ربما لا يتصور أهالي القاهرة ان منطقة «وسط البلد» التي تضم أفخم العمارات وأرقى المحلات التجارية كانت يوما من الأيام مجموعة من التلال والبرك، وربما لا يتخيل أحد أن الموقع الذي يشغله الآن البنك المركزي المصري وعمارة الايموبيليا وسوق الشواربي الشهير كانت المقر الرئيسي لمدابغ الجلود في القاهرة بما تحمله من روائح وقاذورات حتى الجزء الغربي من شوارع عدلي وثروت وقصر النيل وسليمان باشا كانت بركة مياه اسمها بركة «قرموط» وجزء من بستان بن ثعلب، لكن الذي يعرفه القاهريون تمام المعرفة هو أن صاحب الفضل في النقلة الحضارية التي تنعم بها منطقة وسط القاهرة 135 سنة وحتى الآن هو الخديوي اسماعيل، فقد كان شغوفا بالبناء، محبا للحضارة الغربية وعمارتها وكان يحلم دائما بأن يجعل القاهرة قطعة من باريس فلما آلت اليه السلطة عام 1863 شرع في تنفيذ حلمه فأزال الكميان والأتربة التي كانت تحيط بها وردم البرك وخططها على النسق الأوروبي لتصبح مدينة متلألئة ساحرة، فانشأ الشوارع والحارات في خطوط مستقيمة اغلبها متقاطع على زوايا قائمة ودكت شوارعها وحاراتها بالحجر «الدقشوم»، وجعل على جوانبها ارصفة للمارة، وخصص وسط الشوارع للعربات والدواب ومهدت في اراضيها المياه لرش بساتينها واقيمت فيها أعمدة المصابيح لانارتها بغاز الاستصباح فغدت وسط القاهرة كما وصفها علي مبارك في خططه أبهج أخطاط القاهرة وأعمرها فسكنها الأمراء والأعيان، كما وصفتها ارتيمس كوبر في كتاب القاهرة في الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945 الذي ترجمه الكاتب الكبير محمد الخولي فقالت انه ميل مربع من ميدان الاسماعيلية «التحرير» حتى حدائق الازبكية كان يضم مجتمع النخبة على المستوى الاجتماعي والسياسي، وكان المركز التجاري للمدينة يقع في هذه المنطقة الحافلة بالشوارع العريضة التي تحفها المكاتب والعمارات السكنية ويقوم فيها بين موقع واخر المحلات التجارية الكبرى الحديثة، أما الطرز المعمارية لهذه المباني فكانت اما الطراز النمساوي أو الايطالي أو العمارة الحديثة أو الطراز النيو عربي بكل زخارفه، وقد أطلت المحلات على مجرى الشارع من خلال واجهات لعرض المنتجات ولافتات ضخمة مكتوبة بالفرنسية أو العربية بالاضافة للبنوك والسينمات والمقاهي والحانات وجاء في وصفها لشارع عدلي باشا أنه لم يكن بعيد الشبه عن شارع سان جيمس في لندن وهو مايؤكد ان اسماعيل نجح بالفعل في جعل شوارع وسط القاهرة قطعة من أوروبا وقد استعان اسماعيل بخبرة مجموعة من المهندسين الأوروبيين في تخطيط شوارع وميادين القاهرة وكان على رأسهم مهندس نابليون الثالث ويدعى أوسمان الذي وضع المباني الهامة في الميادين وعلى محاور شوارع رئيسية، كما استعان بالمهندسين الايطاليين «أفوسكاني» و«أورسيني» في بناء دار الاوبرا عام 1869 على نمط أوبرا «لاسكالا» بميلانو وتم بناؤها بخشب فاخر مستورد من لبنان دون استعمال أسمنت أو طوب وكلف المهندس مارييت بانشاء المتحف المصري وكلف «دي كوريل دل روسو» ببناء قصر عابدين لينقل مقر الحكم من القلعة الى وسط القاهرة على اطلال منزل عابدين بك أحد امراء الأتراك وقد مزج روسو بين الكلاسيكية في الوجهات وبين طرز الباروك والركوكو والاسلامي والبيزنطي في الدواخل وترك المهندس امامه ميدانا واسعا تلتقي فيه الطرق المؤدية الى الازبكية محاولا تقليد ميدان الكونكورد امام قصر التوبلري، واستمر الحكام من بعده في أوائل القرن العشرين في الاستعانة بالمهندسين الأجانب لتشييد المباني الفاخرة بوسط