الجائزة الكبرى..! جائزة لها بريق خاص.. يتوج بها أي مهرجان دولي وتبقى في سجله مع الزمان. وحينما أعلن رئيس لجنة تحكيم الدورة 55 لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، فوز الفيلم الألماني (الرغبة) بالجائزة الكبرى الفهد الذهبي كان الفيلم الوحيد الفائز الذي قوبل بالاستهجان من قبل بعض الصحفيين الموجودين وكان منتظرا ان يناقش هؤلاء لجنة التحكيم في مؤتمرها الصحفي في حيثيات ما ذهبوا اليه في منحهم الجائزة، ولكن هذا لم يحدث، حيث لم يتقدم أي منهم بأي سؤال وانفض المؤتمر بعد دقائق. لاحظت في العرض الصحفي الخاص للفيلم - اليوم السابق لعرضه الجماهيري - تسلل البعض، وبعد نهايته مع صحفيين ألمان لمست استياءهم، فهو فيلم يدعو للملل، وقالت صحفية انه ضد التقاليد الألمانية كيف تكشف زوجة كاهن عن اجزاء من جسدها (أمام غريب.. أي كانت نظرتها أخلاقية)! في محاولة مراجعة وتأمل في الفيلم وجدت عوامل عديدة تبرر جائزة لجنة التحكيم التي كانت تضم المخرج الإيراني جعفر باناهي صاحب الأفلام المتميزة اخرها فيلمه الجريء (الدائرة) الذي حصد ست جوائز لمهرجان فينسيا 2000، والممثلة والمخرجة الصحفية الافغانية الاصل المقيمة في كندا نيلوفير باريرا احدى أبطال فيلم (قندهار) لمحسن مخمالياف والتي تعد - كمخرجة - فيلما طويلا بعنوان (العودة الى قندهار) والممثل والمنتج الهندي أمير خان، والممثل السويسري برونو جانز بطل كثير من أفلام الألماني فيم فيندرز، وكان موقفا ايجابيا من لجنة التحكيم ان تمنح جائزتها الكبرى لفيلم تخرج لطالب بأكاديمية السينما بادين ثور تمبيرج بألمانيا، الذي كان قد التحق بها عام 1997 بعد ان كان قد درس الصيدلة بين 1992 و1997، وتحجبها عن مخرجين اخرين كبار وراسخين. يبدو ان هناك هما قد شغل المخرج الشاب ايان ديلتي المولود في اسكتلندا 1977والفائز بالجائزة الكبرى للمهرجان! هو عزلة الفرد ووحدته، وهي مشكلة انسانية تناولتها الفلسفة والآداب الأوروبية في افلام المخرج الشاب امرأة بالذات. في فيلميه السابقين تحاول المرأة الخروج من شرنقة العزلة والوحدة الى حلم الاسرة. الاسرة الحقيقية، حيث امل السعادة ولو سعادة صغيرة، ففي فيلمه (صيف في هور لاخين) 1999 بطلته «انا» تعيش في علاقة محرمة مع والدها. وفي فيلم (سأخدمك بيدي وقدمي) نجد فتاة يتيمة من فيينا تحمل من حبيبها توني وتلد طفلة، وتقوم برحلة الى المانيا بحثا عنه، ولكن توني لا يعبأ بها فهو مشغول بالعناية بوالده وهو أكثر من هذا على علاقة مع لانا وهي فتاة روسية مهاجرة من روسيا، كل أملها ان تحقق حلمها في الاسرة هذا الحلم لن يتحقق، وتصدم حين تصبح بكماء، ولكنها تتمسك بطفلتها ولا تسلمها لاسرة توني، وفي تمسكها هذا تحافظ على كرامتها وشرفها امام فساد وتعنت الاخرين. في فيلمه الاخير في هذه الثلاثية (الرغبة) الفائز بذهبية مهرجان لوكارنو، يتحقق حلم الاسرة ولكن أي اسرة!! البطلة هنا (لينا) زوجة كاهن القرية.. تخدمه في اعداد طعامه وملابسه، وفي الفراش البارد، وتخدم اخته المريضة الشرسة، كما تخدم في الكنيسة حيث تقوم بعزف الأورج وجه الزوج صارم جامد - كلمات قليلة أوامر بلا أي عطف.. حياة القرية الصغيرة هادئة ملولة - تذهب لينا لشراء حاجيات البيت من البقالة فتستمع الى قصة العثور على جثة فتاة قتيلة في الغابة، بدون اغتصاب. الحياة الرتيبة تنعكس على ملامح وجه (لينا) الذي ينفرج الى بسمة ومبشرة بأمل حينما يأتي الميكانيكي الشاب باو ليصلح سيارة زوجها.. تعاطف صامت، دعوة الى لقاء، خجل من الجانبين، تهديه حلية في عيد ميلاه، بدأت تتغير تعاند أوامر شقيقه زوجها المعقدة، تخبر زوجها بحسم لأول مرة انها لن تذهب للعناية بها، تذهب خفيفة سعيدة للقاء باول في الغابة.. تتزحلق لتجد نفسها امام جثة فتاة قتيلة.. تصدم بحليتها - على صدرها! تخفي الحلية في علبة كبريت بعيدة بالمطبخ، ومع هذا فعندما يحضر بول حاملا لها هدية ثوبا حديثا يكشف عن مفاتنها وتجربه امام المرآة.. امامه، بلا أي خجل. تحاول ان تمسك بخيوط سعادة جاءتها حتى لا تنفك رغم كل الظروف.. حلم الاسرة هنا كان منسوجا بالكذب والألم.. شرنقة نفسها المغلقة تفتحت الى حب ولو محرم، ولن أمضي بك الى بقية أحداث الفيلم باختصار تحيط بها شكوك ضابط شرطة القرية الذي يتابع حركاتها يكشف سرها فاذا بها في دقائق الفيلم الاخيرة تطعنه بسكين المطبخ كأنما تطرد عنها ما هدد سعادتها الانية الصغيرة. الفيلم يتعمق في النفس البشرية، يحاول رسم صورة مصغرة لعالم هش. المخرج الشاب كتب السيناريو مع زميل له فاز عنه بجائزة أحسن سيناريو، ثم صوره في فيلم طويل بكاميرا 16 ملم، بميزانية ضئيلة تتناسب مع فيلم تخرج، المنتج ايضا طالب زميل، اختاروا قرية في منطقة الغابة السوداء على الحدود بين ألمانيا وفرنسا، مع نفس ممثلي الفيلمين الأولين من الثلاثية.