يؤكد مطرب لبنان الأول الفنان وديع الصافي انه اذا كان صحيحاً ان دخول السياسة الى الادب تفسده، فان الاصح ان التدخل الصهيوني، بشكل أو بآخر ادى الى فساد الفن العربي، ورواج حالة الهبوط والانهيار وتغييب الاصالة، لكنه يستدرك قائلاً: «هذه موجة آنية لن تطول لان البقاء هو لكل شيء اصيل، بعيداً عن المتاجرة والربا، وما شابه». ويضيف الفنان الصافي قائلاً لـ «البيان» في جلسة زارته فيها ثلاث تلميذات على أبواب الجامعة هن: سعاد مكاري، مريم عاكوم، وفاطمة جعفر، وذلك بمناسبة مرور 65 سنة من عمله الفني حتى الان، وهو مستمر ومتواصل: «انني اغتنم فرصة الحديث عن تلك البدعة الصهيونية الغازية، لانصح الفنانين العرب الجدد بالمحافظة على اخلاقهم مع الناس، وبعدم تشويه الفن. فالمادة «يقصد المال» ليست كل شيء، انها ضرورية ليعيش الانسان، لكن بكرامة، فعلى فنانينا عامة القدامى والمبتدئون منهم، المحترفون كما الهواة، ان يكونوا أصحاب قضية، فلا يغنون للرقص والخلاعة، لان للفن أهدافاً توجيهية، اجتماعية، ايمانية، وطنية رجولية». فالخلاعة والرقص والطفش والفقش، وما الى ذلك: «ليس فناً، بل يمكن اعتباره تسلية، اذ لا تبقى في نهاية المطاف سوى الكلمة الحلوة الجيدة التي توجه، فينعم المستمع بالكلمة واللحن ويتغذى بالمعنى، لذلك اقول ان الفن لا يسخر، بل يجب ان يكون على الدوام سامياً». الموسيقى الشيطانية ويحذر الصافي مما تعرض له الموسيقى العربية في الوقت الحاضر من هجمة تكنولوجية شرسة في ظل تنامي العولمة واتساعها خطوة تلو اخرى، فيقول: «علينا الاخذ بالحذر، ووقف هذه الموجة الاصطناعية الوافدة التي تضر بالاخلاق، فيما يجب ان تكون بعكس ذلك تماماً، فالموسيقى تهذيب للنفوس، لكن نتيجة ذلك لم يعد لدى الولايات المتحدة الأميركية موسيقى كلاسيكية، ذلك لان اليهود قد سيطروا عليها، وجعلوها موسيقى شيطانية». ثم يركز في ذلك السياق على الفلكلور الشعبي الفني اللبناني ووجوب صونه فيقول: «الواقع اننا حافظنا عليه كثيراً، نحن وأثرابنا، ولكن المهم ايضاً ان يحافظ عليه الجيل الجديد لان «من ينسى اصله فلا اصل له»، كما يقول المثل، فالفلكلور اصلنا وأصل جدودنا وابائنا، ولذا فانه من المعيب ان ننساه. وهذه المسألة ليست لبنانية محض، بل كل شعب في العالم يحافظ على فلكلوره الشعبي، فالاسبان مثلاً، مازالوا حتى الان يغنون لاسبانيا، ويرقصون رقصاتهم الشعبية، والفلكلور الخاص بهم موجود وحاضر في كل حفلاتهم، فكيف يمكن ان نخجل من تراثنا مع العلم انه شريف، ومن اشرف تراث العالم. ـ على سيرة الفلكلور الاسباني، فقد غنيت «ديو» مع الفنان خوسيه فرنانديز قبل فترة، هل ترى ان هذا الثنائي الاسباني العربي كان ناجحاً وموفقاً؟ ـ «خوسيه يغني «اسباني»، وانا اغني «عربي»، وقد جمعنا اللغتين، فأصبحت العربية مندمجة بالاسبانية، وهذا اعطانا كسباً، وربماً للغة العربية التي نصدرها الى العالم، فبدل ان «نسرق» من الغرب الحاناً «من دون نكهة ولا طعم»، ونضعها للاغاني العربية، فالاجانب الان باتوا يعملون ذلك، ويأخذون من العرب وهذا كسب لنا، فالفن يبقى أسرع طريق الى التقارب بين الشعوب. وخوسيه لم يكن معروفاً وقد نجح معي وقد لاحظت استغراب معظم الناس من ان اغني، وانا المتقدم في السن والفن، مع فنان غير معروف، ومن عمر احفادي مثل خوسيه. ـ لكن اذا كنت انا متقدماً في السن «واشيخ» فان فني لا يعرف الشيخوخة، ولا يعترف بها اساساً، فالاغنية تعطي دولة، وتبني وطناً، مثل بعض الاغاني الخاصة بي ومنها: «لبنان يا قطعة سما»، «طل الصباح»، «لو كان»، وقد احبها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كثيراً، وقد فرضوها يومياً في اذاعة مصر». ـ اذا كان الشيء بالشيء يذكر، لقد كان لك موقعك الخاص في مصر وانت تتباهى بذلك، وتمتدح الشعب المصري، وتقدر علماء الازهر الذين اخذت على اياديهم اصول اللغة، كيف تصف علاقتك الفنية والخاصة بالشعب المصري على مدى السنوات الخمس والستين من عطائك الفني؟ ـ يجيب الفنان وديع الصافي بقوله: «لقد تواجدت في مصر في أوقات متفاوتة، ولكن مع كل زيارة الى مصر، كنت موضع تكريم وحفاوة من قبل الدولة والفنانيين، فنقيم سهرات خاصة، ونتفاهم ونعزز صداقاتنا، من محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وليلى مراد وتحية كاريوكا، ورياض السنباطي، وعمالقة الفن المصري ايام زمان، ولغاية الان، لقد تعاونا مع بعضنا البعض فنيا وروحيا، وقد اقمت لهم حفلا في «دار الاوبرا» عام 1962 في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وذلك مع «فرقة الانوار»، وقد حققنا نجاحا هائلا في مصر، وكتب في جرائدها: اسبوع وديع الصافي. كما ان شيوخ الازهر اصحابي، وقد حضروا حفلاتي، وأخذت منهم اللغة، اما هم فقد استفادوا من اشرطتي الطربية، وفي علم النغم، وسادت صداقة روحية بيننا، فأعود لاقول ان الفن رابطة صداقة بين الشعوب، كذلك هو الحال بالنسبة للشعر والكلمة. وعن ابرز الاوسمة والشهادات التقديرية التي حصل عليها يقول الصافي اخيرا: لقد نلت شهادة الدكتوراه الفخرية العالمية من جامعة الكسليك، باعتبار انني عملت للدين والدنيا، وقد وضعت مزامير مهمة جدا عجز عن تلحينها العديد من الفناني، فقمت انا بتلحينها، كذلك نلت اوسمة عديدة في العالم، واذكر على سبيل المثال لا الحصر، من البرازيل، وفرنسا، ومن سويسرا نلت وسام الانسانية، وقد نلت وسام العال من رئيس الجمهورية، وهو من اعلى الاوسمة التي حصلت عليها، كذلك حصلت على الجنسية المصرية تكريما لي بعد ان قدمت نشيد «عظيمة يا مصر» وقد سمي بالنشيد القومي المصري، فكنت دائما، ومازلت موضع تكريم من كبار المسئولين خاصة الرؤساء