القاهرة فاسندت الى الايطالي «لاشاك» مهمة انشاء المركز الرئيسي لبنك مصر بشارع شريف ومبنى وزارة الخارجية القديم بميدان الاسماعيلية، وانشأ مساعده المهندس «ماتزا» مجموعة من العمارات الكلاسيكية بميدان طلعت حرب كان يتوسطها تمثال لسليمان باشا قبل تحويله إلى ميدان طلعت حرب ومازالت عمارة «الشرق للتأمين» بالميدان شاهدة على روعة المعمار وكذلك عمارة صيدناوي الشهيرة ومجموعة العمارات الضخمة بشارع عبدالخالق ثروت واهمها عمارة «السيكورازيوني»، واستكمالا للشكل الأوروبي الذي كان اسماعيل مولعا به رأى تزيين الميادين بتماثيل العظماء تخليدا لذكراهم فأمر بصنع تمثال لوالده ابراهيم باشا وضع في ميدان سمي باسمه والذي تحول فيما بعد الى ميدان الأوبرا ومازال تمثال ابراهيم باشا بحصانه الشهير قائما بالميدان حتى الآن كما أقام تمثالاً لسليمان باشا في الميدان الذي يحمل اسمه لكنه أزيل بعد ان تغير اسمه الى ميدان طلعت حرب واستمر هذا التقليد قائما بعد رحيل اسماعيل فوضعت تماثيل لزعماء الحركة الوطنية في الميادين التي سميت بأسمائهم مثل مصطفى كامل ومحمد فريد والغريب ان الخديوي اسماعيل صاحب هذا التقليد لم يشأ القدر ان يعتلي تمثاله أحد الميادين في المنطقة التي خططها وأطلق عليها الاسماعيلية في البداية حتى عندما عزم الملك السابق فاروق على وضع تمثال لجده اسماعيل في الميدان الذي كان يحمل اسمه «ميدان الاسماعيلية» «التحرير سابقا» لم يتمكن من ذ لك، فقد قامت ثورة يوليو واجهضت مشروعه لتخليد ذكرى جده وكان قد أعد للتمثال قاعدة ضخمة بوسط الميدان وكانت فكرته تقضي بأن ينظر تمثال جده من ميدان الاسماعيلية على تمثال والده فؤاد الأول بميدان عابدين والذي يطل بدوره على تمثال ابراهيم باشا لكن الفكرة لم تكتمل وازيل تمثال فؤاد الأول وبقى تمثال ابراهيم باشا فقط الى جانب تماثيل الزعماء الوطنيين. ظلت منطقة وسط القاهرة حتى النصف الثاني من القرن الماضي مجتمعا مخمليا يجتذب المشاهير والاعيان اليه للاستمتاع بالهدوء والنظام والرقي الذي نشأت عليه المنطقة وتنافسوا في زيادة اعمارها فبني الفنان أنور وجدي عمارته الشهيرة على مشارف شارع شريف باشا من ناحية باب اللوق وبنى اسماعيل باشا صدقي رئيس الوزراء عمارة الايموبيليا أضخم عمارات وسط البلد عام 1933 بشارع شريف على برجين كبيرين وسكنها كثير من الوزراء والأعيان والفنانين ومنهم محمد فوزي ومديحة يسري وماجدة الصباحي وماجدة الخطيب وشهدت بدايات القرن الماضي افتتاح مجموعة من المحلات الضخمة برؤوس أموال أجنبية مثل شملا وشكوريل وصيدناوي وجاتينيو كانت نقطة تحول انتقلت بعدها المنطقة الى أهم سوق تجاري بالعاصمة، وتنافست البنوك على ايجاد مقار لها وخلال النصف الثاني من القرن العشرين طغى النشاط التجاري على المنطقة وازدحمت شوارعها بأهالي القاهرة الذين وجدوا فيها متعة الشراء والتنزه معا، أما سكان المنطقة فقد أزعجهم الزحام وتزايد الحركة التجارية فبحث أغلبهم عن أماكن أخرى أكثر هدوءاً، وعلى الجانب الآخر تنامى النشاط التجاري أكثر وزادت وسائل التسلية والترفيه امام رواد المنطقة فنشأت بها أسواق شبه متخصصة واحتلت شوارع فؤاد الأول 26يوليو، وسليمان باشا والشواربي مكانة خاصة في مجال الملابس الجاهزة، في حين تخصص ميدان الأوبرا في بيع الأقمشة فقط، وساعد على رواج المنطقة تجاريا وجود وسائل للترفيه ممثلة في مجموعة من دور العرض السينمائي الكبرى مثل «راديو ومترو، وقصر النيل، وميامي» وكذلك وجود أماكن للقاء الأصدقاء والعائلات