كشف المؤرخ إنريكي فلورسكانو النقاب عن اكتشاف جديد كفيل بأن يجعل من اعادة صياغة تاريخ المكسيك القديم امراً لا مفر منه، حيث يثبت ان «تيوتيهواكان» هي مهد الممالك والحضارات في اميركا اللاتينية. وبهذه الطريقة اصبح من المسلم به اعتبار «تيوتيهواكان» الحضارة الاهم في اميركا قاطبة، لأن ثقافتها ولغتها وفكرها كلها امور كانت حاسمة بالنسبة الى التشكل التاريخي لشعوب اميركا اللاتينية منذ الحقبة الكلاسيكية، الاكثر اشراقاً بالنسبة للمنطقة، وحتى وصول الغزاة الاسبان عملياً. ومع هذا الطرح، الذي يضاف كمقدمة لاعادة تقويم ما يسمى بمدينة الآلهة وصورة الافعى المغطاة بالريش، يقوض هذا المؤرخ الاختصاصي نظرية سادت طوال اكثر من نصف قرن بين التيارات الدراسية حول اميركا اللاتينية، التي حددت ذلك المكان الاسطوري في مدينة «تولا» لولاية «هيدالجو» حالياً. وتوصل فلورسكانو الى هذا الاستنتاج بعيد توثيق لقى اثرية وابحاث تاريخية ومعارف حديثة، تظهر جميعها تدخلاً عسكرياً وسياسياً وثقافياً ودينياً لثقافة التيوتيهواكان» في مواقع متفرقة من اميركا، مثل مناطق المايا، في ازمنة مبكرة جداً مقارنة مع المرحلة الكلاسيكية. ويضاف الى ذلك اكتشاف اخر يعود الى بضع سنوات ويفيد بأنه خلال الحقبة الكلاسيكية كان شعبي الزابوتيكو والمايا، يعترفان بتلك الحاضرة كوطن ام تحت اسم «تويان»، موطن الخيزران (رمز الحشود) ومدينة الرجال الحكماء. ويقول المؤرخ انه «في تعارض مع الدراسات السابقة لعام 1970، التي عرفت تيوتيهواكان كحكومة، ذات طابع روحي تركز على الطقوس الدينية وتجارة الكماليات، تكشف ابحاث حديثة العهد القوة العسكرية لدولة تيوتيهواكان وطبيعتها التوسعية، وهذا الميل حولها الى الآلة الحربية الاكثر فعالية في المنطقة كلها. وهناك مثال على سلطة تيوتيهواكان الغازية يتمثل بحضور الاسلحة والعتاد الحربي التيوتيهواكاني في كل من (تيكال) و(كوبان) و(كامينالجويو) وممالك اخرى للمايا التي اعلنت ان حكوماتها تحدرت من حاضرة المكسيك المركزية. كما تسمح عمليات فك الرموز الكتابية للمايا والدراسات الحديثة للكتابات القديمة المنقوشة بالتأكيد بلا شك على انه في عام 378 ميلادية تم اجتياح مملكة (تيكال) الجبارة على يد قائد تيوتيهواكاني قام بعزل حاكمها ونصب مكانه سلالة من اصل تيوتيهواكاني». وهناك مثال اخر اعده المؤرخ نفسه يتمثل بالتوظيف الرمزي لـ «كويتزالكوتل» او الافعى المغطاة بالريش ذات الاصل التيوتيهواكاني وذلك من اجل تمثيل السلطة وسلالة الحاكم في الممالك اللاحقة. ويشير المؤرخ الى ان «هذا الرمز اكتسب ذلك الاحترام، الذي كان الرمز الملكي الاكثر انتشاراً وكاريزمية منذ تلك السنوات ولغاية سقوط (تينوشتيلان) في ممالك عدة، الامر الذي يؤكده ظهوره المبجل في كل من (اكسوشيكالكو) و(كاكاكستلا) و(تولا) و(شيشين لتزا) و(شولولا) و(اكسمال)، و(كويكستلاهواكا) و(يتلانتتونجو) و(مايابان) و(يتنوشيتلان) وعواصم اخرى. ويكتسب تعريف «تيوتيهواكان» على انها «تويان» القديمة معنى اعمق بسبب اكتشاف ان لغة سكان هذه الحاضرة كانت مختلفة عن الـ «ناهوالت» اي ان «تيوتيهواكان» مثلها مثل ثقافات الحقبة الكلاسيكية الاخرى، كانت تمتلك كتابة متطورة تماماً ومشابهة لكتابة الـ «ازتيكا». وهذا له اهمية فائقة لأنه يعني ان الغاهوالت كانت اللغة التي ضمت تحت جناحيها ثقافياً وسياسيا ودينياً واجتماعياً العالم الاميركي منذ القرن الاول على اقل تقدير وحتى يومنا هذا. ونحن نستطيع الآن فقط توضيح لماذا عندما وصل الاسبان الى (تينوشيتتلال) وجدوا انه من السهولة بمكان قبول «النهوالت» كلغة صريحة لكل اميركا اللاتينية، ذلك ان هذا الحال كان كذلك طوال عدة قرون خلت. ومع هذا الاكتشاف، تبلغ ثقافة «النهوي» عمقاً وكثافة تاريخيين غير مسبوقين. وتقدم الترجمة المقترحة من قبل انريكي فلورسكانو ايضاً تفسيراً جديداً حول اصل «تولا» و«شيشيين لتزا» اللتان ينسب تطورهما التاريخي وتشابه ثقافتيهما الى ان كلتيهما كانتا قد شكلتا تحت وصاية «تيوتيهواكان» وليس كما يثبت علماء الآثار بأن الاولى عزلت الثانية عسكرياً. وعلى الرغم من وعي المؤرخ للبلبلة والمجادلات التي سيثيرها اكتشافه هذا إلا انه يقول بأن ذلك «سينشر في تاريخ لاحق سواء في كتب ام في ملاحق الصحف». ويكرر أن «تيوتيهواكان» ما هي الا «تويان» الشهيرة، اي الرحم الذي ولدت منه خاصية الرؤية الفضائية الاميركية اللاتينية حول اصل العالم ومنبع فكرة الآلهة ومبدأ الممالك، وكذلك الحاضرة السياسية والدينية والثقافية الاكثر تأثيراً بين سنوات 100 و 650 ميلادية. باسل ابو حمدة