مع ضغوط الحياة اليومية وكمية الاعمال الملقاة على عواتقنا والتي ننجزها وكأننا آلة صماء ومع ذلك يشعر الكثير منا بأن الحياة ما هي الا روتين يومي، وأنه يتحرك في دائرة مغلقة من الصعب الخروج منها وتمنعه عن رؤية الحياة من خارجها وهو ما يؤدي به الى الشعور بالملل وسيطرة هذا الشعور تؤدي بصاحبها الى الاحساس بالضيق والاكتئاب، ولأن الملل شعور يعاني منه قطاع كبير من الناس ويفقدهم بهجة الحياة، ارتأت «دنيا الناس» ان تحاور جمهورها بشأنه وشأن اسبابه وسبل الوقاية او التخفيف منه.عبدالرحمن يوسف ـ موظف ـ يقول: في ظل ايلاء الحضارة المعاصرة اهتمامها بالناحية الجسدية للانسان وتنامي ضغوطات الواقع المادي الذي يعيشه اكثر الناس اليوم ولضعف صلتهم بربهم وطاعتهم له اكتسح الملل نفوس الناس عامة مع ما تبع ذلك من الشعور بالضيق والضجر يقل ويكثر لدى الصغير والكبير، والذكر والانثى وصار كل واحد يعبر عنه باسلوبه ومظاهر هذه الآفة منتشرة ولعلنا لا نخطئ اذا قلنا ان من اسباب تفشي الملل في النفوس، سماع الاغاني والموسيقى الهابطة وممارسة عادة التدخين والتسكع في الاسواق والعكوف على مشاهدة القنوات الفضائية والادمان عليها والهروب الى الاستراحات لقضاء الوقت مع الاصدقاء وكثرة النوم والخلود للراحة والكسل والعزوف عن القراءة الجادة والتوجه الى قراءة المجلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع كذلك الثرثرة على الهاتف دون فائدة بقصد الاساءة للآخرين واهمال الطالب لمذاكرته والانصراف عن العمل الجاد والمتميز وقد يستهين البعض بنتائج الملل على اعتبار انه شعور لا مناص ولا علاج له ولو بحث احدهم بكل صدق وموضوعية عن آثاره السلبية في عدد من جوانب حياته لرأى انه ضياع الكثير من الخير والطاعة وذلك ان الذي يشعر بالملل والسآمة والضيق والضجر تراه لا يستطيع القيام الا بالواجبات من دينه فقط وهو مقصر ومفرط فيها ايضاً ما غيرها من نوافل الطاعات وابواب الاجر والثواب كالمحافظة مثلاً على السنن والرواتب وتلاوة القرآن فإنه يعتزلها الى برامج الترفيه والتسلية وولائم الطعام والشراب. كذلك من اثاره السلبية الفشل في تحقيق الآمال والطموحات حيث ان هذه الآفة تجعل صاحبها ينصرف عن الجد والاجتهاد الحرص والمتابعة والاهتمام بتحقيق الكثير من الطموحات العليا التي يسعى لها كل انسان مثلاً اذا كان طالباً قصر في دراسته واذا كان موظفاً اهمل في اداء واجبه وان كانت زوجة فرطت في حق زوجها وأولادها وبيتها وهكذا تتساهل فئات كثيرة من المجتمع المصابة بهذا الداء عن الاخذ بأسباب النجاح في الدنيا والاخرة في وقته ويكسلون عن البذر في أوانه مشتغلين باللهو والترفيه لهذه النفس المضطربة موسعين صدورهم بما لا يجدي ولا ينفع من البرامج فإذا جاء وقت الحصاد وجني الثمار لم يجدوا شيئاً أو حصلوا على ثمرة رديئة لا تؤهلهم للمستوى الذي يطمحون اليه ولا للمستقبل الذي يتمنونه كذلك قد يؤدي الملل الى خسارة العمر والمال فالملول جلّ همه وتفكيره ان يرفه عن نفسه باستمرار ويضيع وقته بأي عمل تافه. مخارج ماهر عبدالله ـ موظف ـ يقول: الملل حالة نفسية تصيب أغلب الناس ممن