مثل محلات «جروبي» بميدان طلعت حرب وصديقه جروبي بشارع عدلي وهما من الأماكن المحببة لرواد وسط القاهرة، وكافيتريا الأمريكين الملحقة بمحل الحلويات الشهير على ناصية شارع سليمان باشا وعلى بعد خطوات منه يوجد أقدم وأشهر كافي شوب بوسط القاهرة وهو المعروف باسم «البن البرازيلي»، وقد احتفظت المنطقة بجاذبيتها لابناء القاهرة كسوق تجاري ومتنزه رغم التوسعات الهائلة والاسواق والمولات الحديثة في أماكن اخرى كالمهندسين ومدينة نصر، فانشأت محلات اخرى جديدة على غرار جروبي والأمريكين ولكن بشكل أكثر شعبية مثل محلات العبد بشارع سليمان باشا وشريف، ومحلات «فلفلة» و«جاد» واجتذبت المطاعم الكبرى لانشاء فروع لها مثل «ومبي» و«كنتاكي» و«ماكدونالدز»، وتعد الجولة التي يقوم بها أي زائر للمنطقة وسط شوارع وسط القاهرة العريقة متعة كبيرة في حد ذاتها سواء كان الهدف الشراء فقط أو التنزه والشراء معا، وتحتل شوارع شريف وسليمان باشا أو «طلعت حرب» وعبدالخالق ثروت وعدلي مكانة خاصة للمترددين على وسط القاهرة فهي ان كانت الآن مواقع للنزهة والمتعة والتسوق فهي أيضا نماذج حية على النقلة الحضارية التي احدثها الخديوي اسماعيل في قلب القاهرة منذ حوالي 135 عاما وشاهدة على دقة التخطيط وروعة التنفيذ. ويعتبر شارع شريف باشا أحد أهم شوارع وسط القاهرة وأكثرها احتفاظا بالقيمة المعمارية والتاريخية في هذه المنطقة ويضم الشارع مجموعة كبيرة من المنشآت الحيوية مثل البنك المركزي المصري الذي انشأه طلعت باشا حرب ومبنى وزارة الأوقاف وعمارة الايموبيليا التي تعد تحفة معمارية في مواجهة البنك المركزي، ويعد الشارع شريانا حيويا للسيارات يصل بين شارع 26 يوليو وميدان باب اللوق كما يعد من الأسواق التجارية الهامة حيث يضم مئات المحلات التي تتنوع أنشطتها مابين الملابس الجاهزة مثل محلات «جولدن مان» و«بلاي بوي» و«التوحيد والنور» والمكتبات الضخمة مثل «دار المعارف، وهيئة الكتاب» ومحلات الأجهزة مثل «سنتر، شريف، العجيل» ويتوازي شارع شريف مع شارعي سليمان باشا ومحمد فريد كما يتقاطع مع شوارع عبدالخالق ثروت وعدلي رشدي، والغريب ان هذا الشارع الذي يدخل الآن ضمن قائمة أرقى شوارع القاهرة،كان أكثر مناطق القاهرة ازعاجا للسكان حيث كانت به مدابغ الجلود قبل نقلها الى حي مصر القديمة، وكان الاسم القديم له هو شارع «المدابغ» قبل أن يطلق عليه اسم شريف باشا تكريما له كواحد من اعلام مصر الحديثة في مجال السياسة، وشريف باشا من أصل تركي تولى النظارة «رئاسة الوزراء» ثلاث مرات الأولى في عهد اسماعيل عام 1879 وأطلق عليها في ذلك الوقت الوزارة الدستورية الأولى وظل في منصبه حتى عزل اسماعيل وتولى الحكم ابنه توفيق فحل نظارة شريف والثانية عام 1881 واسقطها العرابيون والثالثة عام 1882 حتى استقال عام 1884 بعد رفضه جلاء الجيش المصري عن السودان. أما شارع سليمان باشا فهو أهم شوارع وسط القاهرة من الناحية التجارية ويحتل المكانة الأولى كمتنزه لأهالي القاهرة خاصة خلال شهر رمضان والاعياد وليالي الصيف الساهرة حيث يضم الى جانب مئات المحلات المتخصصة في الملابس والأحذية ثلاثاً من أكبر دور العرض زحاما، ويتميز الشارع بوجود مجموعة من محلات الاحذية الشهيرة المتلاصقة التي حققت شهرة واسعة مثل زلط ولطفي والسمالوطي ويوجد عند مدخله من ناحية شارع 26 يوليو حلواني «الأميركين» اسفل فندق أمية العريق ويعد المحل والفندق من أقدم المنشآت بالشارع ويتمتع محل الأمريكين والكافيتيريا الملحقة به بمكانة