تتحدث الكتب والبرامج الحوارية التلفزيونية والمجلات باستمرار عن الثقة بالنفس باعتبارها سر النجاح في الحياة، لكن الاشخاص الذين يكنون احتراما كبيرا، لذاتهم يمكن ان يتحولوا الى مجرمين وطغاة، اذن هل يمكن القول ان الصناعة المتعلقة بتحسين الثقة بالنفس لدى الاشخاص الذين لديهم ثقة متزعزعة بأنفسهم والتي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات قد بنيت على كذبة؟ يعتقد معظم الناس في العالم المتقدم ان الثقة بالنفس هي المفتاح الذي سيفتح الابواب المغلقة على ارواحهم، وقد نشر اكثر من 2000 كتاب تقدم للقراء طرقا لتحسين الثقة بالنفس، وفي الاعلانات الشخصية في الصحف وفي برامج الدردشة التلفزيونية والكتب المساعدة وفي علم النفس والعلاج النفساني، وفي المؤتمرات الاكاديمية ومؤسسات التعليم المحلية، هنالك سعي محموم وراء الثقة بالنفس وكأنها اليد الخفية التي ستحرر المجتمع من الاجرام والادمان على المخدرات والانحراف والاكتئاب والتميز، اي من كل شيء يجعل الانسان تعيساً. يقول نيكولاس ايملر، استاذ علم النفس الاجتماعي في مدرسة لندن للاقتصاد: «افكار قليلة فقط في العلوم الانسانية استطاعت ان تحقق مستوى الاهتمام الذي حظيت به فكرة الثقة بالنفس». فهو يشير الى ان هناك اكثر من الف ورقة بحث اكاديمية تتناول موضوع الثقة بالنفس. لكن الفكرة نفسها لها اساسات مهزوزة وعلى نحو غريب، فان صناعة الثقة بالنفس بأكملها، وبدءا من المشعوذين والعطارين وحتى المعالجين النفسانيين الجيدين، مبنية على وهم كبير، والوهم هذا يتمثل في القول بوجود اساس علمي معين لكل هذه المزاعم في حين ان الحقيقة تقول غير ذلك. ان رفع مستوى الثقة بالنفس ليس له تأثير على التحصيل العلمي ولا تأثير له على ميول الاجرام او العنصرية او حتى الادمان على المخدرات، وفي حالات الانتحار او محاولة الانتحار، يبدو ان ضعف الثقة بالنفس هو مجرد عامل ثانوي. يقول ايملر ان الثقة بالنفس هي ظاهرة سطحية لا تثير الاهتمام كثيرا ولها نتائج ملموسة قليلة جدا. كان ايملر قد اجرى مراجعة لجميع البحوث التي تتناول الموضوع لصالح مؤسسة جوزيف راونتري، وقد جاءت ورقة البحث التي اعدها تحت عنوان «تكاليف واسباب ضعف الثقة بالنفس» بنتائج صاعقة فهي تنسف الفكرة وتكشف المدى الذي بلغه ضخ الاموال العامة في بريطانيا والولايات المتحدة على برامج للثقة بالنفس عديمة الفائدة اجتماعيا، وكان من المفروض ان تجعل ورقة البحث تلك الناس يعيدون التفكير في الموضوع، ولكن ذلك لم يحدث، والسبب في ذلك هو ان فكرة الثقة بالنفس كعلاج اجتماعي وشخصي قد برهنت على جاذبيتها في عالم مشوش مخلخل الجذور. وتكمن جذور هذه الفكرة، التي باتت مذهبا حياتيا في الوقت الحاضر، في الثورة الصناعية، فقبل ان تطغى الثورة الصناعية على العالم، لم يكن هناك اي معنى لفكرة دراسة او حتي الاهتمام بالذات الفردية وقد كان الناس جزءا من نظام ديني واجتماعي، وعملت اعمالهم وحياتهم كجوانب في ذلك النظام، لكن الثورة الصناعية اوجدت انماط حياة متخصصة فصلت الناس عن بعضهم البعض وكان معنى العلمانية المصاحبة هو ان على الفرد أن يبحث عن الخلاص داخل نفسه. وهذا قاد مباشرة إلى الفكرة القائلة بان النفس يجب ان تُدرَس ويعتنى بها ثم يتم تقديرها. ومنذ أن ظهرت مباديء علم النفس في عام 1890 والمحاولات مستمرة لتعريف الثقة بالنفس. ولكن التعريفات كلها ظلت قاصرة على أن تعكس حقيقة هذه الظاهرة. ولايزال الباحثون غير قادرين على الجزم فيما إذا كانت الثقة بالنفس شيئاً إدراكياً أم عاطفياً، اي بمعنى آخر: هل هي شيء تدركه أم تشعر به؟ غير أن معظم التعريفات للثقة بالنفس ربطتها بالنجاح على كافة الاصعدة وبالصحة الجيدة، بل ان مقدمة البرامج الحوارية التلفزيونية الاميركية الشهيرة أوبرا وينفري بلغ بها الامر ان تقول أن «الاشخاص الذين يحبون انفسهم بحق لا يخرجون ويحاولون قتال الآخرين» ويبدو أنها لم تسمع بأدولف هتلر أو ماوتسي تونغ أو جوزيف ستالين، الذين هم طغاة كانوا يتمتعون بثقة عالية بأنفسهم، أو انها لم تسمع بموجات الجرائم التي يرتكبها تلامذة المدارس في بريطانيا وأميركا. صحيح أن هؤلاء الاشخاص ربما كانوا يفتقرون لاشياء كثيرة، ولكن الأمر المؤكد هو أن الثقة بالنفس لم تكن واحداً منها. ضرار عمير