يفضلون العبث على الجد او يقدمون الراحة على العمل، ومع هذين النوعين يجد الملل باباً واسعاً للتسلل الى نفوسهم ولتجنب الملل هناك امور كثيرة يتكاسل عنها البعض وفيها مخرج لهذا المرض اولها زيارة الارحام من عم وخال وابناء عمومة فكثيراً ما تكون المنازل قريبة من بعضها او في المنطقة نفسها تقريباً، ولو رتب الشخص جدولاً موزعاً فيه زياراته لارحامه فيوم يزور عمه ويوم اخر خاله وهكذا يجد في ذلك متنفساً جميلاً لتغير نمط حياته التي اخضعها للكسل والراحة وعدم مغادرة المنزل والاستسلام للتلفزيون فهذا التغيير سوف ينشطه ويرغبه في مثل هذه الزيارات التي ستجده الى زيارة الاصدقاء والذهاب الى حفلات الزواج الخاصة بأهله واصدقائه وقد تخلق منه انساناً اجتماعياً بعد ان كان انطوائياً ومعتزلاً ولا يحتك مع الآخرين، فالعزلة احد مسببات الملل، كذلك من العوامل التي تساعد على الخروج من الملل ممارسة بعض الرياضات كالجري والمشي فمثل تلك الرياضات تأخذ وقتاً طويلاً لقضائها وبغض النظر عن فوائد رياضة المشي الا ان الاستعداد لها وارتداء الملابس الرياضية والذهاب الى موقع الرياضة يخلق جواً اخر للانسان الذي يرى ان يومه قد تغير نوعاً ما عن سابقه. ومن الرياضات المفيدة رياضة السباحة في البحر فلها متعة خاصة واحياناً ينقضي نصف النهار والشخص لا يشعر بذلك فهي حقاً تطرد الملل من النفس وتبعث على السعادة وكذلك قراءة الكتب المفيدة فهي تغير نمط حياة الفرد لأنه يشرك فكرته وعاطفته وفلسفته في محاورة الكتب التي يقرأها اضافة الى ما يخرج به في هذه الكتب من معلومات جديدة يضيفها الى رصيده الفكري والثقافي وكذلك اصطحاب الزوج لزوجته وابنائه والخروج لقضاء رحلة ممتعة كل اسبوع او بين كل فترة لتجديد الحياة الزوجية والاسرية وهذه جميعها اعمال تذيب جليد الملل من حياة الانسان. الهدف حميد ناصر ـ موظف ـ يقول: ان الملل كالمرض الذي يصيب الانسان بحاجة للعلاج وعلاجه، متيسر لمن يريده وعزمت عليه نفسه بكل جدية اذ لا يكفي للانسان ان يكون راغباً في العافية دون ان يفكر باتخاذ الخطوات العملية وأولى هذه الخطوات العودة الى حظيرة الاسلام وتطبيقه تطبيقاً كاملاً في كل مجالات حياته عقيدة وعبادة سلوكاً ومنهجاً وفكراً وشعوراً ومالم تتحقق هذه العودة الكاملة فإن اية خطوة في هذا المجال لن تؤتي ثمارها بالصورة المرجوة ولهذا فإن تحديد الهدف من اهم وسائل العلاج اذ ان غالبية الذين يشعرون بالملل اصيبوا به بسبب انهم حصروا هدفهم في هوة الحياة في الجوانب المادية فقط فحيث تسأل احدهم ما هدفك يجيبك ان هدفه ان يكون مهندساً او ضابطاً او ذا مال كثير ووظيفة عالية او غير ذلك من الاهداف الدنيوية او الطموحات الذاتية. لذا يجب ان يضبط المرء حياته ضمن دائرة لا تخرج عن حدود اوامرالله واوامر رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام فلا يفعل ولا يقول ولا يأخذ ولا يعطي ولا يحب ولا يكره الا ما كان لله ولرسوله وعندها سيجد ان للحياة طعماً ولوجوده قيمة وسيذهب عنه كل ما يجد من شعور بالملل والسآمة في مختلف عموم حياته ولا نقول كلها اذ ان المسلم لابد ان يصيبه شيء من