خاصة، ويليه محل اخر للحلويات هو تسيباس ثم فؤاد الأول ويعد الشارع أهم أسواق الملابس وأكثرها رواجا بوسط القاهرة والغريب ان الشارع الذي تغير اسمه بعد ثورة يوليو الى شارع طلعت حرب تخليدا لذكرى الاقتصادي الكبير طلعت باشا في دعم النهضة الاقتصادية في العشرينيات الا انه مازال يحتفظ باسمه القديم وهو سليمان باشا، وليس من قبيل الصدفة ان الشارعين المتوازيين شريف وسليمان باشا الفرنساوي والتي قد لا يعرفهما كثير من المترددين عليهما تدل على صلة قرابة بينهما، فقد كان سليمان باشا الكولونيل فرنسي الجنسية صهرا لشريف باشا، فقد تزوج شريف بابنة سليمان، وكان سليمان من رجال محمد علي باشا استعان به في انشاء وتدريب الجيش المصري عام 1819 واعتنق الاسلام وشارك في حروب ابراهيم باشا في الشام عام 1939 ووصل الى رئاسة رجال الجهادية وهو منصب يوازي وزير الحربية أو الدفاع الآن. ويمثل شارع عبدالخالق ثروت حالة خاصة بين شوارع وسط القاهرة باعتباره شاهدا على التطور الهائل الذي احدثه الخديوي اسماعيل بالمنطقة، فقد كان الاسم القديم له وهو «المناخ» معبرا عن النشاط الأصلي له وهو «مناخ الجمال» أو «موقف للابل» في عهد ابراهيم باشا ابن محمد علي، فقد انشأ ابراهيم باشا ذلك المناخ بجوار جامع الكخيا في الموقع الذي اراد عباس الأول ان يقيم به قصره لكن الخديوي اسماعيل عندما تولى الحكم اشترى ارض المناخ وادخلها ضمن تنظيم منطقة الازبكية وكان الشارع وقتها يصل بين بركة الازبكية وحي بولاق وهو الآن يصل مابين ميدان الأوبرا وشارع رمسيس ونقابتي المحامين والصحفيين وبجوارهما نادي القضاة، وهو من الناحية التجارية اقل اهمية من شارع شريف وسليمان باشا ويتفرغ منه شارع الشواربي الشهير بتجارة الملابس ويعتبر المدخل الرئيسي المتجه الى نفق الازهر من ناحية شارع رمسيس، أما شارع عدلي والمنسوب اسمه الى عدلي يكن باشا وهو الموازي لشارع عبدالخالق ثروت فإن أهم المنشآت الموجودة به هو المعبد اليهودي ويتميز الشارع بوجود سوق صغير لتجارة منتجات الجلود والعاديات من انتاج خان الخليلي ويتفرع منه ممر الكونتننتال الذي يصل بين شارعي عدلي و26 يوليو ويشتهر بالاتجار في ملابس ومستلزمات العرائس، وكان هذا الشارع حتى عام 1933 يسمى بشارع المغربي وكان قبل النهضة التي قادها الخديوي اسماعيل لتحديث القاهرة مجرد طريق يتقاطع مع الخليج الناصري ويمر الناس فيه فوق قنطرة تسمى قنطرة المغربي نسبة الى صلاح الدين بن يوسف المغربي رئيس الاطباء في زمن الناصر محمد وتوفى عام 756 هـ وكان قد انشأ جامعا وعمل فيه درسا ورتب له المقرئين وبنى بجانبه قبة دفن فيها ولكن هذا الجامع أزيل ولم تبق منه الا زاوية صغيرة ربما لا يلتفت اليها المارة بالشارع. أما بستان بن ثعلب ومنشأة الكتاب ومن الغريب أن يطلق اسم بن ثعلب على شارع صغير خلف البنك المركزي بشارع شريف يصل مابين شارعي الشريفين والقاضي الفاضل رغم ان معظم الاراضي التي قسمت عليها شوارع وسط القاهرة من جهة الازبكية كانت ضمن بستان كبير يملكه وكان بن ثعلب من امراء مصر في عهد العادل الايوبي وتوفى عام 613هـ وكان بستانه يمتد من باب اللوق حتى قنطرة البركة ويطل على الخليج الناصري أيام السلطان برقوق وقد اشتهرت هذه المنطقة كمكان للهو والمتعة كما كانت سكنا للكبار والأعيان وكانت عامرة بالقصور وسكنها أيضا الكتاب لذلك أطلق على شارع اخر صغير يصل بين شارعي سليمان باشا وقصر النيل بمحاذاة شارع الشواربي اسم منشأة الكتاب تخليدا لدور الكتاب في عصر السلطان برقوق.