي حول كيفية ان المناهج من اعلى الى اسفل تقود للافتقار للاستدامة وعدم الشعور بالملكية والى اقصاء النساء والفقراء عن التنمية. وبالاستناد الى تلك الخبرات سجل الباحثون عددا من الملاحظات منها: ان هناك عددا كبيرا من المشاريع الموجودة والتي تضم القطاعات الخدمية وتنفذ في اغلب المناطق الجغرافية في اليمن والعديد من تلك المشاريع كبير جداً من حيث الميزانية او المدى الجغرافي. هناك توجه متنامي من قبل المؤسسات الحكومية والمنظمات التنموية الدولية، والى حد ما من قبل المنظمات غير الحكومية المحلية لتبني مدخل مشاركة المجتمع، مع عدد كبير من المشاريع الموجودة والتي تضم اغلب القطاعات الخدمية والتي تنفذ في اغلب المناطق الجغرافية في اليمن. والعديد من هذه المشاريع كبير جدا من حيث الميزانية او المدى الجغرافي. وقد طرحت المراجعة سؤالاً رئيسيا هو: بشروط من تحدث مشاركة المجتمع؟ هل بشروط المجتمع ام الشريك الحكومي، المانح، المنظمة غير الحكومية، وعادة لا تملك المجتمعات القوة او المعرفة لمعرفة الترتيبات الافضل لنفسها بالنسبة الى ترتيبات الشراكة، لذلك تكون ذات الكلمة الدنيا في النشاط التنموي مقارنة بشركائها. تعد الاستدامة على مستوى المجتمع قضية رئيسية في المشاريع حيث يشعر حوالي الثلث ان مدخلهم مستدام، ومن ثم فقط يعتبرون اوجها معينة للاستدامة. اضافة لذلك تركيز المشاريع على استدامة الانشطة اكثر من استدامة منظمات المجتمع. ويأتي التمويل لمشاريع مشاركة المجتمع بشكل رئيسي من المانحين والمنظمات غير الحكومية الدولية، في حين ان تنفيذ هذه المشاريع يكون من قبل الحكومة او من خلال ترتيبات تنفيذ مشتركة مع المانحين، وتبقى استدامة تلك المشاريع ماليا وتنظيمياً القضية الرئيسية، رغم ان بعض الوزارات قد بدأت في الدخول في ترتيبات الاستدامة المالية والبرامجية، ومشاركة المجتمع شائقة الاستخدام كوسيلة وليس كفاية في حد ذاتها. وهذا التركيز على مشاركة المجتمع كوسيلة ادى الى وجود تغيرات في انشطة بناء القدرات في المشاريع مما أدى الى وجود ثغرات في قدرة المجتمعات على اكتساب المهارات التي تحتاجها في تنمية تطوير الذات. هذا وتوجد استثناءات لهذه القاعدة العامة تقدم دروساً مفيدة للمشاريع الاخرى. وكوسيلة لتحسين الغاية التقنية الفنية، فان الاكثرية الغالبة من المشاريع شعرت بان مشاركة المجتمع كانت مفيدة حيث ينظر للانشطة المنجزة من خلال المشاركة بأنها اعلى جودة، واكثر استدامة واكثر كفاءة واقل تعقيدات وصراعات. وهذا تأييد قوي لمدخل مشاركة المجتمع. وبالاستناد الى ما خلص اليه الباحثون الثلاثة في دراستهم لتقييم تجربة المشاركة الشعبية فهناك جملة من التوصيات بناء على النتائج الايجابية والسلبية لمراجعة التجربة، منها توصيات بالتنسيق والتعلم الداخلي للمشروع اشاروا فيها الى حقيقة وجود خبرات متراكمة عبر السنوات حول مشاركة المجتمع في اليمن وعليه توفر ثروة من المعلومات يمكن الاعتماد عليها وان البرامج تواجه مشكلات متشابهة الى الحاجة الى