الهم والملل كما يصيب غيره من البشر كما يجب عليه ثم بعد ذلك القيام بالفرائض من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها على اكمل وجه دون خلل او نقصان وخاصة الصلاة وبالذات صلاتي الفجر والعصر اللتين يؤديهما بعض الناس متثاقلين او بلا روح قياماً وركوعاً وسجوداً لا يعقلون ما يفعلون وهذا هو اساس الملل لأن التكرار الذي لا نتيجة له هو ما يجلب الملل للمرء، ولو صلى المرء الصلاة جماعة في وقتها مبكراً وجلس بعد الصلاة لأداء السنن والاستماع الى حديث الامام لوجد في نفسه راحة تطرد الملل وكذلك من وسائل العلاج ملء الوقت بما يفيد من الاعمال. فالبعض اما انه لا يعرف شيئاً اسمه الترويح والاستجمام بحجة ارتباطه باعماله الدائمة فينتج عنه ان تمل نفسه وتضيق وإما ان تجده حريصاً على الترويح والاستجمام حتى يفقد الاحساس بأية متعة ويصبح ممارسة روتينية وذلك بتركيزه ومن هم على شاكلته في ترويحهم على جانب واحد او جانبين وهما جانب النفس والجسم فتراهم يتقلبون في برامجهم ما بين ملاعب الكرة وانواع الرياضة الى موائد الاكل والشرب الى مجالس الكلام والضحك ولا شيء غير ذلك من البرامج المفيدة الاخرى وهذا اذا لم يتجاوز ترويحهم الى الحرام وممارسته وانغماسهم فيه والعجب انهم رغم كثرة ما ينفقونه من الاموال والاوقات والجهود في متع محرمة فيعود وقد ضاقت نفسهم وشعروا بالملل وكأن الطود العظيم يقبع على صدورهم ولذلك فالترويح الهادف الذي لا يتجاوز حدود المباح هو الذي يزيل الضيق والملل. كسر الروتين وليد شاهين «موظف» يقول: على المرء ان يبدأ بنفسه اولاً ثم بأهل بيته في طرد الملل وعليه عندما يقصد عمله ان يعلم انه ذاهب لاداء واجبه اليومي وليس لتمضية وقت والسلام، فهذا هو الملل الحقيقي بينما لو عمل بكل جدية وانضباط واستدرك مالم ينجزه بالامس وسيّر اعمال المراجعين في اسرع وقت فإنه سيشعر بلذة خاصة بجانب كسر الروتين اليومي. اما ما يتعلق باهل بيته فعلى رب الاسرة الا يكثر من الجلوس في المنزل بصورة دائمة لأن ذلك بالتأكيد باعث على الملل له وللاسرة فيجب عليه ان يقضي مع الاسرة اوقاتاً ممتعة في زيارة الارحام والتنزه في الحدائق والاسواق واخذهم الى احد المطاعم لتناول وجبة او العشاء وذلك من باب التغيير. اضافة الى استغلال يومي الخميس والجمعة وكذلك ايام الاجازات الرسمية واصطحاب الاسرة في سياحة داخلية لمدن الدولة وقراها ذات المناظر الجميلة والطبيعية الساحرة. الصحبة الصالحة مروان يوسف «موظف» يقول: من يريد الا يدب الملل في نفسه فهو بحاجة الى بيئة صالحة المتمثلة في الصحبة التي تعينه على اداء الطاعات وتزيل من نفسه الهم والحزن والملل والسآمة والعجيب ان غالبية الناس لا يهتمون بهذه البيئة الصالحة ولا يحرصون عليها تمام الحرص ولا تكون على بالهم انهم انما هم يصاحبون دونما انتقاء ولا يهم ان كانت الصحبة صالحة أو طالحة وهذا خطأ لأن المطلوب ان يكون الانسان اجتماعياً ولكن عليه ان يختار الصحبة وفق معايير واسس وشروط دقيقة حتى ينتفع بها في كل جانب من جوانب حياته واهم جانب هو جانب المتعة وطرد الملل والتحرر من قيوده والعيش بسلام دونه