كتب الكثير عن عمر الخيام، الشخصية التاريخية الاشكالية، التي لا يزال يتردد صداها الى اليوم في الأوساط الأدبية والعلمية منذ ألف عام.لماذا عمر الخيام الآن، وما النكهة الجديدة التي ستقدم لنا لتكون مختلفة عن التي عرفناه بها سابقاً، (وهو المعروف بحبه للهو وللذات الجسدية)؟ بعد بحث مطول في الكتب التي كتبها عمر الخيام والانجازات التي توصل إليها دحض الكاتب غسان الجباعي كل المواضيع (الأكاذيب) التي كانت تروى عنه (حبه للخمر والنساء واللهو)، ورأى انه لم يكن لديه الوقت الكافي لذلك. يقول: لو قرأنا شعره الذي يتحدث فيه عن الحب، لرأيناه يختلف تماماً عن أبي نواس في هذا الموضوع، فهو يتكلم بطريقة فلسفية، لها علاقة بالجمال. اضافة الى المواضيع الاخرى التي كانت تشغل باله وكان على استعداد لطرح اي سؤال، وانا أدعي الآن أنني ربما استطعت ان اعيد اكتشاف عمر الخيام، وهذا الكلام ليس غروراً، ولكن من خلال تحليل قصائده وقراءة حياته والتدقيق بعلاقته مع حسن الصباح، وبعلاقته مع نظام الملك، وجدت انه موجود الآن. اذن هناك العديد من المغالطات والخرافات التي لا تدخل ضمن المنطق، وبالتالي كان علي اعادة بناء الشخصية من جديد، هذه الشخصية غير المعروفة من قبل العديدين. عمر الخيام شخصية مهزومة ليست منتصرة مثل صلاح الدين، او هولاكو، انه شخصية مهزومة مثل اي شخصية موجودة الآن في مجتمعنا المعاصر، تهزم فقط لأسئلتها الخاصة، نكهتها الخاصة، مواقفها الخاصة، كما هي هزيمة المثقف الحقيقي حالياً. وهو المنتصر بالمعنى الآخر، فهو الذي يبقى، ويبدو لي الأهم على المدى الانساني الطويل. ويوافق هذا الرأي المخرج شوقي الماجري الذي يقول: نحن لا نعمل على البطل المطلوب والمتعارف عليه اليوم، ولا نريد ان نعمل اسقاطات تاريخية لأننا مهزومون، فليس المطلوب ان نأتي بأبطال من التاريخ، لنقول لدينا أبطال وغير ذلك. هذا العمل قريب منا كأفراد، قريب من روحنا، من تساؤلاتنا المتعلقة بالقلق والوجود، قريب من ذاتنا من حيث علاقته بالسلطة، فهناك رجل يحكي عن مفاهيم الموت والعدم، والعلاقة مع الخالق ومفاهيم السلطة، ويرفض ان يكون قريباً من السلطة بالمعنى الانتهازي، وهذا شخصياً يقربه مني، لأنني احب ان اكون هكذا.. ولا نغفل ان هذا الرجل كان قادرا على ان يكون غنيا ولو اراد ان يكون لديه سلطة فهذا امر سهل جدا عليه. باختصار تهمني تلك الجوانب التي تتقاطع مع اي انسان. ـ يلاحظ ان العودة الى التاريخ في الاعمال التاريخية تعد بمثابة هروب من الواقع، من أجل عدم مواجهة مشاكل العصر فإلى أي مدى كانت حاضرة الصراعات في العمل؟ هذا السؤال تم توجيهه الى العاملين في هذا المسلسل فكان للكاتب رأي يفيد ان هناك اتجاهات في المسلسل التاريخي، واحد ينحى الى الخلف لتأييد التاريخ واعتباره نموذجا ومثلا اعلى، وبالتالي قدم لنا خالد بن الوليد كما هو، حتى نتشبه بخالد. والآخر يرى ان التاريخ مادة لها علاقة بالوعي، وهي في النهاية مسألة معرفية. نحن نتعرف على التاريخ حتى نقدمه للناس، ولكي يروا انفسهم وجذورهم فيه، نحن طبعا ننتمى الى الاتجاه الآخر، أي لا نقدم لموضوع ما. الشيء المهم في عمل الخيام انه رجل كان يسأل اسئلة مهمة، كان لديه حلم بتحقيق دولة شاسعة مبنية على عقيدة جديدة قائمة على العدل. وبما انني انسان معاصر فعندما سأتناول اي عمل تاريخي فحتما سيصبح معاصرا ولن يبقى تاريخيا، انا اعيد انتاج التاريخ، وهناك مكان وزمان، والمطلوب ان اكون قدر الامكان امينا معرفيا لهذا التاريخ. لذا قدمت عمر الخيام من وجهة نظري وحسب رؤيتي.