شهد القطاع المصرفي المصري خلال الفترة الاخيرة تطورا مهما تمثل في تعيين سيدتين لأول مرة في منصب نائب رئيس لإثنين من أكبر بنوك القطاع العام في مصر، الاولى هي منى ياسين التي عينت في منصب نائب رئيس مجلس ادارة بنك القاهرة وتعد أول سيدة تتولى هذا المنصب الرفيع في البنوك المصرية، العامة منذ تأسيسها. والثانية فاطمة لطفي التي صدر قرار بتعيينها في منصب نائب رئيس مجلس ادارة بنك الاسكندرية لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من أول سبتمبر الجاري. ولم يأت تعيين السيدتين في هذه المناصب الرفيعة من فراغ وانما جاء بعد مشوار طويل قطعته المرأة المصرية العاملة في القطاع المصرفي بعد بدء تجربة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وتسابق البنوك الاجنبية لإقامة فروع لها في مصر، حيث عملت هذه البنوك على التوسع في قبول النساء والفتيات وفتحت امامهن فرص التدريب والتعليم واكتساب المهارات مماترتب عليه تصدرهن الآن مراكز الادارة العليا في معظم هذه البنوك. وعلى العكس من ذلك جاء تطور وضع المرأة في البنوك المصرية على استحياء وهو ماتسبب في بقاء الادارات العليا في هذه البنوك حكرا على الرجال في البنوك العامة وبعض البنوك المشترك مع الاخذ في الحسبان بعض الاستثناءات في هذا الخصوص. وجاء التطور الاخير والذي سبقه تعيين الدكتورة نوال التطاوي وزيرة الاقتصاد المصرية السابقة رئيسا لمجلس ادارة بنك الاستثمار العربي في وقت سابق ليشكل علامة فارقة في وضع المرأة بالقطاع المصرفي في مصر. وفي هذا الاطار اشارت احدى الدراسات حول مشاركة المرأة في عمل البنوك في مصر الى ان نسبة النساء بين اجمالي العاملين في البنوك المصرية تصل الى 24 في المئة وان اعلى مساهمة للمرأة في هذا المجال هي المستويات الوظيفية الوسطى اذ تصل الى 31 في المئة وتقل في مستوى الادارة العليا فلا تتجاوز 22 في المئة وتعد منى ياسين احدى الخبرات المصرفية البارزة في مصر حيث شغلت قبل توليها منصب نائب رئيس بنك القاهرة عدة مناصب من أبرزها رئيس سيتي بنك «فروع مصر.. والمسئولة عن ادارة المخاطر، وقبلها نائب رئيس البنك والمسئولة عن ادارتي الائتمان والتسويق كما عملت في سيتي بنك الاميركي لمدة 25 عاما». وهي حاصلة على بكالوريوس ادارة اعمال من الجامعة الاميركية بالقاهرة، كما حصلت على دبلوم في الاقتصاد من جامعة هارفارد الأميركية. وتقول منى ياسين التي صدر قرار بتعيينها ايضا عضوا ممثلا لبنك القاهرة في مجلس ادارة بنك القاهرة الشرق الأقصى ان مصر تزخر بفرص استثمارية جيدة وقادرة على جذب الاستثمارات الخارجية العربية والاجنبية بشرط توافر المناخ الملائم لعمل هذه الاستثمارات وتذليل العقبات التي تحول بينها وبين الاستثمار في البلاد وحول رؤيتها لتطوير البنوك العامة، تضيف قائلا ان البنوك العامة قادرة على التطور بشرط مدها بالمستجدات الفنية والتكنولوجية، وابتكار اساليب عمل جديدة لجذب شرائح من العملاء، والتوسع في تقديم خدمات التجزئة المصرفية. أما فاطمة لطفي نائب رئيس مجلس ادارة بنك الاسكندرية فتنتمي لمدرسة البنك التجاري الدولي (CIB) أكبر بنوك القطاع الخاص في مصر، وقد التحقت بالعمل في البنك المصري الأميركي في منصب المدير العام ثم التحقت بعد ذلك بالبنك الوطني المصري، حيث شغلت منصب العضو المنتدب بالبنك حتى وقت قريب حيث استقالت من منصبها مؤخرا نظرا لتفجر بعض الخلافات بينها وبين رئيس مجلس ادارة البنك عادل عزي تدور حول رفض عزي تنفيذ المشروع الذي تقدمت به لتطوير البنك ويتضمن التوسع في التجزئة المصرفية والقروض الاستهلاكية وميكنة البنك. من جانبها تعلق هناء الهلالي مدير عام ببنك المؤسسة العربية المصرفية (ABC) مصر على تطور وضع المرأة بالجهاز المصرفي قائلة ان المرأة صالحة جدا للعمل المصرفي وكافة الوظائف في هذا العصر الذي لا يعتمد على القوة العضلية. كما أن البنوك التي تسمح لنفسها بالتفريق بين الرجال والنساء ولو شعوريا تخسر ثروة من المواهب تتوافر في المرأة التي تتميز بانها