استقبلت مصر العديد من المهاجرين من مختلف الدول الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين حيث تدفقوا عليها من كل بقاع أوروبا باعداد هائلة، بحثا عن الرزق خاصة في ظل تجربة محمد علي وحاجته لمتخصصين في مختلف المجالات إذ لم يتوفر ذلك بين المصريين انئذ لذا اعتمد على غير ابناء البلد في بناء دولته الحديثة على النمط الأوروبي وجاء اليونانيون في المقام الأول كأكبر وأكثر الجاليات الأجنبية في مصر حيث انتشروا في كل انحاء مصر على السواحل والوادي والمدن والقرى والنجوع وهذا مادعى اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر الى القول اينما حركت حجرا في مصر وجدت تحته يونانيا. وقد لعبت الجالية اليونانية دورا بارزا في شتى نواحي الحياة المصرية من اقتصادية واجتماعية بل وسياسية اذ ان الجالية كانت أكثر الجاليات التي حاولت اختراق الحاجز الاجتماعي بينهم وبين المصريين حيث تشير وقائع تاريخية كثيرة الى التداخل والامتزاج الحضاري بين اليونانيين وبين المصريين والذي يتأكد دورهم سلبا وايجابا في التعامل مع المصريين ويوجد في مصر الآن جالية يونانية يبلغ تعدادها حوالي خمسة آلاف نسمة مازالت تحتفظ بثقافتها وهويتها بالرغم من تجنسهم بالجنسية المصرية وتمتعهم بكافة حقوق وواجبات المواطنة. ويقول مدير الجمعية اليونانية بالقاهرة جورج فلاس ان اليونانيين في مصر تغلغلوا داخل نسيج الحياة اليومية خاصة في المجالات الاقتصادية اذ انهم كانوا يمثلون اكبر الجاليات الأوروبية في مصر وتركز في ايديهم تجارة الجملة والقطاعي والاستيراد والتصدير خاصة في ظل نظام الامتيازات الاجنبية الذي كان يمنحهم اعفاء شبه تام من ضرائب الدخل والعقارات فلعب اليونانيون دورا بارزا في تجارة التجزئة وكأصحاب الحانات وتزايدت اعداد المشتغلين منهم بالربا وقد قال عنهم اللورد كرومر اينما تتوفر اقل امكانية للشراء بثمن رخيص والبيع بسعر مرتفع ستجد التاجر اليوناني وعندما زار سراس جنوب وادي حلفا تعجب من وجود بعض اليونانيين الذين يبيعون السردين والبسكويت وخلافه لعدد محدود من الزبائن. ومن العوامل الهامة التي ادت الى بروز الدور الاقتصادي لليونانيين في مصر ان اليونانيين اينما استقروا كانوا يظهرون روحا من التماسك كانت محل اعجاب عالم التجار والمال ففي أوقات الرخاء كانوا يعملون معا كي تكون صفقات كل واحد منهم أكثر ربحا يبيعون ويشترون متضامنين متماسكين ويدعمون ارصدتهم بقبول أوراق بعضهم المالية وخصمها ويحتفظون بالرسوم لمواطنيهم، وفي وقت الازمات كانوا يعتبرون سمعة كل شركة هي سمعة المجموعة كلها ويبذلون الجهود لانقاذ أي بيت تجاري من محنته فكانت الروابط الاجتماعية فيما بينهم قوية وكانوا مخلصين لعقيدتهم الى درجة انهم كانوا نادرا ماكانوا يتزوجون من خارج عائلاتهم أي انهم فعلا كانوا يكونون مايمكن ان نسميه بلغة التضامن والتعاون قبيلة تجارية بخصائصها وسماتها. وقد اسهم اليونانيون في تأسيس العديد من الشركات التجارية والصناعية والزراعية فقد شارك بعض اليونانيين في ادخال بعض الصناعات الموجودة بمصر حاليا مثل صناعة الكحول وملحقاتها فقد انشئ عام 1882 مصنع الكحول في طره اليوناني المسيوكوتسيكا والذي سميت المنطقة الآن باسمه وكوتسيكا احتكر صناعة السبيرتو في مصر في ذلك الوقت وكان يعد من اغنى اغنياء الجالية اليونانية اذ كانت تقدر ثروته بأربعة ملايين من الجنيهات وكان هذا الاحتكار سببا في انتشار صناعة الخمور وتجارتها بين اليونانيين في مصر اذ فتحوا العديد من المقاهي والحانات لبيع الخمور في المدن والقرى كما سيطر