يأخذنا المؤرخ السينمائي كرستيان فيفياني في رحلة إلى اجواء الاستوديوهات الاميركية حيث يرصد دور الفنانين والمنتجين ونوعية الافلام ، التي يتبناها كل استوديو على حدة ويبدأ كرستيان رصده حيث يقول: من الصعب ان نجد في الولايات المتحدة الأميركية «مدرسة» جمالية تماثل في طبيعتها المدارس التي نجدها خارج أميركا، في اطار تيارات السينما العالمية، ألا يرجع ذلك إلى طبيعة نظام الانتاج الاميركي، الاكثر فاعلية بين كل النظم، القائمة على «مدارس» مؤسسية هي الاستوديوهات الشهيرة، تلك التي تتمتع بأسس متميزة وتعمل وفقاً لاختيارات جمالية وتقنية، بل وأيديولوجية مختلفة؟ يعرف «قاموس روبير الصغير» لفظي مدرسة واستوديو كالتالي: مدرسة: مجموعة أو جماعة من الاشخاص، كتاباً أو فنانين، يعلنون انتماءهم لنفس المعلم أو يعملون على نشر نفس المذهب، استوديو: ورشة فنان (من الايطالية: ُيلس) مجموعة المباني المجهزة للتصوير السينمائي. لا يهمنا هنا التأريخ للاستوديوهات الكبرى بقدر ما يهمنا ان نطرح بعض العلامات المفيدة للاسترشاد، خلف كل استوديو كبير هناك دوماً رجل، ليس بالضرورة مؤلفاً أو فناناً، لكنه يرفض ذوقه (مثل ازفنج ثالبرج) وأحياناً رؤيته للعالم (لويس ب. ماير) بالطيب أو بالرديء، أما من يعملون في معيته فهم إما فانون لا تنكسر شوكتهم أمام مثل هذه العقبات وإما فنيون يقدمون هذه الاشكال المفروضة عليهم بأكبر قدر من الاتقان والكمال بحيث تختفي محدوديتها، وإما مخرجون متواضعون يقضون نحبهم في الظل، لم يمنع نظام الاستوديوهات، رغم ثقله، أياً من المخرجين مثل سترويم، سترنبرج، سترج، كابرا، وتى ويلز من ان يقدموا روائعهم السينمائية، كما أتاح الفرصة لأمثال كاكور ولاكافا وكيرتز للوصول بأسلوبهم السردي إلى حد الاكتمال، في نهاية الامر ليس بوسع أحد ان يعرف أبداً هل يجب ان نندم حقاً لبقاء البعض متوارين في الظل. يونيفرسال على الرغم من ذلك الاسم الذي يدور حول خريطة العالم بحروف من كريستال، يعد استوديو يونيفرسال أقل الاستوديوهات عالمية، هو أقدمها وأكثرها انتماءً للثقافة الألمانية، أسسه كارل ليمل عام 1912 واجتمع فيه سريعاً عدد من المهاجرين الألمان، وفقاً لسياسة محاباة الاقارب المعلنة، ليبدعوا منذ بداية الثلاثينيات أسلوب يونيفرسال الذي يسهل التعرف عليه. في السينما الصامتة، قدم كل من سترويم وبول ليني و أ. دوبون وآخرين، من خلال انفصالهم عن المدرسة التعبيرية، الشكل الميلودرامي الذي مزج بين ذائقة أهالي براندبورج والزخارف المجرية والنمساوية مع الميل إلى اللونين الأبيض والاسود بتمايزهما الجيرماني، بل والميل الطبيعي للقالب الهزلي المميز في برلين، من خلال روائع سترويم ومن خلال أفلام أقل شهرة (ولكن متميزة) مثل «الرجل الذي يضحك» اخراج بول ليني عام 1927، يستطيع المرء ان يحدد ملامح حقيقية لسينما القسوة، تظل بلا شك الاسهام الاكثر ادهاشا لاستوديو يونيفرسال في جماليات هوليوود، فرضت هذه القسوة نفسها على الجمهور في أعمال كبيرة ذات نزعة خيالية مثل «فرانكنشتاين» (إخراج جيمس ويل عام 1931) وتوابعه مثل «خطيبة فرانكنشتاين (اخراج ويل عام 1935) الذي يظل أكثر أفلام الباروك ابهاراً، ومثل «دراكولا» (اخراج تود براوننج عام 1931) و«المومياء» (اخراج كارل فروند عام 1932). تأرجحت شركة يونيفرسال بين أفلام الخيال والفانتازيا وأفلام الميلودراما (فيلم «قصة حب» اخراج جون شتال عام 1932 معاصر لأفلام الفانتازيا الكبيرة). ولكنها سمحت بتفتح موهبتين لم تنالا حتى اليوم حقهما من التقدير هما جون شتال وجيمس ويل، قدم شتال للميلودراما صورة عنيفة على غير العادة، يرجع الفضل فيها لجون مسكال أو كارل فروند، وموضوعات اجتماعية ساخنة (كما في فيلم «صور من الحياة» انتاج عام 1934، الذي يتناول الجوانب العرقية في الموضوع بشكل أكثر صراحة من الاعادة (ريميك) الذي أخرجها دوجلاس سيرك) تتناقض مع رقة ممثلاته المتناهية (ايرين ديون، مرجريت سوليفان، كلوديت كولبير) تخصص ويل في أفلام الفانتازيا، لكنه غامر باخراج الميلودراما أيضاً كما في فيلمه العجيب «قبلة أمام المرآة» (1934) الذي يستدعى للأذهان بشكل متوقع سينما ٌkammerspie الالمانية. تعلم سيودماك القادم من برلين في مدرسة الفانتازيا («ابن دراكولا» 1932) والميل إلى الشرق («علامة الكوبرا» 1944) قبل ان يصبح السينمائي الممثل لشركة يونيفرسال في الاربعينيات من خلال سلسلة من الافلام السوداء («القتلة» 1946، و «يدان في الليل» 1947) بالتوازي مع أفلام الأبيض والاسود الملتوية هذه قدمت يونيفرسال للجمهور أكثر أفلام التكني كلور صخباً مع التوسع في مفهوم الميل إلى الشرق (من مغامرات الغجر إلى حكايات ألف ليلة وليلة مروراً بقصص الشمال). وهي أفلام تربعت على عرش ماريا مونتيز حتى منتصف الخمسينيات حتى أصبحت العمامة والسرة المزينة بحلية، جواز المرور لكل نجمة صاعدة. في الخمسينيات طورت يونيفرسال بشكل منتظم حالة الانفصال السكيزوفريني في أسلوبها الألماني ـ الأميركي، فبينما كان انطوني مان يجدد في مجال سينما القسوة من خلال سلسلة من أفلام الغرب الأميركي الرائعة («الجوعى» 1952) كان دوجلاس سيرك يعمل من جديد على مفاهيم القدر والتباين بين الظل والنور في سلسلة هائلة من أفلام الميلودراما المثقلة بالالوان («ذهب مع الريح» 1956) وقد كان نجاح الفيلم هائلاً إلى حد جعل المنتج روس هنتر يحاول تخفيفه في شكل كوميدي يشوبه شيء من المرارة، بطولة دوريس داي، أو اثقاله في النزوع إلى الفيلم الأسود («قتل بدون إنذار» اخرج مايكل جوردون 1960)، لكن سيرك وقوة ابداعه كانا ينقصان هذه الافلام بشكل مفجع ورغم بعض النجاح الذي أصاب يونيفرسال إلا ان أسلوبها كان في طريقه للأفول.