التنسيق والتعاون. وتشير نتائج المراجعة للحاجة الى كل من ترتيبات شبكات العمل وربما الى كيان مثل وحدة مشاركة المجتمع يمكنها مساندة المشاريع المختلفة في تنفيذ استراتيجيات مشاركة المجتمع. وتفحص التوصيات الدور الممكن لكل من شبكة العمل والكيان المقترح. وفي مجال الصحة العامة والسكان اوصى الباحثون ان تطلع وزارة الصحة بدورها المشاركة في خبراتها واستخدام دروس المواجهة وخلال دورة المشروع اوصى الباحثون باعتماد خبرة افضل ممارسة مع التأكيد على ضرورة وجود قدر كبير من المعرفة حول ما يصلح وما لا يصلح مع التركيز على قضايا مشاركة النساء والفقراء في هذه العمليات لانهم الاكثر تضرراً من اشكاليات انتشار الفقر. ما يمكن تسجيله على هذه الدراسة هو انه بقدر ما اتبع مذهبية علمية بارعة بوقوفها على اراء القائمين على الجمعيات والهيئات المشتغلة والعاملة في هذا المجال من جهة ووقوفها على اراء المستفيدين والمستهدفين من اعمال مكافحة الفقر الا انها لم تقدم اجابات شافية حول السؤال الاساسي وهو مدى وصول المساعدات للفقراء. وان كانت قد أشارت الى محدودية استفادة النساء والفقراء فان الاشارة تلك جاءت على استحياء نظرا للابعاد السياسية التي تحيط وترتبط باشتغال العديد من الهيئات والمنظمات في مجال مكافحة الفقر. وقد اثبتت التجربة ان الحسابات السياسية في معالجة ظاهرة الفقر تتصدر نشاطات تلك الهيئات الشعبية والمجتمعية وربما ان تعاطي الباحثين مع هذه الابعاد السياسية تقف وراءها هي الاخرى حسابات سياسية حاول من خلالها القائمون بالدراسة تفادي الخوض فيها لاعتبارات سياسية والشائع في عمل مؤسسات العمل المدني في اليمن ان الهيئات الشعبية اصبحت مجالاً خصباً للتنافس السياسي الى درجة ان تصنيف تلك المنظمات تقوم على مدى علاقتها لهذا الحزب او ذاك. وبالتالي ترجيح معيار الولاء والاستقطاب السياسي هو المحدد الرئيسي للمستهدفين من برامج بعض الجمعيات التي تعمل وفق هذا المنطلق. واجمالا يمكن القول ان هذه الملاحظات التي يوردها الكثير من المتابعين لتنامي ظاهرة المشاركة الشعبية اذا كانت تنطبق على اهم المنظمات الاهلية فانها قد لا تنطبق على البعض الاخر وان كانت هذه الاخيرة اقل اهمية من تلك الفاعلة والمؤثرة التي تستند الى دعاية سياسية الا انها مع ذلك تظل نموذجا معبرا عن تنامي دور المنظمات غير الحكومية في معالجة الفقر الذي اصبحت مؤثراته المقلقة تفرض على مختلف المعنيين ليس مجرد التعويل على دور مشاركة المجتمع وحده والتنصل من المسئولية التي يتعين على المؤسسات الرسمية القيام بها في هذا المضمار خاصة منها ما يرتبط بالدور الذي تلعبه الشخصيات المتنفذة في المناطق المستهدفة من توجيه تلك المشاريع وجهة تخدم مكانتهم وتوطدها داخل المجتمعات المحلية وغالبا ما تعمل مثل تلك الشخصيات على الحؤول دون قيام المشاريع المنشأة في المناطق الاكثر احتياجاً لها ويقود ذلك الى حرمان مناطق معينة لصالح مناطق اخرى ولعل ذلك هو موطن الداء حسب بعض القائمين على المشاريع تلك.