اليونانيون على اعمال شركة الكروم والكحول المصرية وعلى فروعها بالاسكندرية والقاهرة وأبوالمطامير وقد امتلكت هذه الشركة الاف الأفدنة اذ ان شركة الكروم انشئت على يد يوناني قام بزراعة صنف جديد من العنب في مزرعة قريبة من الاسكندرية وسمى على اسمه وهو عنب الجناكليس الذي يصنع منه النبيذ كما سميت المنطقة بعد ذلك باسم ذلك العنب. كما يعد اليوناني يني ساكلاريدس هو الذي ادخل القطن طويل التيلة الى مصر حتى انه كان يطلق على هذا النوع من القطن اسم ساكلاريدس وفي العشرينيات من القرن الماضي اصبح لليونانيين الغلبة في رأس مال العديد من الشركات التي تأسست في مصر. واضاف مدير الجمعية ان من العوامل التي ساعدت على حفاظ اليونانيين في مصر على هويتهم الخاصة انهم منذ دخولهم الى مصر كلما حلوا ببلد انشأوا فيها كنيسة ومدرسة فمثلا في منتصف القرن السابع عشر افتتحت الجالية اليونانية مدرسة خاصة لها في مصر القديمة في دير سان جورج ثم توسعوا بعد ذلك فأنشأوا مدرستين اخريين احداها في حارة الروم والاخرى في الحواتية بالقاهرة ثم انشأوا مدرسة اخرى بالاسكندرية في دير سان ساباس بعد ذلك انشأوا كنائس ومدارس ملحقة بها في المنصورة وطنطا وبورسعيد والسويس والزقازيق والاسماعيلية وشبين الكوم وقد تزايدت هذه المدارس بتزايد اعداد الجالية وقبولها لطلاب غير يونانيين حتى بلغ عددها عام 1934 حوالي 61 مدرسة منتشرين في مختلف انحاء مصر وقد تقلص عدد هذه المدارس الآن بشكل كبير ولم يتبق منها سوى مدرستين واحدة بالقاهرة والاخرى بالاسكندرية ومدرسة القاهرة توجد بمصر الجديدة وتسمى بالمدرسة العابدية وتضم ثلاث مراحل تعليمية ابتدائي اعدادي وثانوي والتدريس فيها باللغة اليونانية الى جانب اللغات الانجليزية والفرنسية والعربية كما يوجد بالاسكندرية جمعية اخرى لليونانيين ترعى شئون الجالية هناك ويوجد ناد رياضي شهير بمنطقة الشاطبي لليونانيين كما قامت الجالية بوضع حجر الأساس للجامعة اليونانية بالاسكندرية والتي سيطلق عليها جامعة الاسكندر الأكبر حيث ستقام تلك الجامعة على قطعة أرض من أملاك الجمعية بالشاطبي. ويوجد للجالية مستشفى تقدم الخدمات الطبية مجانا لليونانيين وتفتح أبوابها للمصريين وهي المستشفى الاجنبي الوصيفي مصر وتسمى المستشفى اليوناني وتوجد بالعباسية كما يوجد لليونانيين ناد اجتماعي في منطقة وسط البلد يلتقي فيه ابناء الجالية مساء كل خميس وسبت وفي الاعياد والمناسبات القومية تأتي الينا فرق يونانية تقدم فقرات من الفلكلور اليوناني وفي هذا النادي يتقابل اليونانيون واصدقاؤهم المصريون وهو مايزيد من التعارف والترابط بين ابناء الجالية وفي منطقة وسط البلد توجد الكنيسة اليونانية الخاصة بالجالية والتي تقام فيها الصلاة باللغة اليونانية وتقام فيها احتفالات الزواج لابناء الجالية وكذلك مراسم الجنازات والعزاء. وتصدر الجالية جريدة يومية اسمها «فوس» عمرها الآن يتجاوز المئة عام وهي الوحيدة الباقية من بين 10 جرائد كانت تصدر في مصر وتعبر عن الجالية اليونانية وتغطي اخبارها ويجري توزيع اعداد منها في قبرص واثينا كما تحرص الاسر على اطلاق اسماء يونانية على المواليد الجدد وذلك حتى لا تندثر تلك الاسماء التي تميزهم عن غيرهم والتي من أشهرها ماريا وكريستينا عند السيدات وبين خريستو ونيقولا وديمتري عند الرجال من عادات اليونانيين المصريين عند زواج الشباب ان تدفع العروس المهر «دوتا باليوناني» للعريس والذي يختلف من حالة لاخرى حسب المستوى الاجتماعي للعروسين مقابل تأثيث الشقة بمعرفة العريس وتقديم الشبكة للعروس. وقد وقف بعض افراد