ان عمر الخيام ليس قائدا عسكريا او ملكا او بطلا، انه عالم ينتمي الى الثقافة، ونحن احببنا ان ننشل من الركام هذا الشخص ونقدمه بهذه الصورة يمكن ان يكون المتنبى شبيها به، ونحن نفخر به، بينما عمر الخيام غير معترف به الآن، ولكن اذا اردنا ان نقول ان هناك مفخرة لهذا العمل، فهي تكمن في اننا نقدم شخصية ليست سياسية، او بطلة او ان التاريخ صنعها، او الاعلام صنعها، وانما هي شخصية حفرت بأظافرها مكانها واثبتت حضورها رغم كل احكام الاعلام. ابطال العمل وقد اعاد مسلسل «عمر الخيام» الفنان فايز قزق الى التلفزيون، فبعد انقطاع دام سنوات عدة شعر وبالدرجة الاولى ان المادة التي بين يديه مهمة اضافة الى ان العمل من الناحية الفنية راق جدا، وقال: اهتم كثيرا بعلاقة الصورة مع العين، العلاقة البصرية مع التلفزيون، والذي اعتبره ومازلت اصر انه جهاز اعلامي، يحاول ان يعمل على رفع سوية ثقافة العين، بمعنى اخر وضع الرسالة الفكرية او الرسالة المضمونية قيد المشاهدة. عندما اسند الى دور حسن الصباح، هذه الشخصية الاشكالية وخاصة تجاه نزعة السلطة لديه، وهو الذي صنع مذهبا كاملا، ازدادت الاثارة لدي، وشعرت انها ملاذ وموطن قدم لاعرف جزءا من متاهتي كإنسان، فهي تعيد لي فقدان التوازن الموجود لدي مع المعرفة وعندما جلست مع الكاتب وتناقشنا في بعض الامور اضافة الى دردشاتي مع المخرج قبل التصوير حاولت ان ألملم متاهتي كانسان من خلال حسن الصباح كشخصية والذي يبقى ضمن اللبوس التاريخي ولكن بالنسبة لي هو حالة فكرية وتأملية لذاتي. خالد تاجا الذي يلعب دور نظام الملك، الرجل الذي يحمل السلطة على اكتافه رجل اصلاحي، يحب النظام ويؤمن به الى حد كبير يقول لنا ان نظام الملك هو فعلا نظام الدولة وهو يشكل توازنا بين السلطة والقاعدة، وهذه اول تجربة لي مع المخرج الماجري، وكنت انتظرها منذ زمن، الماجري يحب عمله كثيرا ويعمل بأسلوب سينمائي وعندما سألناه عن ديكتاتورية المخرج اجاب الفنان تاجا بسؤال آخر متى تمارس الديكتاتورية ورأى ان ذلك يتمثل فقط لدى الممثل غير القادر على الابداع اي نصف موهوب اذ ان موهبته الضئيلة لا تحركه لذا يجب تحريكه وضبطه من قبل المخرج وبشكل عام فان المخرج هو مدير العمل اولا واخيرا وعندما يتعاقد الممثل مع المخرج فهو بشكل او بآخر يقبل قيادة المخرج لهذا النص لذا عليه ان يخضع للشروط الفنية المطلوبة.اضافة الى هذا يجب على المخرج ان يكون لديه شخصية ومشروعاً محدداً وان يحترم الممثلين وبهذه الطريقة يكون العمل متكاملا ومن المعروف ان مهنة التمثيل هي مهنة متعبة والممثل يستثمر جزءا من عقله، وباقي تكوينه يعمل بالعاطفة، بعكس المخرج الذي يعمل بالجزء الأكبر من عقله والاصغر بعاطفته وسأعطي مثالا وان كان قاسيا للبعض وينطبق على بعض الممثلين وانا واحد منهم ان المخرج يتعامل مع حيوان في السيرك، ولا ننتظر من الحيوان ان ينفذ بالكرباج اية حركة بل يومئ له فقط ولكن عندما ينفذها بشكل صحيح يتلقى مكافأة وهي عبارة عن قطعة من الحلوى ليتابع الى الحركة التالية. وكان للممثل فايز قزق رأي خاص في هذا الموضوع وحسب تصوره ان المعرفة هي الديكتاتور في اي مجال من مجالات الحياة وخاصة في مجالات العمل المرتبطة بالذهن وقال: عندما اتورط مع مخرج في التلفزيون او المسرح او السينما وانا شخص متواضع اراه ديكتاتوريا واسوغ كلمة ديكتاتور من وجهة نظر ضعفي انا والمخرج غير الكامل بالمقابل غير المعرفي يمارس ديكتاتورية نتيجة النقص لديه اذن المعرفة هي الديكتاتور فكلما ازددنا معرفة ازددنا حساسية تجاه ما نقوم به في الحياة في اي مجال وعندما يكون لدينا رغبة في ان يكون لدينا اعلى القيم والنتائج فان ذلك يحتاج الى المثابرة والجهد المضني على مدى 24 ساعة.