اكثر مرونة وحسما واقل خداعا وأقدر على الوصول الى اتفاق من الرجال. وتضيف الهلالي انه مع الدخول الى مجتمع المعلومات وتحول دور المدير ليكون اقرب الى المعلم والناصح المنمي لقدرات العاملين معه تظهر اسباب اخرى تحض البنوك على الاستفادة من القدرات الادارية عند المرأة باعتبار ان هذه المواصفات تتمتع بها بشكل طبيعي. وتشير هناء الهلالي الى اهمية تعميم العمل الالكتروني في كافة البنوك العاملة في مصر، وتوصيل الخدمات المصرفية الى العميل اينما كان، وابتكار مجموعة من المنتجات المصرفية الجديدة والتوسع في قروض المستهلكين. وتمثل هناء الهلالي حالة نموذجية للتغيير في أدوار النساء بالبنوك المصرية، فقد تخرجت في عام 1976، وعملت في البنك المصري الأميركي عقب تخرجها مباشرة وحتى عام 1979 عندما التحقت بأحد بنوك ولاية انديانا الاميركية، وحتى عام 1981 حيث التحقت من جديد بالبنك المصري الاميركي في ادارة التسويات وحسابات المراسلين ثم ادارة المراجعة والتفتيش. ثم تلقت عرضا من «ايه بي امرو» الهولندي للعمل كمستشار تسويق لفروع البنك الرئيسي في سويسرا وادارة الاصول في هولندا وانتقلت بعد ذلك الى البنك العربي الافريقي الدولي الى ان انتهى بها المقام في بنك المؤسسة العربية المصرفية. أما الدكتورة نوال التطاوي رئيس مجلس ادارة بنك الاستثمار العربي سابقا وأول امرأة تتولى رئاسة بنك في مصر فتقول ان المرأة تلعب دورا كبيرا في ادارة البنوك المصرية ولا تقل أهمية في العمل عن الرجل وانه بالرغم من طبيعة التطور الاجتماعي والحداثة النسبية لدخول المرأة في بعض المجالات ومنها البنوك، فقد حجزت المرأة مقاعدها في القطاع المصرفي ونالت استحسان الجميع بفضل كفاءتها وادائها الجيد. وتشير د.نوال التطاوي الى ان المؤشر الذي يدعو الى القلق يتمثل في انخفاض نسبة النساء في المستويات الوظيفية الأدنى حيث تبلغ 21% وهي اقل من النسبة الاجمالية لمشاركة النساء في العمالة في البنوك البالغة 24% واقل بشكل واضح من نسبتهن في المستويات الوظيفية الوسطى 31% وهو مايستدعي تضافر جهود القائمين على البنوك لتدارس أسباب هذه الظاهرة. واختتمت د.نوال التطاوي بالقول انه بغض النظر عن الارقام والنسب فقد وصلت المراة بكفاءتها وجهودها ومثابرتها الى اعلى المراكز في عدد من البنوك واثبتت وجودها كعنصر مؤثر في دعم الدور التنموي لهذه المؤسسات المالية. أما سمر الملا أول شخصية نسائية تتولى منصب المدير الاقليمي لمنطقة وفروع البنك العربي في مصر خلفا لحاتم صادق الذي استقال من منصبه فتقول ان تعيين المرأة في المناصب القيادية بالبنوك لم يأت من فراغ وانما جاء بعد تاريخ طويل من الجهد والعرق والمثابرة واكتساب الخبرات، كما ان المرأة لم تحقق بعد كل ماتصبو اليه في هذا الشأن وتحتاج الى مزيد من التطور والخبرات حتى تنال اعلى المناصب بالبنوك. وترى سمر الملا ان ابرز القضايا المصرفية التي تشغلها تتمثل في تعميم بطاقات الائتمان والاهتمام بالقروض الصغيرة وجذب شرائح جديدة للتعامل مع البنك وايجاد حلول للقضايا التي ظهرت على السطح في الآونة الاخيرة وابرزها ملف المتعثرين ودعم الصادرات وتحقيق التوازن في استخدامات النقد الأجنبي والتوازن بين الادخار والاستثمار ومتطلبات وآليات اسعار الفائدة. كما تأمل الملا في الارتقاء بالشباب من موظفي البنوك واعدادهم فنيا واداريا لتشكيل صف ثان من الكوادر المؤهلة لقيادة العمل المصرفي في مصر. وكانت سمر الملا قد قادت حملة لجمع التبرعات لدعم الانتفاضة الفلسطينية في مطلع ابريل الماضي بالتعاون مع الامانة العامة لجامعة الدول العربية التي انشأت في هذا الشأن «صندوق دعم نضال الشعب الفلسطيني». ومن جهتها تؤكد الدكتورة فائقة الرفاعي وكيلة البنك المركزي المصري السابقة ان المرأة المصرية جديرة بالمزيد من الوظائف العليا في الجهاز المصرفي وان ماحققته في هذا الخصوص لا يرتقى الى مستوى طموحاتها بالنظر الى الامكانيات المتعددة التي تتمتع بها وخبراتها وكفاءتها التي اثبتتها على مر الايام والسنين.