الجالية اليونانية في مصر وفي خارجها بجانب الشعب المصري وبصفة خاصة القبارصة اليونانيين وكان ترديد هتاف «ناصر مكاريوس» تعبيراً عن ذلك التضامن والذي ظهر كذلك حين انسحب معظم المرشدين الاجانب من بورسعيد في سبتمبر 1956 بعد تأميم القناة استمر المرشدون اليونانيون الذين لم يخضعوا لضغوط الشركة المؤممة ووقعت مصر عقودا جديدة معهم وفي اثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 شارك اليونانيون المصريون اعمال المقاومة بالنفس والمال حيث انضموا للجبهة المتحدة لاعمال المقاومة الشعبية باسم منظمة «أيوكا» واصدروا منشوراتهم باليونانية والعربية واعلنوا تضامنهم وتأييدهم للشعب في نضاله ودعوا فيها اليونانيين الاحرار في بورسعيد الى تدعيم لجان المعركة في المدينة وعدم الاستماع الى دعايات واشاعات المستعمر والتي تهدف الى الوقيعة بين الشعب المصري والشعب اليوناني وقدموا النقود والتبرعات واعلنت الجالية اليونانية في مصر ان 223 فردا من افرادها انضموا الى جيش التحرير كما اقبل الكثير منهم على مراكز التدريب على اعمال التمريض وتطوع بعضهم بتقديم ملابس لجنود مصر. ويقول د.سيد عشماوي استاذ التاريخ الحديث بكلية آداب القاهرة ان النزوح اليوناني الى مصر يرتبط بالتدفق الاوروبي بصفة عامة في النصف الأول من القرن التاسع عشر بداية من حكم محمد علي والذي فتح امامهم باب الهجرة الى مصر على مصراعيه لحاجته الشديدة الى كل القوى الفاعلة والفعالة لبناء الدولة الحديثة الى النمط الأوروبي كما ارتبط هذا النزوح ايضا بكون مصر احدى الولايات العثمانية حيث درجت الادارة العثمانية على معاملة رعاياها ابناء مذهب الروم الارثوذكس الذي يعتنقه أغلب اليونانيين معاملة تتسم بالتسامح والرحمة كما كان لنظام الامتيازات الاجنبية التي كانت تعفيهم من دفع الضرائب وتمنحهم الحق في ان يحاكمهم الخاصة والتي بدأت بمعاهدة 1840 دورا كبيرا في تشجيع الأوروبيين واليونانيين بصفة خاصة على المجئ الى مصر والاستثمار بها حتى سيطروا على معظم تجارتها وكافة أنواع النشاط المالي فيها كما زاد النزوح اليوناني الى مصر في أعقاب ثورة عام 1821 والاضطهاد التركي الذي اعقبها فجاء هؤلاء اللاجئين الى مصر واستقر كثير منهم فيما وراء المدن في داخل البلاد وكان في هذا سر قوتهم حيث فضل منافسيهم من الفرنسيين والانجليز المتعة والراحة بالاسكندرية والقاهرة اما اليونانيون فعلى الرغم من انهم لم يهملوا الميناء الا ان بعضهم وصل الى الجنوب ومنهم من ذهب الى القاهرة حيث ساعدوا على ان تكون العاصمة السياسية مركزا تجاريا كذلك ذهب اخرون الى جهات بعيدة في الصعيد والسودان يبيعون الأقمشة والمصنوعات الرخيصة والأدوات المنزلية للمزارعين العرب والبدو ويقرضونهم بشروط مجحفة ويشترون منتجات تلك المناطق ويرسلونها لمواطنيهم في الاسكندرية لكي يتم تصديرها الى الخارج. وقد ظلت اعداد اليونانيين تتزايد في مصر حتى وصل عددهم عام 1927 الى أكثر من 75 ألف نسمة الا ان هذه الزيادة اخذت تتقلص بعد ذلك بسبب الظروف السياسية التي تعرضت لها مصر مثل الغاء الامتيازات الاجنبية مما أدى الى هجرة بعضهم الى خارج مصر ثم كانت التطورات التي مست كل قطاعات الاقليات الاجنبية في مصر بعد ثورة يوليو 1952 بسبب حركة التأميم التي قامت بها الثورة وتمصير الاقتصاد المصري الأمر الذي دفع أغلبية كبيرة من اليونانيين الى مغادرة البلاد ولم يتبق منهم غير اعداد قليلة من الحاصلين على الجنسية المصرية والذين فضلوا البقاء في مصر على العودة لوطنهم الاصلي ويتركز معظمهم الآن بين القاهرة والاسكندرية