المخرج شوقي الماجري علق على هذا السؤال قائلا بصراحة لهذه الكلمة علاقة بالسلطة ومن الناحية الشخصية لا ارى هذا الامر لكن من ناحية تنفيذ رؤية معينة نحن مضطرون إلى ان نوصل الشيء إلى نهايته، وأنا بشكل عام لا أتكلم، ولا أحد يعلم ماذا يحدث بيني وبين أي ممثل، انني احترم مجاله كشخص، وعندما ندخل بالمشهد يصبح هذا مجالي، مهمتي تكمن في ايجاد لحظة حياة صادقة امام الكاميرا، حتى استطيع تسجيلها وعلي ان أوصل الممثل إليها بطريقة أو بأخرى. شخصيات نسائية هناك مجموعة من الشخصيات النسائية بعضها مهم وبعضها غير مهم ولكن يلاحظ انها قليلة من حيث العدد، فهل سيؤثر ذلك على تسويق العمل؟! يتحدث المؤلف عن بعض الشخصيات المهمة ويبدأ من والدة عمر الخيام، وبعد تمحيص وبحث دقيقين يلاحظ ان عمر الخيام ومنذ ان كان طفلاً كان يفكر بالموت، ويحس معنى الحياة فيتساءل لماذا يعيش الانسان، ويتحول إلى تراب، «هل يحيي العظام وهي رميم»؟ تشكيكه بهذه المسائل وتساؤله عن الموت دفعني (الكلام للكاتب) إلى الاعتقاد انه عاش وقد ماتت أمه وأبوه، بمعنى آخر كان يتيماً فنشأ لديه هذا السؤال، أمه زمردة، بعد ان انجبته ماتت بعد ثلاث سنوات، وأرضعته امرأة أخرى كان لديها طفل آخر اسمه حليم، وهكذا أصبح لديه أخ بالرضاع، هذه الشخصيات النسائية في حياته عندما كان طفلاً، ولكن بعد ان كبر يتعرف على حبه الأول (ياسمين) وعمره 17 سنة، هذه الفتاة (14 عاما) لها علاقة بالنبع والماء، وقد أعطته عقداً من الاصداف، وبعد ذلك اختفت من حياته، وبقي العقد معه حتى آخر يوم من حياته، بعد ذلك يتعرف على شاعرة في بلاط سمرقند (نسرين) ينشأ بينهما حب ويتحول إلى زواج، ولكنها تحب السلطة والبلاط، وتحب ان يصبح شاعر بلاط مثلها، وعندما تراه لا يفكر بهذه الأمور تقول له من يقرأ الرباعيات التي تكتبها؟ الرباعيات من عامة الشعب يستطيع اي انسان ان يكتبها (ولكن أهميتها تكمن في الحكم التي كان يطلقها من خلالها) وتدفعه باتجاه ان يكون انتهازياً، وهكذا ينشأ التناقض بينهما، فيما بعد تموت بسبب دفاعها عن البلاط، الذي يحدث عليه انقلاب فيقتل عناصره كلها، وينجو هو فقط ويعود للبحث عن ياسمين في حلب اذ يسمع انها أصبحت هناك، يجدها في وضعية سيئة جداً، إذ انها مطلقة، وتشحذ ومريضة، يأخذها فتصيبها الحمية على الطريق وتموت بالطاعون فيحرق خيمتها.والمرأة الثانية الأساسية في العمل هي توكان خاتون، زوجة ملك شاه، هذه الشخصية متسلطة وقوية، هي التي تحكم وهي معادية لنظام الملك، ولا ننس ان الملك شاه تربى على أيدي نظام الملك، إذ وجوه طفلاً وحمله بين يديه، تعمل من أجل القضاء على نظام الملك وتضغط على زوجها حتى يشارك زوجها في مؤامرة لقتله، بواسطة حسن الصباح، الذي كان يقتل بالخناجر في ذلك الوقت، وهو مؤسس المدرسة الفدائية، هذه الشخصية تلعبها سمر سامي، انها شخصية مذهلة، إذ عندما يموت زوجها بعد نظام الملك، تخفي موته خمسة أيام، وتبقيه في خيمتها ممدداً حتى ترتب أمورها، وتستلم السلطة وبعد ذلك تدفنه في مكان ما على الطريق، انها شخصية مرعبة، وكل ما تفعله من أجل ابنها محمد لأنها تريد ان يصبح ولي العهد، وتخاف ان يأخذه ابن ضرتها.