من الجميل ان يصادفك فيلم يتحرش بما تختزنه من نماذج بشرية تعايشها كل يوم، وتبحث عن وسيلة لاكتناه ملامحها النفسية وتدأب في الوصول الى تفسير يصالحك مع هذا الركام الغريب من السلوكيات المريضة. من حسن الحظ ان ترى عملا سينمائيا يكشف لك عن حالة الارتباك الذهني الذي ينتاب كل من يتنكب ذاتا غير اصيلة وغير اصلية لا تمثل حقيقته وقدراته ليبدو غريبا عن نفسه، وعمن حوله، فثمة روافد تمدك بها بعض الاعمال السينمائية خاصة تلك المقتبسة من روائع الادب، تعينك على فهم سبب الخلل لدى بعض النماذج البشرية التي لا تعلم انها تنحت ذاتها من الفراغ ومع ذلك تراهم يتبجحون بسوية سلوكياتهم ومشروعية تجلياتها المضحكة. فمنذ ايام ونحن نقلب قنواتنا الفضائية علنا نعثر على مادة تلفزيونية تخفف من جوعنا اليومي لساعة نستعيد بها توازننا بعد ان صار العالم مقلوبا على حد تعبير الشاعر ممدوح عدوان اقول اثناء ذلك جاءتنا الصدفة باحدى روائع نجيب محفوظ والمخرج الراحل عاطف الطيب، وهي فيلم «قلب الليل» ورغم مشاهدتنا له اكثر من مرة الا اننا هذه المرة وجدناه غيثا يهطل علينا بسؤال لطالما تقنا الى طرحه، وهو ما الذي يحمي علاقة الانسان مع ذاته من ان تنزلق الى مستنقع الكذب والتزييف؟ وهي علاقة لايمكن تناولها بمعزل عن دور الآخرين في انهاك هذه العلاقة، او اثرائها ـ فلا «انا» بدون «آخر» ولا «ذات» بدون «موضوع» لكن تبقى المشكلة التي ابرزها الفيلم في مدى تأثرنا بغيرنا تأثرا مشوها لصنع ذات لا تعبر عن القوى الفعلية لنا.. بمعنى آخر كيفية تقديم انفسنا من خلال «دور» يمثل امكاناتنا الفعلية فمن حق كل فرد ان يبحث عن دور يعلن به عن «انويته» بحسب تعبير فرويد فعلاقة الانسان مع ذاته لابد وان تتمظهر في شكل ادائي نبارك به هذا الوجود الفردي ونثمنه عاليا. لكن المعضلة تكمن في الاخفاق في تقدير الذات وبالتالي الحاقها بأدوار لاتتواءم مع الرصيد الفعلي للقدرة والامكانية بحيث يبدو صاحبها كالذين رقصوا على السلالم. هذه هي مأساة جعفر الراوي في فيلم «قلب الليل» حيث انخرط في طريق ابعد ما يكون عن قدراته الاصلية وذلك لاسباب مريضة وغير منطقية فلقد انشغل ببريق اخرين ضاربا عرض الحائط بمواهبه الحقيقية لكي يلتحق بركب المثقفين ويفرض نفسه عليهم فكانت النتيجة انه خان ذاته فخانه الواقع لانه تخلى عن موهبة المحاماة واقحم نفسه بطريقة ساذجة في فضاءات اخرى لاتناسبه لانه يفتقد الى الشروط الفعلية للولوج الى هذا العالم فتحول من فاعل مفترض الى مجرد منفعل باضواء الآخرين واستحال بهذا التسلق الى قاتل ومهووس بعد ان تغرب عن ذاته وفقد الدور والهدف. تذكرنا كل هذا بعد ان لاحظنا تناسل شخصية جعفر الراوي من حولنا حيث يبحث كثيرون عن «ادوار» لاتتواءم ابدا مع امكاناتهم وقدراتهم الاصلية، فيحشرون انفسهم في مناطق لاتمثلهم، وتكشف عن مدى التشويش الذي ينهش تكوينهم النفسي فيصبحون كطائر الحجل الذي نسي مشيته بعد ان حاول تقليد مشية الطاووس فباتوا محل شفقة ورثاء.. لذلك كان جبران خليل جبران محقا حين قال: «الحقيقي فينا صامت، والاكتسابي ثرثار». مجدي ابوزيد